لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الجمعة، 27 ديسمبر، 2013

"الكتكوت الذكي " قصة للأطفال بقلم: خيري عبدالعزيز

الكتكوت الذكي  
  خيري عبدالعزيز
    سقط ظل أسود في فناء البيت, حيث تتريض الدجاجة الأم مع أفراخها الصغار, وحام في جولات سريعة لتحديد الموقف قبل أن ينقض؛ فتكهرب الجو, وشخصت الدجاجة الأم ببصرها إلى السماء فزعة تتابعه, وبقبقت منفوشة الريش, وأخذت تنادي صغارها المنتشرين في أنحاء الفناء, فتذكروا الدرس الأول الذي لقنتهم إياه عن الحدأة, ومخالبها التي لا ترحم..
    وبينما الحدأة تنقض من حالق, شاهرة منقارها الحاد ومخالبها الماضية, كانت الدجاجة وصغارها يهرولون إلى حظيرتهم الآمنة, متخطين الكلب العجوز الراقد على فتحة الباب, وهو يغط في نوم عميق .. وكادت الحدأة أن تعود صفر اليدين, لولا أنها لمحت بنظرها الحاد كتكوتا صغيرا خلف إناء الماء..
   اتسع منقار الحدأة عن ابتسامة شريرة, أظهرت أثار دماء جافة على جانبي منقارها الحاد المعقوف, وفركت طرفي جناحيها في تلذذ, وأخذت تقترب في حذر من الكتكوت الذي كان في غفوة من النوم..
    اكتشفت الدجاجة غياب صغيرها, فمدت عنقها من فتحة الباب تستطلع الخبر, فرأته قاب قوسين أو أدنى من مخالب الحدأة؛ فارتفع صوتها ببقبقات الاستغاثة, لعل الكلب العجوز يستيقظ من نومه, أو تسمعها ربة البيت..
   فتح الكتكوت عينيه, وشعر بالخطر من نظرات أمه الفزعة وبقبقتها العالية, ولمح الحدأة تقترب من خلفه؛ ففكر سريعا قبل أن يستجمع شجاعته, ويلتفت إليها قائلا:
  "لم التباطؤ أيها الطائر الكبير ؟!.. لقد انتظرتك طويلا.."
   بهتت الحدأة من جرأة الكتكوت, ونظرت إليه في بلاهة, وقد تدلى منقارها السفلي, وقالت متعجبة:
   "تنتظرني؟!"
   نظر الكتكوت إلى ساقه, وترقرقت الدموع في عينيه, وقال:
   "منذ خروجي إلى الحياة, بهذه الساق العرجاء, وأنا في انتظارك.."
   خطى الكتكوت بضع خطوات؛ لتتأكد الحدأة من عرجه, ثم استطرد بصوت فاض بالتأثر والحزن:
  "الديك الأعرج لا يصلح لتلقيح الدجاج يا عزيزي.. ومصيري في هذه الحياة القاسية هو الذبح.. والذبح قاسي جدا.. أقسى من مخالبك ألف مرة .."
جفف الكتكوت دموعه ثم تابع:
"عندما أرى الدجاجة تستغيث, والسكين تجز رقبتها, وتفصلها عن جسدها بلا شفقة أو رحمة, وتظل المسكينة تتلوى حتى تخمد حركتها, وقد صار جسدها في اتجاه ورأسها في اتجاه آخر, يومها أمسك رقبتي, وأشعر بها تكاد تطير بين لحظة وأخرى, ولا يغمض لي جفن طوال الليل.."
    ابتلعت الحدأة ريقها, وتحسست رقبتها بلا وعي, في حين استطرد الكتكوت قائلا:
"وقلت لنفسي؛ إن كان القدر قد منحك ساقا عرجاء – أيها البائس - بلا اختيار؛ فاختر أنت نهايتك بقلب شجاع ونفس راضية.. واخترتك أنت أيها الطائر الكبير.. ومن يومها وأنا في انتظارك.. هيا انقض علي, وأرحني من بؤسي وشقائي.."
    ظهر التأثر في صوت الحدأة, وقالت وهي تكاد تبكي:
   "هون عليك أيها الصغير.."
قال الكتكوت وقد انسابت دموعه بغزارة:
   "أنت لم تجرب أن تكون أضحوكة بين إخوتك, بسبب قدمك العرجاء.. إخوتي.. إخوتي الذين كانت بيضتي ملاصقة لبيضهم تحت أمنا الحنون, وخرجنا جميعا إلى الوجود في يوم واحد.. ألا ما أقسى الحياة.."
    ربتت الحدأة على رأس الكتكوت, وقالت مشفقة:
    "لا تحزن أيها الصغير لقد مزقت قلبي.."
    واستطردت بينما تشحذ مخالبها:
    "سأخلصك من هذا البؤس على الفور.."
    نظر الكتكوت إلى الحدأة ممتنا, وتحسس مخالبها الحادة, وقال:
   "هل لي ببعض القمح وجرعة ماء, قبل أن تمزقني بمخالبك أيها الرحيم؟"
    أومأت الحدأة برأسها موافقة, فجر الكتكوت نفسه إلى إناء الطعام, والتقط حبات القمح في نهم حتى شبع, ثم تجرع بعضا من حسوات الماء, فقالت الحدأة متعجبة:    
    "هل كنت جائع وعطشان إلى هذا الحد؟!.."
    أومأ الكتكوت برأسه, وقال:
  "لا أكل ولا أشرب حتى ينتهي إخوتي.."
  قالت الحدأة متسائلة في عجب:
   "لماذا؟!.."
    أجاب الكتكوت:
   "لا أقدر على مزاحمتهم بسبب ظروف ساقي.. فلا أقترب من الإناء حتى يشبعوا.. وقتها لا أجد ما يسد رمقي.. فصرت أنحفهم جسما, وصار الواحد منهم في مثل حجمي مرتين.."
    سال لعاب الحدأة, فغمغمت, وقد طاش عقلها:
   "ياه .. معقول ؟!!"
    استطرد الكتكوت, مشيرا إلى جسده الصغير ساخطا:
   "وهل يوجد ما يشغلهم سوى الأكل والشرب والسخرية مني, حتى صار الدهن يترجرج في أفخاذهم رغم سنهم الصغير.."
    تاه عقل الحدأة, وتساقط اللعاب من منقارها, في حين قال الكتكوت مؤكدا:
   "هل أنادي عليهم لتتأكد بنفسك أيها الرحيم؟"
    ومضت عينا الحدأة, وكتمت أنفاسها, وهي لا تكاد تتمالك نفسها من شدة الانفعال, فهزت رأسها موافقة.. فقال الكتكوت مفكرا, وهو يتفحص المكان من حوله:    
    "حسنا .. فلتختبئ هنا كي ترهم عن قرب.."
    وأشار الكتكوت إلى القفص الكبير الموجود بجوار الحجرة التي بها الدجاجة وإخوته الصغار, فتوجهت الحدأة إليه, وقلبها يرقص طربا, وقبل أن تحشر جسدها الكبير لتدخل من فتحة القفص الصغيرة, أمسكها الكتكوت من طرف جناحها, وقال مترجيا:
   "عند اتفاقنا.."
 أشهرت الحدأة مخالبها, وربتت بها على رأس الكتكوت, وقالت مؤكدة:
    "لا تقلق.. سأنتزع روحك بمجرد أن أشاهد إخوتك.."
    وما كادت الحدأة تدخل القفص, حتى كانت الدجاجة الأم تطير في الهواء, وتهبط بكل قوتها على باب القفص, لينزلق سريعا من أعلى إلى أسفل, فيغلق فتحة القفص على الحدأة.."
    ارتج القفص في قوة من ثورة الحدأة الغاضبة, فيما خرجت الكتاكيت الصغيرة فرحة مهللة من مخبأها, وجرت تحمل الكتكوت البطل على الأعناق, والأم تتابع صغيرها يجري برفقة إخوته سليما معافى, وهي تتساءل متعجبة:
   "من أين أتى كتكوتها الصغير بقصة الساق العرجاء هذه؟!.."

ليست هناك تعليقات: