لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الخميس، 3 مايو، 2012

"بليتشوهات الفنجان" قصة للأطفال بقلم: غادة عبد المنعم


بليتشوهات الفنجان
 غادة عبد المنعم
 كان عم ماندو يجلس وحيدا، واضعا يده أسفل ذقنه ، كان يقول لنفسه.. هاهو ابنى الوحيد قد ذهب لمدينة أخرى ليكمل تعليمه الجامعى، أما أنا سأبقى هنا وحيدا فى دكان تصليح العرائس هذا، ليس معى أحد، أو لدى أى أصدقاء سأبقى وحيدا تماما. 
 نظر عم ماندو لصورة زوجته الراحلة قسمة وابتسم فى حزن.
 ثم قال لها:" لقد فقدت كل أحبائى كما فقدتك، فقدت كل أصدقائى واحدا.. وراء الآخر، أحدهم سافر لبلاد بعيدة، والأخر يسكن مدينة أخرى، وحتى ابنى “سانتو” هاهو يتركنى ويعيش بعيدا، كم أفقده.." 
 أخذ عم ماندو يجول بناظريه فى دكانه، من حوله.. كان يشاهد العرائس التى أحضرها أصحابها الصغار ليصلحوها، .
تمنى لو كانت هذه العرائس تتكلم، ليتمكن من مصادقتها ، لكنه أدرك أنه حتى لو كانت هذه العرائس تتكلم وتتحرك، فإنها ستتركه بمجرد أن يصلحها، لتذهب لأصحابها الأصليين. 
 عندما فكر فى أن العرائس قد تتركه، وتعود لأصحابها، ليبقى هو وحيدا تماما، أخذ يبكى ، كان يمسك بيده كوبه المفضل الكوب الذى انكسرت كل الأكواب، وبقى وحده رفيقه طوال السنين الماضية كلها، والذى يحب أن يسميه فنجان البليتشوهات، لم يكن الكوب فنجان، حيث لم يكن له طبق يوضع تحته، كان مجرد كوب مرسوم عليه أربعة من البليتشوهات ، لكن عم ماندو كان يحب تسميته كذلك..
 فنجان البليتشوهات ..!! 
 أخذ عم ماندو يتأمل البليتشوهات الأربعة المرسومة على الفنجان "ميجو"و "بيجو" و"ميشو" و"بيشو" ويربط عليهم فى حنان وهو يشرب باقى الشاى ويبكى وحيدا. وضع عم ماندو الكوب بجوار الكوميدينو، واستلقى على الكنبة، وحيدا، داخل دكانه، الذى أصبح منذ ماتت زوجته - منذ فترة طويلة - مكان سكنه الوحيد ، تطلع مرة أخرى لصورة زوجته المتوفاة، الموضوعة على الحائط ، لاحظ أنها معوجة لأن أحد المسمارين اللذان يحملاها قد وقع ؛ لكنه كان فى طريقه للنوم؛ لذا قال لها أرجو ألا تغضبى عندما أصحو سأثبت الصورة، وبينما يستسلم للنوم شاهد الحجرة، كانت غير مرتبة، وشاهد الشباك، منذ زمن طويل لم ينظر من الشباك.
 قال عم ماندو لنفسه :" سأصلح كل ذلك غدا، وسأضع الكنبة فى مواجهة الشباك، لأتمكن من رؤية الشمس، وهى تشرق كل يوم ، سأفعل كل هذا غدا، نعم..غدا.. قبل أن أبدا فى إصلاح “اللعب” " 
كانت دموع عم ماندو مازالت تسقط وهو يستسلم للنوم. نام عم ماندو، لم يعرف كم من الوقت نام، صحا ودكانه ممتلء بالدخان، كان الشباك مفتوح والسحب تدخل من الشباك وتملأء الحجرة بدخانها الهش. أخذ الدخان يتجمع فى هيئة رجل ضخم من الثلج ، فتح عم ماندو عينه غير مصدق، اقترب من رجل الثلج، حاول الإمساك به ، وجد أنه رجل من الدخان، ووجد أنه يبتسم له.
 أشار رجل الدخان - الذى يشبه رجل من ثلج – لعم ماندو لكى يجلس، فى تلك اللحظة فوجئ عم ماندو ببليتشوهات الفنجان الأربع يغادرون أماكنهم على سطح الفنجان، ويخرجون للحجرة، إقترب كل منهم من عم ماندو، كل منهم نظر جيدا فى عينيه ، ربط على كتفه، وابتسم.. ثم بدأوا فى تغيير كل شىء فى الحجرة، حملوا الكنبة وعليها عم ماندو ووضعوها فى الجانب الآخر للحجرة، فى مواجهة الشباك، لترى الشمس وهى تشرق وتغرب كل يوم، ثم بحركة دائرية واحدة من الرجل الدخانى كانت الحجرة قد نظفت تماما .
 رصوا كل العرائس و”اللعب” القديمة التى تحتاج لإصلاح على الرف ثم أخذوا يقذفونها لعم ماندو واحدة وراء الأخرى، وعم ماندو الذى بنظرة واحدة، يعرف بخبرته موضع الخلل، وكيفية إصلاحه ، أخذ يصلح واحدة بعد أخرى ، ويقذفها لهم فيعيدوها لمكانها وسط “اللعب” التى تم اصلاحها. 
 أصبحت الحجرة فى منتهى البهاء ، تشع بالنظافة والجمال، فقد ثبتوا براويز الصور التى تساقطت، وأزالوا التراب عن الأرفف، ووضعوا زهورا فى الزهرية القديمة، التى لم يوضع فيها زهور منذ وفاة زوجة ماندو ، ووضعوا مفارش نظيفة على الأثاث وغسلوا الستائر وجففوها، وعلقوها، وصلحوا الراديو القديم، الذى خرجت منه الموسيقى أخيرا. 
حدث كل شىء كأنه لعبة سحرية، كانوا يتحركون وكأن موسيقى خاصة بهم، لا يسمعها غيرهم، تتدفعهم للحركة كأنهم يرقصون. ثم فجأة أمسكوا بيد عم ماندو، وطاروا به من الشباك، عبروا به السحب الحقيقية فى السماء. طارووا، ووصلوا بعد ربع ساعة من الطيران لقرية.. قرية يعرفها عم ماندو ، يعرفها جيدا ، نزلوا أمام نافذة بيت، نعم أنه بيت أخت عم ماندو، كانت تتناول العشاء مع زوجها وابنيها "ماندو" الصغير و"لامع" ، وضعت أمامهم طبق اللحم وقالت مبتسمة: "إن خالكم ماندو يحب هذه الوجبة كثيرا، ويفضلها من صنع يدى.." 
ابتسمت مرة أقخرى وقالت:" لقد اشتقت إليه كثيرا، سنذهب لزيارته فى المدينة.. فى الصيف القادم، وربما.. أرسلنا له ليزورنا هنا قريبا ، لقد افتقدته كثيرا". أكد زوجها عم تحسين على كلامها وقال: "سنرسل له ليزورنا، لعله يعانى من الوحدة الآن؛ بعد سفر “سانتو” للدراسة فى الجامعة ، سنرسل له ليزورنا قريبا". 
أراد عم ماندو أن يدق على النافذة لتسمعه أخته ، لكن ميجو سحبه من يده، وارتفع به من جديد ، من جديد، طاروا فى السماء حتى وصلوا للمدينة، التى تقع فيها جامعة ابنه “سانتو” ، هلل عم ماندو من السعادة سيرى ابنه “سانتو” ويطمئن عليه..! هبطوا هم الخمسة ميشو وبيشو وميجو وبيجو والعم ماندو فى ساحة واسعة أمام عدة مبان نظر ميشو وبيشو حولهم ثم رفعا عم ماندو من جديد ليطل على شباك فى الدور الثالث. كان “سانتو” فى الداخل ممسكا كتاب ونائم، إلى جواره كوب شاى، مرسوم على الكوب بلياتشو صغير، لكن الغطاء كان مرفوعا عن "سانتو" والجو بارد، هم عم ماندو بالدخول ليفرد الغطاء على ابنه، لكنه شاهد زميل ابنه فى الحجرة يغطيه، ثم يسحب الكتاب ويضعه بجواره.
 ابتسم عم ماندو ونظر لميشو وبيشو، اللذان أشارا لميجو وبيجو ليصعدا واكملوا جميعا الطيران. مرة أخرى وجد عم ماندو نفسه يطير، لكنه هذه المرة، كان يطير فوق مكان لا يعرفه، عم ماندو سأل بيجو : "ما هذا المكان" أشار له بيجو إشارة معناها ألا يتعجل. إنه بيت به حديقة جميلة، وتحت إحدى شجيرات الحديقة، يجلس رجل يشبه عم ماندو كثيرا، وفى نفس العمر تقريبا، عرفه عم ماندو فى التو، إنه عم شادى.. عم شادى صديق طفولته . هبط عم ماندو بجوار عم شادى، وهمس من خلفه: شادى.. 
التفت عم شادى، ثم قام واقترب منه،تفحص وجهه جيدا، وقال وهو غير مصدق :ليس معقولا ، لقد كنت أفكر فيك الآن ..!! هل أنت حقا ماندو.. صديق طفولتى ..!! إنها أفضل مفاجأة تحدث لى منذ سنين، جلس عم ماندو مع عم شادى يتكلمان، ويحكيان ما جرى لهما فى السنين الطويلة الماضية، التى مرت دون أن يلتقيا.
 بعد ساعتين من الحوار الحميم سأل عم شادى عم ماندو: "كيف أتيت، وأى وسيلة مواصلات استخدمتها، ثم من دلك على عنوانى ؟ " 
أشار عم ماندو للسماء.. وقال: من هنا..!! فى هذه اللحظة تيقظ ميجو، وبيجو، وميشو، وبيشو . وبحركة واحدة، وسط دهشة عم شادى، حملوا عم ماندو، وطاروا معه. أخيرا عادوا لمدينتهم ، لكنهم لم يكونوا فى طريقهم للبيت ، كانوا فى طريقهم لمكان آخر، لقد حطوا فى حديقة واسعة أمام قبر ..نعم إنه قبر الخالة قاسمة، زوجة عم ماندو ، أمام القبر كانت هناك سيدة تبتسم ، اقترب عم ماندو منها، وكان يبدو مندهشا ، نعم إنها الخالة قاسمة.. زوجته. 
أمسكت خالة قاسمة يد عم ماندو، ووسط اندهاشه أخبرته أنها سعيدة؛ لأنه إستطاع تربية ابنهما “سانتو” جيدا، ولأنه قام بتشجيعه على دخول الجامعة، رغم معرفته أنه سيقاسى من ابتعاده عنه ، ثم فجأة طارت الخالة قاسمة زوجة العم ماندو واختفت من أمامه..!!وصوتها يتردد من حوله، كانت تردد: "أنا دائما معكما..!!" تلفت عم ماندو حوله فلم يجد ميشو، بيشو، ميجو، ولابيجو.. كان وحيدا ، لكنه كان سعيدا، وقادرا على أن يمشى حتى بيته، وصل عم ماندو لبيته منهكا من المشى، ومن السعادة ، نام نوما عميقا، وهو يعرف أنه ليس وحيدا.
 صحا عم ماندو فى الصباح، ليشاهد شروق الشمس من فوق فراشه، فوق الكنبة القديمة، المريحة، التى أصبحت فى مواجهة الشباك، كانت الحجرة مازالت نظيفة، والراديو يصدر موسيقى ، وهناك زهرة زرقاء موضوعة فى الزهرية، وكان طيف زوجته يغادر الشباك. 
 لوح عم ماندو للطيف، وقام ليكمل عمله فى إصلاح “اللعب”.. صنع الشاى، وصبه فى الفنجان، وهو يتأمل البليتشوهات المرسومة عليه، واندهش كيف لم يفكر فى زيارة أصدقائه، وأخته وأبنائها من قبل. فكر أن أول ما سيفعله، ما أن يتم عمله فى إصلاح اللعب والعرائس، هو أن يذهب لزيارة أخته. أنهى عم ماندو عمله، وزع اللعب على أصحابها، ونوى السفر لزيارة أخته، وقبل أن يغادر بيته كتب خطابا لأبنه، طلب منه أن يهتم بزميله فى الحجرة، وأن يكون لطيفا وطيبا معه.
 وبينما كان عم ماندو فى طريقه لمحطة القطار، إشترى زهرة زرقاء، ووضعها على قبر زوجته، ثم ركب القطار ليقوم بزيارة أخته.

ليست هناك تعليقات: