لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الأربعاء، 21 مارس، 2012

"عجوز الجزيرة" حكاية شعبية للأطفال بقلم: سعاد محمود الأمين

عجوز الجزيرة
"حكاية شعبية"
سعاد محمود الأمين
رأت الأم فيما يرى النائم إن ابنتها نور العين، قد تم زواجها من الفارس المغوار بن شيخ القبيلة. وفجاءة جاء نسر ضخم، يرفرف أجنحته الطويلة العريضة، تغطى وجه الشمس، خطف النسر نور العين وحلق بها بعيدا.. القى بها فى قمم الجبال العالية. ولم يتقدم الفارس لإنقاذها. ولكنه تقدم نحو دهيبون ابنة زوجها، وحملها على صهوة جواده. 
إنطلق بها يسابق الريح وسط أهازيج الغناء والطرب من أهل الفريج. كان الجميع فرحيين ولكن أم نور العين كانت تصرخ مستغيثة بهم لينقذوا ابنتها. ولاحياة لمن تنادى .صرخت و صرخت، وهبت فزعة من هذا الحلم المزعج.سمعتها ابنة زوجها دهيبون، التى ماتت أمها اثناء ولادتها،لم ترها ولم تعرف حنان الأم، زوجة ابيها كانت دائما تقسوا عليها. منعتها من الذهاب مع الفتيات الى اللعب والتنزه، وجعلتها تقوم بجميع الأعمال الشاقة. كانت دهيبون تسكن فى الخيمة مع ابيها فى االبادية ، تأتى بالماء من البئر، وتسقى الحيوانات وتذهب بهن ليعتلفن من حشائش الأرض المجدبة، كان أهل الفريج يحبونها لأمانتها وتهذيبها وإحترامها للعجزة من الرجال والنساء والأطفال تساعد الجميع دون كلل أو ملل. هرعت نحو زوجة ابيها تسالها عما مايفزعها فى نومها ، فزجرتها بعنف أشارت لها أن تبتعد وقالت لها:لاتتدخلى هذا اأمر لايخصك. سرحت أم نور العين بنظرها بعيدا. تجمع شتات أفكارها. نهضت مسرعة، تتحسس مضجع ابنتها، فوجدتها تغط فى نوم عميق مرسلة شخيرا عاليا من أنفها الكبير. فاغرة فمها المنفرج عن أسنان صفراء. كانت تحمل كل مقومات الدمامة، لذلك كانت تكرة شقيقتها دهيبون الجميلة . وتكيد لها وتدبر لها المتاعب ، فتنهال عليها زوجة الأب بالضرب والسب وتخبر أبيها باكاذيب تنشرها حتى يغضب من دهيبون ويعاقبها.
كانت دهيبون كلما حدثت لها متاعب من شقيقتها وزوجة. تنام حزينة. فتزورها فى المنام أمها المتوفاة، تأتيها على شكل ملاك له أجنحة بيضاء فى صورة بهية، تقبّلها وتضمها اليها فى حنان. تواسيها .وتناصحها وتذكرها دائما أنها قريبة معه اوتقول لها: الحياة جميلة فلاتحزنى، وتغلبى على مصاعبها بالصبر، وحسن الأخلاق. كونى قوية، فتطمئن دهيبون ويذهب حزنها وتسعد لرؤية أمها فى المنام.
تكرر الكابوس المزعج، فتوجست أم نورالعين خيفة، وظنت إن هناك من يدبر لابنتها مكروها. وشكّت فى دهيبون التى ظنتها تغار منها فصارت تفكر ليل نهار كيف تتخلص منها.
ذهبت أم نور العين لإمراة شريرة، تسكن فى خيمتها وحيدة، فى أقصى مضارب الفريج. وقد عرفت هذه المراة بالخبث، والدهاء، والمكر. يذهب اليها الأشرار لتدبير المكائد. كانت مكروهة من أهل الفريج. قالت لها بصوتها الأجش: فى الجزيرة فى وسط النهر. عجوز شمطاء شريرة. أرسلى لها دهيبون لتقوم على خدمتها.ربما تهلك فى الطريق الى الجزيرة ،الوعرة مسالكها ،المحفوفة بالمخاطر وبذلك تتخلصى منها دون إن يدرى أبيها.
فرحت الأم فرحا شديدا ، وقالت لزوجها بعد أن أطعمته وأسمعته مديحا كثيرا عن ابنته دهيبون. وشرحت له حبها لها وحرصها عليها، فهى تريد أن ترسلها الجزيرة، تتعلم فنون الغزل فالجزيرة مشهورة بذلك. وافق الأب وأوصى ابنته دهيبون بالحرص على نفسها والتحلى بالأخلاق الكريمة.
عندما وصلت دهيبون الشاطئ حيث ترسوا المراكب لم تجدها. فقد غادرت نحو الجزيرة وكانت الشمس قد أوشكت على المغيب، فنظرت الى المياه والأمواج تتلاطم، محدثه صوتا مرعبا. تملكها الخوف .جلست حزينة تنظر الى صفحة المياه. وقد بدأ القمر يرسل اشعته الفضية . والأمواج تزداد عصوفا. فجاءة قفز تمساحا ضخما وقال لها: دهيبون الطيبة إجلسى على ظهرى. لاوصلك الجزيرة إرتعدت دهيبون من الخوف وقالت له: كيف عرفت اسمى...؟ قال لها لقد سمعنا عنك من العابرين من هنا. إنك بارة باهلك.. هيا..هيا . قفزت على ظهره فقطع بهاالنهر. وأنزلها فى الجزيرة. جلست تحت الشجرة تتناول طعامها. من الخبز الجاف.
حطت حمامة أمامها، فنثرت لها دهيبون فتافيت الطعام. قالت لها الحمامة:إنك فتاة طيبة، كريمة هل أنت ذاهبة الى عجوز الجزيرة ..؟ قالت لها دهيبون: كيف عرفت..؟ قالت الحمامة : تأتى الفتيات ليتعلمن الغزل ولكن العجوز اللئيمة، لاتقوم بذلك الابعد أن تختبر أخلاقهن، ولكنها ستعلمك الغزل أنت أخلاقك حميدة.
سأعلمك كيف تتعاملى معها. فأنا أحط فوق سقف كوخها كل شروق شمس، لذلك علمت سرها فهى تطلب الخدمات بكلام غير مفهوم لأنهاكبرت فى عمرها وأصابها النسيان.
دهشت دهيبون وقالت للحمامة: كيف ذلك ردت الحمامة :عندما تطلب الماء تعنى الطعام. اوعندما تطلب منك إفراغ الجرار تعنى جلب الماء.
فرحت دهيبون وشكرت الحمامة، وعندما وصلت كوخ العجوز، طرقت الباب بأدب وخوف فجاءها صوت العجوز من الداخل تفح مثل الثعبان قالت:حححححححمممممممممم من أنت؟
ــ أنا..دهيبون
ــ ماذا أتى بك
فتذكرت وصية الحمامة فقالت :جئت لخدمتك
فسمعت خطوات بطيئة تتجه نحو المدخل فزاد خوفها..
نظرت لها العجوز من تحت أجفانها المنتفخة، وعيونها تلمع مثل عينىّ القط، وفمها خالى من الأسنان وأخذت بيدها بحنان وقادتها الى الداخل.
وطلبت منها .الماء فاعطتها الطعام، فاكلت وشكرت ثم طلبت منها أن تفرغ الجرار، فملاتها ماء من البئر
وأخيرا سالتها: هل تريد تعلم الغزل الخشن بالوبر والصوف..... فاجابتها: نعم... فجاءت العجوز بالنول والخيوط الناعمة، من الحرير، والقطن الملونة بالأحمروالأخضر والفضى والذهبى. ونسجت أجمل الأقمشة والمفارش.
عند رحيل دهيبون، ودعتها العجوز شاكرة لها طيبتها وتهذيبها واحترامها لكبار السن. وكستها بشال ذهبى زادها جمالا.
عند أطراف الفريج..، رأى الأهالى دهيبون قادمة، ترتدى ملابس موشاة بخيوط ذهبيه ومعها المغزل والحرائر.فرحوا بقدومها فقد حزنوا لفراقها طويلا حتى الحيوانات تركت المرعى لغيابها. وبعد وصولها صارتتنسج الأقمشة للفتيات. وإشتهرت وكثر المتقدمين للزواج بها. دب الحسد فى قلب أم نورالعين ،فأرسلت ابنتها وذودتها بكثير من الطعام. عندما وصلت الشاطئ، لم تجد المراكب فصارت تبكى وتصرخ فذعر التمساح وأراد مساعدتها فنهرته قائلة: إذهب بعيدا أيها المتوحش. هل تريد أن تفترسنى؟ صمت التمساح وغفل راجعا داخل الماء يراقبها عن كثب . جلست ثلاث ليال تنتظر المراكب، وعندما عبرت الى بر الجزيرة . 
 حطت قربها الحمامة لتوصيها. فطلبت منها فتات الطعام، فصرخت فى وجهها:أ مى قالت لى لاتعطى طعامك لحمام الجزيرة.. طيرى بعيدا لن أعطيك. طارت الحمامة وحطت على سطح كوخ العجوز تنتظر قدومها. عندما وصلت للعجوز، رفضت تقديم الخدمات والمساعدة .إغتاظت منها العجوز. وسكبت لها القطران والأصباغ على ملابسها وشعرها وجسدها. وأصبحت مسخا ملونا، وطردتها شر طردة. فهربت باكية حيث مضارب الفريج .عندما لاحت قادمة صاح أهل الفريج متسائلين: من فعل بك ذلك؟ فصارت تبكى وتنتحب وأمها تواسيها. وعندما أرادت الفتيات أن يعرفن قالت لهن: إن أمى من فعل بى ذلك. فهى لم تعلمنى إن أكون طيبة مع الأخرين. وأرادتنى أن أكون مثلها ، ملأتنى حقدا. فحزنت الأم وصارت حديث المجالس فى الفريج.فكرت مليا ثم قالت لابنتها:من اليوم علينا أن نتغير يابنتى ، الناس بالناس ويحصد الانسان مايزرعة. فالنزرع المحبة وأنا تعلمت الدرس القاسى وانهمرت دموعها . 
ومنذ ذلك التاريخ ،صارت تحنوا على أهل الفريج وتعامل دهيبون مثل ابنتها وبادلوها المحبة. ورحلت عنها الكوابيس المرعبة فى الأحلام وعاشت سعيدة مع ابنتيها دهيبون ونور العين.

ليست هناك تعليقات: