لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الأحد، 3 يونيو، 2012

تنمية الانتماء للوطن للأطفال بقلم:د. السيد نجم


تنمية الانتماء للوطن للأطفال

ورقة قدمت للحلقة البحثية حول

الثورة وحقوق المواطنة للطفل المصري
بقلم: السيد نجم
تحرص الأمم على تزكية مفهوم الانتماء إلى "الهوية", لإعلاء شأن الواقع عله يقترب من المثالي. وتعد الكتابة للطفل من أهم الكتابات في هذا الخصوص, فكاتب الطفل يخاطب مستقبل أمته, وفي هذه الحالة يجب توافر عنصر "الوعي" بالذات والآخر، سواء عند الكاتب من جهة، ثم بثه وتشكيله فى وجدان الطفل من جهة أخرى. 

& الوعي هو:
لعل "الوعي" هو أهم خصوصية العقل البشرى ومعطياته. وهو ما يتبدى جليا في صراع الإنسان ضد الطبيعة وترويضها.. وفى صراعاته اليومية، سواء مع أبعاد الشخصية الذاتية أو مع الآخر في المجتمع.
إلا أن هذا "الوعي" على علاقة جدلية بين "الفرد" و"المجتمع".. ما بين الأنانية والانتماء لجماعة.. ما بين المنفعة الذاتية والمنفعة الجماعية.. ما بين الخاص والعام, وهو ما يولد "المعرفة" (التي هي اجتماعية المنشأ والطابع والتوجه) التي تسعى لفهم الذات والآخر وكشف أسرار الطبيعة والمجهول.
إن تلك الرؤية تتشكل في المجتمع بحسب مفهوم "المصلحة" أو "المنفعة", في إطار ثقافة المجتمع نفسه أو إطار النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. هذا الوعي قادر على تحريك الأفراد, الجماعات, الشعوب, والأمم.. بحيث يتحول إلى طاقة بشرية هائلة, ذلك لأن "الوعي" قابل للتوظيف الأيديولوجي أو قابل للتوجيه والإدارة بالمعنى العام.

السؤال هو: "الوعي" بماذا ولماذا؟ وماذا يعنى "الوعي" في تزكية روح الانتماء والحفاظ على الهوية؟

للإجابة نتوقف بين قطبي دائرة يتشكل داخلها الوعي عند الطفل.. "الحرية" و"العدوان". لقد جبل الإنسان على "الحرية".. لكنها المنفعة الخاصة في مقابل منفعة خاصة أخرى, ليصبح من اللازم دراسة "الآخر" وفهمه, لمواجهة "العدوان" إن لزم الأمر.. وبالتالي يتشكل الوعي المنتمى للوطن والمقاوم للعدوان على الأوطان (بكل أشكاله).

أولا: الحرية.. تسعى كل الكائنات الحية وبالفطرة إلى التحرر من الأضرار, وذلك بفعل بيولوجي (حيوي), وهو الواضح في فعل التقيؤ والعطس وغيره للتخلص من السموم والأضرار. مثل تلك الأفعال البيولوجية لا تعد أفعال مقاومة، ولا تشي بالوعي، لأنها غير إرادية.
إلا أنه مع (الوعي)، بمضي الوقت واكتساب الخبرات, يكتسب المرء (وبالتكيف) قدرا مناسبا من السلوك المقاوم من أجل التحرر.. ثم بالتكرار وحساب النتائج, تكتسب الخبرة اللازمة, وتتشكل خبرة "التكيف الفعال" operant conditioning. وبتكرار هذا التكيف الناجح يكون الأثر المسمى ب"المعزز", فالطعام معزز للكائن الحي الجائع (مثلا), وللنتيجة المعززة للطعام يتكرر تناول الطعام كلما شعر الإنسان بالجوع.. وهكذا بالوعي وتحقيق النجاحات الصغيرة فى التعبير عن الذات وعن التحرر، يتحقق المعزز للحرية والانتماء.

درس العالم "ب.ف.سكينر" تلك الحالة وانتهى إلى ثلاث صور من الخلاص:
-الهرب.. أي الابتعاد عن المتاعب في محاولة سريعة لتجنب المشاق. وغالبا ما يتجلى ويصبح وسيلة ملحة عندما تزداد الظروف بغيضة وأكبر من احتمالات الأفراد والجماعات.
-الهجرة أو ترك البيت أو الانسلاخ من حضارة أمة بأكملها (كما يفعل الهيبى).. هي الوسيلة الثانية التي تستخدمها الأفراد, كي تكون خارج مدى المشكلة.
-الهجوم.. على من ينظمون أو يتسببون تلك الظروف الشاقة غير المحتملة.
هذا النمط الثالث, هو ما يفسر به "سكينر" ظاهرتي "التخريب" و"الشغب" التي تندلع أحيانا في المجموعات الفئوية أو بين الطلاب والعمال.. أو حتى الشعوب المقهورة (وهو ما يعنينا هنا فى توعية الطفل القادر على مواجهة المعتدى (الخارجي أو الداخلي) بقدر تعلقه بالانتماء إلى وطنه.

قد يلزم الإشارة إلى بعض المصطلحات التي قد تتوازى أو تتداخل مع مفهوم "الحرية":
"الكرامة".. وهى من أكثر المصطلحات ارتباطا بمفهوم الحرية. والمتابع قد يعزى الكثير من الأحداث العنيفة بين الأفراد, وحتى بين الشعوب, إلى الكرامة بمعنى ما، لأنها مرتبطة بمفهوم القيمة عند الأفراد أو الشعوب.. أي أن "الكرامة" و"القيمة" مصطلحان مترادفان لمعنى واحد. كما تعد الكرامة من الأفعال المعززة, عند الأفراد/الشعوب, كما يلاحظ أن التصفيق والهتاف فعل إيجابي معزز لأحد المطربين (مثلا) المجيدين.
وبالتالي فالكرامة قيمة هامة ويجب بثها فى وجدان الطفل.

وفي خطوة تالية, يمكننا الادعاء أن الإنسان يكون أقل مقدار من الحرية, والكرامة, وهو تحت أي تهديد مادي. أي وهو تحت تهديد "العقاب" أو "الحبس" أو غير ذلك. كذلك حال الشعوب, بحيث يصبح الشعور بفقد الحرية والقيمة تحت تهديد الاحتلال أو الهيمنة أو السيطرة.
لذلك يجب مراعاة ما يمارسه البعض بالعقوبات المادية (العنيفة) مع الأطفال، حتى لا يتشكل الوعي المقهور.

إجمالا ربما "الحرية" التي نسعى للوعي بها عند الطفل هي: ما نعرفها بنتائج بعض السلوكيات البغيضة.. أو هي حالة يستشعرها المرء (أو الشعوب) مع غياب السيطرة التعسفية.. أو حالة ذهنية تبدو واضحة بأن يعمل المرء ما يريد أو يرغب.. (وتتعدد تعريفات الحرية)

ثانيا: العدوان Aggression .. هو ظاهرة التعبير عن الصراع.. الصراع الداخلي (بين المرء ودواخله)  أو (بين الأفراد والجماعات والدول)، في مواجهة تتسم بالعنف. غالبا يتبدى الصراع الداخلي على شكل معضلات نفسية ومشكلات تصل ذروتها بالانتحار. أما الصراع الخارجي فيتبدى يعبر عن نفسه بالمشاجرات بين الأفراد والجماعات, والمعارك بين الدول.
وقد نال موضوع "العدوان" جانبا من أحكام القرآن الكريم, أشار إلى صوره ودوافعه في العديد من السور والآيات، منها:
        "فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه, وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو, ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين".. سورة البقرة آية 36
وللعدوان صور متعددة في القرآن غير القتل:
-   العدوان اللفظي "بالسب".. "أن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطون إليكم أيديهم وألسنتهم و ودوا لو تكفرون" سورة الممتحنة آية2
-       العدوان بالتهكم والسخرية.. "زين الذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين أمنوا" سورة البقرة آية212
-       العدوان بالشماتة .."إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء"سورة الأعراف آية150
-   العدوان بالغيرة (المضمرة).. "إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة أن أبانا لفي ضلال مبين" سورة يوسف آية 8
وهناك صور أخرى: العدوان بالبغضاء وبالكراهية, مع صور العدوان على النفس.. سواء الصريح أو المضمر.. وغيره.

هناك عاملان يزكيان العدوان أو السلوك العدواني, العامل السيكولوجي أو النفسي, والعامل الأيديولوجي أو العقائدي أو السياسي.
الأول (النفسي).. يتسم بالانفعالية الزائدة, وهو في الأفراد كما في الجماعات والشعوب. عرف عن الهند تلك السمة الانفعالية, فالميثولوجيا الهندية مليئة بالعنف "البراهماتية", بينما عند الصين على العكس, الحرب, يقول "كونفوشيوس": "الجنرال العظيم حقا هو الذي يكره الغزو وليس حقودا أو انفعاليا".
العامل الثاني(الأيديولوجي).. هو الذي يفسر لنا مقولة في الحرب: إن الصراع وحده لا يكفى لإشعال الحروب, لأنه (أي الصراع) تابع لإرادة وإدارة سياسية تسبقه.. أي أن الحرب تلي فكرة الحرب. وهو وحده ما يبرز أهمية وجود عقيدة قتالية عند الجيوش المتحاربة.
هناك العديد من محاولات التعريف للعدوان:

* تتعدد تعريفات العدوان، نتخير منها، التعريف النفسي:
"يعد السلوك عدوانيا, إذا كانت نوايا المعتدى تبطن شرا وتقصده.. أو إذا كان السلوك هجوميا (جسمي أو نفسي) أو تدمير ممتلكات.. وإذا كانت النتيجة مؤلمة على الآخر (نفسي أو مادي).

ويقسم العدوان من حيث الشكل إلى:
..عدوان ضد المجتمع anti-social aggression ويشمل الأفعال المؤذية التي يظلم بها الإنسان نفسه أو غيره. وتؤدى إلى أضرار تشمل عدد كبير في المجتمع وأمنه (اعتداء على النفس والمال والعرض والعقل والدين).
..عدوان يرعى المجتمع pro-social aggression ويشمل الأعمال المؤذية التي يجب على الفرد النهوض بها, لرد ظلم (خاص/ مجتمعي) أو للدفاع عن النفس والوطن والدين.. وهو في معنى "فرض عين" مراعاة لقوله تعالى:
           "كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن شيئا وهو شر لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" سورة البقرة آية 216

 

وحيث أن "الحرية" هي المسعى الواعي للتخلص من "الأضرار", بينما الفعل الحر يتسم بالإرادة الواعية لمواجهة تلك الأضرار. وحيث أن العدوان يبدأ من التهكم والاحتقار حتى الإرهاب بكل أشكاله والحروب النظامية. فالفعل الواعي الحر المناهض للفعل العدواني هو الفعل المقاوم والواجب حث الطفل عليه.

إذا كان سلوك الإنسان يحدده الخصائص الوراثية التي تعود إلى تاريخ تطور الجنس البشرى, والى البيئة التي تعرض لها بوصفه فردا.. فان البحث العلمي يرجح كفة السبب الثاني. لذلك يعتبر الوعي الإنساني (توعية الطفل) بمفاهيم الحرية والعدوان معززا للاستجابات الصحيحة للانتماء, والتي نرجوها للطفل، من أجل إعلاء إنسانيته، وتأكيد حقه في الحياة وفى الحرية والكرامة.
* إجمالا يمكن لإبداعات الطفل أن تحقق أهدافها من خلال عناصر متباينة:
.. إبراز الظروف البغيضة التي يعيشها الطفل، فى حالة الاحتلال أو الاستبداد وغيره.
.. تحديد "الآخر" المعتدى، أو تحديد العدو، وكشف خططه ووسائله حتى يعي الطفل كيف يواجهه.
.. حث الطفل على العمل, مع الاستشهاد بالنماذج الناجحة في التاريخ وفى الواقع المعاش.
.. تهيئة الطفل وتزكية اليقظة والانتباه, دون إصدار الأوامر والتعليمات.
.. ترجع أهمية إبداعات الطفل فى جانب هام منها، إلى أهمية إزكاء روح الانتماء  لديه.

& الانتماء إلى الهوية والطفل:
.. هل يمكن أن نحدد محاور مخاطبة الطفل حول الانتماء للهوية؟
تأتى معاملة الآباء للصغار كخطوة عملية لتحقيق الهدف: ألا نعامل الصغير على أنه رجل أو آنسة بل على قدر عقولهم.. أن تظل معاملة البنت أكثر رقة وأقل خشونة من معاملة الولد, مع تحميلهما نفس القدر من المسئولية.. مبدأ الثواب والعقاب.. القدوة العملية من الوالدين هي البديل العملي عن التلقين لمفاهيم القيم العليا, وهى وسيلة تنمية الوازع الضميري عند الصغار.

أما وقد تعددت وسائل التعامل مع الطفل, وهو ما ارتبط بالتقدم التكنولوجي لوسائل الاتصال والإعلام, وبالتالي لم تعد الجدة ثم الأم والأب وحدهم مصدر التلقين, ولا حتى المدرسة لمؤسسة تربوية تعليمية. وربما أصبحت هناك وسائل أكثر جاذبية وتأثيرا من الأبوين والجدة القديمة. لقد أصبحت لأجهزة التليفزيون والكمبيوتر مع الانترنت (إلى جانب السينما والمسرح بدرجات أقل كثيرا) الأثر الفاعل الأكثر تأثيرا في الطفل.

لذا يجب أن نخاطب الصغير كانسان قادر على "الاختيار" وليس تابعا لأفكارنا جبرا. فحبس بعض الوسائل الإعلامية الجديدة عن الصغار (كما يتبع بعض الآباء) يزيد الطفل عنادا. وما يقال عن الفضائيات يقال عن شبكة الإنترنت.. ولا يبقى سوى مصادقة الآباء للصغار والجلوس معهم للبحث والترفيه والتوجيه الخفي الذي لا يتسم بالجبرية.

& محاور مخاطبة الطفل (من خلال الأسرة والمؤسسات والإعلام):
أولا: التعرف على التراث الشفهي (بعد مراجعة بعضه)
التراث الشفهي مهدد بالضياع, ليس على مستوى الوطن العربي فقط, ربما يعتبر أحد المتغيرات أو المؤثرات المباشرة لثورة التكنولوجيا المعاصرة. طغت وفاضت المحطات التليفزيونية الفضائية والأرضية, ثم المحطات الإذاعية, وغيرها من وسائل الترفيه والاتصال .. في مقابل إهمال غير مقصود من الأفراد لتداول العناصر التراثية.. مع رواج ملامح العناصر الاستهلاكية الجديدة بفضل شركات الإعلان التي تروج لكائنات جديدة بلا هوية, باتت أكثر شيوعا وتأثيرا!
يعتبر التراث الثقافي الشفهي المتمثل في الأغاني الشعبية والأمثال والأهازيج والألغاز والحواديت من المحاور الثقافية الفاعلة في تربية وتنشئة الطفل.. حيث تدعو إلى ترسيخ القيم النبيلة, وتنشيط النفوس بالمرح والحكمة, فضلا عن الإحساس بالأصالة والانتماء.
على تنوع العناصر التراثية قد تبدو في إقليم تراثي ما أو بلد ما متوحدا, إلا أن الباحثين بمصر يشيرون إلى تعدد الوحدات التراثية في العنصر الواحد, وهو ما اعتبره بعض الباحثين الأجانب من الظواهر غير المبررة. إلا أن الباحث "درويش الأسيوطي" يرى أن التنوع التراثي في مصر يرجع إلى التنوع السكاني, والهجرات التاريخية القديمة, ومهما كان هذا التنوع فهو يرتكز على أساسيات ثابتة مشتركة.

* "الانتماء" في أغاني وألعاب الطفل
يعد مفهوم "الانتماء" من أقدم المفاهيم, والتي قد تبدو فطرية أحيانا. وان تعددت محاولات تقنين المصطلح, فالدلالة لا خلاف حولها, وهو ما يمكن أن يلمحه الباحث في التراث الشعبي عموما, وفى الأغاني والألعاب الشعبية خصوصا.
.. لعبة "الغراب النوحي": حيث تتجمع الأطفال, بنات وبنين, إحداهن تقوم بدور الأم, يتعلق بذيل فستانها طابور بقية الأطفال, إلا أحدهم يمثل دور الغراب. يسعى الغراب للانقضاض على أي من الأطفال كرا وفرا والخصمان متواجهان. يسعى الغراب لاصطياد طفلا, وتسعى الأم لحمايته.. ثم يغنى الجميع:
           يقول الغراب: "أنا الغراب النوحي.. النوحي
                          أخطف وأروح سطوحي.. سطوحي
           فترد الأم:      "وأنا أمهم أحميهم..
                           إن عشت أربيهم..
                        وان مت ضربة تقطم رقابيهم...!"

.. لعبة "سلطانية مهلبية": تتكون من خمسة لاعبين أو لاعبات. يقف اللاعبون على شكل شبه دائري (تشبه السلطانية) يشبكون أيديهم معا, يطوحونها من الأمام إلى الخلف, وعند العد (عشرة..عشرين..) يصفقون, وعند العد (تسعين .. ميه) يمسك كل لاعب يد الآخر (اثنين- اثنين) ويخرج الخامس وحده, ثم يتفق الباقون على رقم معين (ثلاثة مثلا) يشبك كل لاعبين في يد بعضهما على هيئة قبة, يمر اللاعب الخامس من أسفلها.
ويرددون:  أول مرة سمحناك
            تانى مرة سمحناك
            تالت مرة ضربناك
ثم ينهالون علية بالضرب إلى أن يجرى. ومع بداية اللعبة تكون الأغنية التالية:
            " سلطانية مهلبية   ..  بابا قال لي عد الميه
             عشرة عشرين   ..   تصفيق
              ثلاثين أربعين   ..   تصفيق
              خمسين ستين    ..   تصفيق
              سبعين تمانين    ..   تصفيق
              تسعين ميه      ..   تصفيق"

.. لعبة "عسكر وحرامية":
ينقسم اللاعبون إلى فريقين, فريق حرامية, وفريق عساكر. يجرى الحرامية وفريق العساكر خلفهم. ومن يمسك, يتم ربطه (كأنها كلبشات أو أصفاد) إلى أن يتم مسك بقية الحرامية جميعا.. ثم يذهبون إلى القسم (مركز الشرطة).

وغير تلك الأمثلة كثير, تغلب عليها قيم.. تحدى المعتدى, السعي للحصول على الحق, المحبة في مواجهة الفرقة, مواجهة اللصوص.. وغيرها.                                                                                               *****                                                         .
ثانيا: التعرف المكاني والزماني لعالم الطفل
المقصود بالتعرف المكاني والزماني لعالم الطفل, هو مساعدة فضوله الفطري في البحث عن المكان والزمان. فقد رصدت الأبحاث التربوية أن الوليد يبدأ منذ شهوره الأولى تلك الرحلة البحثية من خلال حركة العينين والكفين, ثم عندما يحبو ويكتشف الأشياء الخفية أو المختفية تحت ألأسره أو أعلى الموائد! ثم بالسؤال: "من أين أتيت؟ وأين الله؟"..وغيرها، وهو ما يعد مدخلا فطريا لبث روح الانتماء وتعميق الهوية. 

لعل التاريخ هو الوعي بالذات الجمعي, من خلال التعرف على أحداث الأيام وردود أفعال الأجداد حيالها.. إذن هو الأحوال المادية المحققة للكلمة المعنوية /الوطن.
ولأنه يضم البعد الزماني/ المكاني في التجربة الإنسانية, كما يضم فكرة الفعل ورد الفعل وفكرة الصراع, بات التاريخ نبعا من منابع الإلهام للفن والإبداع.. في إطار من الأوشاج السببية, وبث جذور الهوية.

أكد البعض على أهمية الأعمال الفنية التاريخية, كما قال المفكر "جورج لوكاتش". وأن "التاريخ" أصبح مادة لصناعة تاريخ الأمم وتشكيل مستقبلها, والعمل الابداعى يوثق علاقتنا بالماضي من أجل المستقبل, وجوهر رؤيته الموضوعية.
فيما يدخل مصطلح "التراث" في إطار فهم الوطن التاريخ, ترجع أهمية التراث إلى عرف توظيف المصطلح, طالما مازلنا نبحث عن جوهر "الهوية". ولم تتشكل رؤية فكرية حاسمة للفصل بين التاريخي والتراثي.
وبالتالي فان تعريف الطفل بالتاريخ والاقتراب من شواهده الأثرية يعد من ضرورات تأصيل ملامح "الهوية" المرغوبة, حيث يشعر الصغير بتواصل الزمان, وتداخله مع الأمكنة والتي قد تبدو غريبة أو غير مألوفة، إلا أنها تشي بالتواصل مع الأجداد وان لم يرهم. على أن تتسم الأعمال الفنية التي تقدم للطفل، محاكاة التاريخ بتقنية مناسبة.. مع الاستفادة من "روح التاريخ"، حيث أن "الخيال" له دوره الهام مع الطفل. كما أن توظيف المعطيات التراثية المختلفة هامة للطفل، فالتاريخ والتراث يلعبان دورا أساسيا فى تشكيل انتماء الطفل.
                                           ******
ثالثا: القدرة على اكتساب المعارف والعلوم
وهو ما يلزم معه بداية أن يتعامل الطفل مع كل وسائل المعرفة المتاحة, في إطار توفير المادة المناسبة التي تزكى المفاهيم العامة والقيم العليا والانتماء.. وهو ما يدعو إلى وقفة راصدة حال أطفالنا مع النشر الالكتروني.
تلاحظ على المواقع التي تتعامل مع الطفل..
: عدم الالتزام الدقيق بخصائص المرحلة العمرية للطفل.
: مخاطبة الطفل الأنثى والذكر على قدر واحد من التناول.. سواء في الموضوع أو المعالجة, على الرغم من أهمية التمييز بين الجنسين خصوصا بعد الثانية عشرة.
: تقديم المفاهيم الغربية للأعمال المترجمة للطفل بشخصياته, ومفاهيمه وكأنه الشخصية النموذج.. فشاعت شخصيات "السوبر مان", "الرجل الأخضر".. وغيرهما بكل ما تحمله من مفاهيم أقل ما يقال فيها أنها في حاجة تدجين ومواءمة.
: سهولة النشر, والرغبة في التواجد على شبكة الانترنت, شجع البعض على اقتحام عالم الطفل, دون دراسة حقيقية لاحتياجات الطفل, وبلا وعى بخصائص الطفل النفسية والتربوية.
: أما عن مضامين الموضوعات التي تقدم للطفل, فهي على قدر غير قليل منها، إما بعيدة عن روح الطفل في التناول مع تقديم المعلومة قبل التناول ألفني.. أو الاهتمام بالمعلومة البعيدة دون القريبة, وربما أنسب مثال على ذلك, تقديم الشرائع الإسلامية قبل الاهتمام بالسلوك الإسلامي والدلالة القيمية, وهى التي قد يحتاجها الطفل أكثر.

* من أين نبدأ مع الطفل وعلاقته بالتقنية الرقمية؟
البداية في التربية ولا يمكن إغفال التعليم وليس التعليم التقليدي فقط, بل التعليم عن بعد, بتوظيف التقنيات الحديثة لتسهيل العملية التعليمية داخل دور الدراسة, ثم مع توظيفها للحصول على الدرجات العلمية المعتمدة.. مع ضرورة توافر ملامح عامة وهامة:
: أن يوفر للطفل المعلومة.. وإبراز السلوك القويم والقيم العليا, كل ذلك في إطار جذاب وشيق, معتمدا على مراعاة المرحلة العمرية للطفل, مع إعمال التفكير الابتكار لدى الطفل.
: كما أن توفير الاسطوانات أو الأقراص الإلكترونية (الديسكات) بات شائعا, ولا يجب إغفال أهميته كخامة وكوسيلة قادرة على احتواء كم هائل من المعرفة.
: أن يضم الديسك أو الاسطوانة على.. المادة اللغوية والمادة الفنية أو الرسومات المكملة التوضيحية. وقد وجد المختصون أن الألوان "الأصفر-الأحمر-الأزرق" هي أهم الألوان للطفل حتى سن التاسعة.
: يجب أن يكون الخط واضحا وكبيرا.
: يجب أن تكون الرسوم مكملة للمعنى, بل ويمكن الاستغناء عن المفردات الكثيرة, مقابل التوضيح بالرسم مع الجمل القصيرة.. هذا بالإضافة إلى إبراز الصورة المقربة, وإهمال الخلفية في الرسوم التوضيحية, وتوظيف تقنيات الكمبيوتر في إبراز الصورة من أكثر من جانب أو بأبعادها الطبيعية.
: استخدام التقنيات الحديثة في إطار من الإخراج الفني الملائم الجذاب.
: البعد عن النصح والإرشاد وبالعموم عن المباشرة وإصدار الأوامر للطفل, حتى يعتاد الطفل على استنتاج الحقائق.
: أن تغلب روح الطفولة على المادة المنشورة (الملائمة لسن الطفل ولجنس الطفل).
: تقديم المادة الثقافية/العلمية/التعليمية في إطار يحث الطفل على المشاركة, وتأهيله للتفكير الابتكار, بعيدا عن التلقين.
: أن يصبح التعامل مع جهاز الكمبيوتر ومعطياته (في النهاية) لعبة بين يدي الطفل.

أخيرا.. لم يفقد الكتاب التقليدي مكانته (ولن!), أما القضية فهي ضرورة الاستفادة من المنحازات التقنية الحديثة, فالإرادة البشرية وحدها هي القادرة على توجيه أي أنواع تكنولوجية تستجد في ساحة المعرفة.. ولا خيار أمامنا إلا الهرولة نحو إنجاز الطفل العربي القادر على التعامل مع التقنيات الجديدة.
***********************
توصيات
* فيما يخص التقنية الورقية والطفل..
- إعادة النظر فى هياكل "المكتبات" العامة الورقية للطفل، بحيث تصبح المكان الجاذب للطفل، والقادر على تنمية المواهب.. مع الاستفادة من المعطى التقني الرقمي فى أرشفة الكتب والبحث، جنبا إلى جنب المنتج الورقي, مع توفير الكتب المنتجة على أحدث التقنيات الورقية.
- دعم الحكومات العربية لتوفير كتاب ودوريات الطفل بأسعار مناسبة للجميع.
*فيما يخص التقنية الرقمية والطفل.. 
 ـ أن تتوجه الحكومات والمؤسسات لتوفير البنية التحتية اللازمة لتنشيط التقنية الرقمية. 
 – أن يتم البعث عن حلول عملية، مثل "نوادي الانترنت) لتوفير الخدمة للأفراد غير القادرين على تكلفتها. 
 ـ استكمال النقص القانوني والتشريعات اللازمة للتكنولوجيا.  
  ـ تعضيد البنية المؤسسية الحكومية، بالتدريب وتوفير التقنيات المتطورة والهياكل الإدارية الواعية..
ـ سد النقص فى كفاءة شبكات الاتصال وشبكات النقل والطرق والكهرباء والمياه، ونقص وتدني مفاهيم وقواعد العمل الاقتصادي، وكذا نقص المعارف باللغات الأجنبية. 
  – سد الفجوة الرقمية، ونقص المحتوى العربي على شبكة الانترنت، والخوف من الثقافة الغربية، وعدم الثقة في الاقتصاد الرقمي، ونسبة الأمية ومستوى التعليم.  
   – إقامة ورش فنية للتعريف بفنون التقنية الرقمية.. لمبدعي أدب الطفل، وللطفل لتعريفه بالمزيد من معطيات جهاز الحاسوب، والتعرف على أخلاقيات التعامل معه وبه.   
 – التعريف بمصطلحات, وترجمة جملة معارفه, مع تبسيط المعلومات حوله.  
 – استثمار علاقة الجيل الجديد بالتكنولوجيا لتقريبهم من الأدب الافتراضي، فمن المعلن أن ممارسي التعامل مع أجهزة الكمبيوتر في العالم العربي حتى عمر ثلاثين سنة, حوالي 65% من جملة المستخدمين.. وهى نسبة يلزم معها التوجه إلى تلك الشريحة العمرية بالضرورة.                                                               
*توصيات عامة:
   – الاستفادة من نماذج الأدب غير العربي, ونشره للتعريف بتجارب الآخر في هذا المجال.. سواء مترجمة أو غير مترجمة.
  – تبني المواهب الجديدة والشابة وتوجيهها نحو هذا النوع من الكتابة التي قد تستقطب جمهورًا مقاربًا لهم في العمر، ومتقاربًا معهم في الميول والاهتمامات.. وهى شريحة عمرية هامة في مجال التعامل مع الانترنت والتوجه نحو الأدب الافتراضي.
- الاهتمام بالطفل خارج المدن الكبرى (القرى- مناطق التجمعات الجبلية والصحراوية)
- رعاية وتشجيع أدباء وكتاب الطفل ماديا ومعنويا
 – تشجيع الطفل للمشاركة في شؤون المجتمع، والتفاعل مع جيرانه ومجتمعه.
*********

* المصادر والمراجع:
  - "الطفل من الخامسة إلى العاشرة" , جزأن, بقلم "أر نولد جزل"- ترجمة "عبد العزيز توفيق جاويد"- مراجعة "د.أحمد عبد السلام".  القاهرة- الهيئة المصرية للكتاب.
 - "الحصيلة اللغوية.. أهميتها, مصادرها, وسائل تنميتها".. بقلم: "أحمد محمد المعتوق"- الكويت "عالم المعرفة" - العدد 212
- "أغاني المهد".. بقلم "درويش الأسيوطي" /سلسلة "الدراسات الشعبية"/هيئة قصور الثقافة.
- "أغاني وألعاب شعبية للأطفال".. بقلم "صفاء عبد المنعم"/ سلسلة "الدراسات الشعبية" / هيئة قصور الثقافة.
- "الطفل في التراث الشعبي".. بقلم "د.لطفي حسين سليم"/ سلسلة "الدراسات الشعبية" / هيئة قصور الثقافة.
- "فن الكتابة للطفل".. بقلم "أحمد نجيب" / سلسلة "دراسات في أدب الطفل" / دار الكاتب العربي.
- مطبوعات "مركز تنمية الكتاب العربي"- الأعداد الخاصة بحلقات البحث ومؤتمرات الطفل- التابع للهيئة المصرية للكتاب.
- "قائمة الكلمات الشائعة في كتب الأطفال".. بقلم "السيد العزاوى" و"هدى برادة" / من مطبوعات "مركز تنمية الكتاب العربي"- هيئة الكتاب المصرية.
- "طفل القرن الحادي والعشرين.. ذكاء- موهبة- معرفة- جمال".. بقلم "السيد نجم" / دار الوفاء للطباعة والنشر.
- "ثقافة الطفل العربي" – سلسلة "كتاب العربي"- العدد 50
- "فصول عن ثقافة الطفل". بقلم: "عبدالتواب يوسف"- القاهرة "الهيئة المصرية للكتاب" سلسلة "  مكتبة    الشباب" عدد 29.
- "فقه السنة"- الجزء 3- بقلم: "السيد سابق"- دار الريان للنشر.
- "ما أدب المقاومة"- بقلم: "السيد نجم"- (تحت الطبع)


ليست هناك تعليقات: