لنشر عملك بالمدونة tosonislower@yahoo.com

الاثنين، 14 مارس، 2011

"علاء الدين والحاسوب السحري" قصة للأطفال بقلم سمية البوغافرية

علاء الدين والحاسوب السحري
سمية البوغافرية

الجزء الأول
ـ 1 ـ
علاء الدين والمارد الضخم
اشتهر علاء الدين وذاع صيته في الألعاب الإلكترونية وعمره لا يتجاوز سبع سنوات. فما كان علاء الدين يخوض مسابقة فيها إلا وحسمها لصالحه في الجولة الأولى. فتلألأ نجمه في وطنه وخارجه وتهاطلت عليه الجوائز من كل بقاع الكون. إلا أن نتائجه المدرسية كانت تشهد تدنيا مخيفا يبعث على القلق.
بذل والداه قصارى جهدهما لإنقاذه من آخر رسوب مسموح به في مدرسته. تسلحا بالصبر، وبالرفق في معاملته كما نصحهما طبيبه النفسي لإعداده لامتحان الثلاثية الثانية من الصف الثاني ابتدائي. في الصباح، أخذته أمه برفق وراحت تدربه على كتابة اسمه بمفرده. حتى اسمه صار علاء عاجزا على كتابته بدون أخطاء. بعد وقت طويل، كان يغيب فيه علاء كثيرا نجح في الأخير في كتابته وبخط سيء للغاية. يبدو كأنه كتبه بأصابع رجله. ويصعب التمييز بين حروف العين والهمزة واللام والدال والنون... ومع ذلك شجعته أمه وانتقلت به إلى درس التاريخ. فراحت تشرحه له ببساطة كأنها تشرحه لرضيع. بعد ساعتين من الشرح، بدا الانزعاج على الأم. كلما أيقظته من شروده ونبهته إلى الدرس الذي بين يديه عاد يسرح في البعيد من جديد. وفي الأخير ضاقت ذرعا منه. فصرخت في وجهه وخرجت تجهش بالبكاء.

في المساء، حل علاء الدين بمكتب والده يتأبط كتاب الرياضيات. فخاض معه أبوه معركة أخرى حول الزاوية القائمة. كانت ثقة والده كبيرة في أن يجعل علاء الدين قادرا على الانتصار على عجزه الذي احتار منه المعلمون والأطباء النفسانيون. بعد ساعة من الشرح والإيضاح لم يفلح علاء الدين في رسم الزاوية وتمييزها عن بقية الأشكال الهندسية الأخرى. فغضب أبوه وهوى على رأس علاء الدين بالمسطرة التي انقسمت إلى شطرين ثم رماه بكتابه ومقلمته وأوراقه...

لم علاء الدين أدواته وخرج يخنق دموعه. أغلق على نفسه في غرفته واسترسل يبكي. تألم كثيرا لأنه لا يستطيع التركيز في دروسه ولا يقوى على إرضاء والديه وبلوغ المستوى الذي ينشدانه فيه كما كان من قبل. إلا أنه لم يستسلم للألم طويلا. قفز من فوق سريره، فجلس أمام حاسوبه. فتحه، أدخل قرصا مدمجا يتضمن الألعاب الإلكترونية التي يعشقها. تحسس أثر الضربة على رأسه. أوجعته فدمعت عيناه وأسقط رأسه على لوحة المفاتيح مسترسلا يبكي، فإذا بمارد ضخم يخترق الشاشة !!..

ارتج علاء الدين وتراجع إلى الخلف مفزوعا يلهث ويهدئ روعة قلبه براحة يده. خاطبه المارد بصوت غليظ مرعب:
ـ أنا حمدون العجيب، أطلب ما تريد وأنا سأجيب.
انزوى علاء الدين في أقصى الزاوية يرتعد وينكمش على نفسه. ابتسم له المارد قائلا بصوت أغلظ من الأول:
ـ هيا أطلب ما تريد...
ثم أرسل حلقات من الضحك أصمت أذن علاء وكأن جبلا ضخما يتداعى بالقرب منه. فازدرد علاء ريقه وثقل لسانه في فمه ولم يستطع الرد. زلزله المارد بصوت أضخم من الأول:
ـ لك أربع طلبات كلها مستجابة. اليوم سأنفذ لك طلبا واحدا. وفي نفس المكان والزمان من كل شهر أنجز لك بقية طلباتك. هيا أطلب، أطلب، هيا..
ـ أريد أن أكون أشطر طفل في الوجود..
انطلق الطلب من فمه الصغير كالرصاصة، فضحك حمدون..هوه، هوه.. ومسح على رأس علاء ثم غاص في بحر الشاشة.

ظل علاء طول الليل ينصت إلى الضجيج في رأسه. ضجيج يشبه صوت تعبئة الأقراص المدمجة ولكنه أقوى قليلا. ظل ساعات مشدودا إلى ذلك الصوت حتى توقف فنام. في الصباح، استيقظ علاء من النوم مبكرا نشيطا مرحا يملأ الدار ضحكا وحركات. قوس ظهره في شكل أفقي مستقيم ورجلاه منتصبتان قائمتان وقال لوالده:" انظر، فهذه زاوية قائمة." فرح والده وقال له:" يبدو أنك استوعبت جيدا درس الأمس.."

ابتسم علاء ورد على أبيه فخورا بنفسه:" الزاوية القائمة درجتها 90 ، أما الزاوية المستقيمة فـ 180 درجة" ثم استرسل موضحا بعض النظريات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء... اندهش والده، ولم يصدق أن الذي أمامه طفله علاء الدين. فدعا زوجته وقال لها مندهشا:" استمعي إليه. إن كل ما يرد على لسانه صحيح. لم أعد أصدق ما أسمعه من هذا الطفل العجيب." ثم نظر إلى أمه وراح يسرد عليها أحداثا تاريخية لم ترد في كتابه المدرسي، ولم تحدثه بشأنها يوما، بأسلوب تاريخي سلس يشد الانتباه. تبادلت مع زوجها نظرة استفهام وتعجب، وقالا له دفعة واحدة:" أنت محق في كل ما قلته، ولكن من أين لك بهذه المعلومات؟" فأشار لهما ضاحكا إلى الحاسوب ثم حمل محفظته وخرج.
ـ 2 ـ
علاء الدين الشاطر في القسم
دخل علاء الدين متأخرا إلى قسمه، فزاحم زملاءه في المقاعد الأمامية المخصصة للمتفوقين من التلاميذ. ضاقوا منه وأشاروا إليه مستهزئين.. "أنت كسول ومكانك في نهاية الفصل.." وأشار عليه المعلم بسبابته بأن يعود إلى مكانه في آخر مقعد في الفصل قائلا له:" حينما تحفظ دروسك وتستوعبها جيدا تعال واجلس في المقدمة. أما الآن فإذا كتبت تاريخ اليوم مضبوطا وبدون أخطاء فسوف أتنحى لك عن مكتبي." فانفجر التلاميذ ضاحكين.
نظر إليهم علاء بنفور. ثم قفز إلى السبورة وكتب عليها بخط واضح وجميل: الاثنين 1 أكتوبر 2019
اندهش المعلم وسكنت حركات التلاميذ وخمدت هتافاتهم الاستهزائية الساخرة. وعاد علاء وأخذ مكانه في المقعد الأول رغم معارضة زملائه. في حين ابتسم له معلمه ولم يأمره بمغادرته. فغضب التلاميذ ورموا علاء بالغباء. ثارت ثائرة علاء، وكادت أن تنشب معركة هوجاء بينه وبين زملائه لولا أن تدخل المعلم مقترحا إجراء مباراة للفصل بينهم. فانصاعوا مرحبين باقتراحه عدا علاء الدين الذي مضى بفتور شديد إلى السبورة مع رفاقه الست المتحمسين.
أعلن المعلم عن بداية المباراة قائلا:
ـ بماذا ترغب أن نبدأ يا علاء؟ بالخط؟ أم النقل؟ أم الإملاء؟...
قاطعه علاء قائلا وهو ينظر إلى زملائه الواقفين بجانبه:
ـ هذه مواد أراها جديرة بأطفال أمثال سعيد وسليم وسعاد وسلوى...
ـ وفيما يريد أمثالك أن يمتحن إذن؟ في الألعاب الإلكترونية؟
ـ في التكنولوجيا، في الفلسفة، في علم الفلك، في الفيزياء النووية، في الطب، في علم الذرة...
بينما ظل المعلم صامتا يحدق في وجه علاء مندهشا، وشوش التلاميذ فيما بينهم قائلين:" من يدعي نفسه هذا الكسول ؟"‌‍
‍فالتفت إليهم ورد عليهم رافعا رأسه في السماء:
ـ أنا انشتاين زماني، أنا سقراط ألألفية الثالثة، أنا ابن خلدون، أنا ابن رشد...
فانكمش الأطفال فاغرين أفواههم وانبهر المعلم من طلاقة لسان علاء الدين وفصاحة قوله، وما يجري على لسانه من نظريات ومعادلات لم يفهم منها غير القليل. فرشحه على الفور عضوا في برلمان الطفل بدل أخيه عز الدين. حينئذ تنفس علاء الصعداء وصافح زملاءه واحدا واحدا ثم ودعهم قائلا:
ـ سأبذل كل جهدي لتكونوا في الطليعة...
فدعوا له بالتوفيق ومضى علاء خارجا دون أن يلتفت وراءه.
ـ 3 ـ
علاء الدين في برلمان الطفل
أم علاء الدين مقر البرلمان بهندام أسود أنيق، وربطة عنق حمراء، ونظارة شفافة ذات إطار أسود جذاب، فأخذ مكانه في مقدمة المجلس. استمع عن مضض للمواضيع التي يتطرق إليها زملاؤه. كل واحد منهم يقوم حسب دوره ويسرد لائحة من حقوق وواجبات الطفل ثم يجلس مسرورا بما قدمه. كاد علاء يجن. بدا له ما يجري في أروقة البرلمان مجرد لعب ومرح. وأن بهذا الأسلوب لن ينقذوا الطفل من معاناته ولن يرقوا به إلى المستوى المنشود أبدا. فالتزم الصمت ينتظر ريثما يحل دوره لينتقد سير العمل المتبع في برلمان الطفل. وبينما هو ينتظر دوره، غاب علاء سارحا في مشاهد مؤلمة يراها يوميا ذهابا وإيابا في شوارع مدينته. أطفال متشردون يفترشون في الليل الأرصفة ويلتحفون السماء. بالنهار، هم أياد ممدودة إلى المارة. يقفز بعضهم على زجاج السيارات يمسحونها والأوساخ تكسوهم من قمة رؤوسهم إلى أخماص أقدامهم الحافية. وآخرون يسقطون على الأقدام يمسحون الأحذية. وآخرون يمددون أياديهم وألسنتهم تلهج بأدعية الرحمة للمارة وهم أشد المخلوقات حاجة إليها. وإذا ألهبهم الجوع وتجمدت أجسادهم بصقيع الشتاء أو اكتوت بلفيح شمس الصيف هبوا إلى صناديق القمامات. لم ينس علاء صورة زميله في القسم الذي توفي والده فغادر مدرسته ليمسك المطرقة والمسامير والمنشار. يشتغل طول النهار في ورشة النجارة عند جاره وصديق أبيه. ولما كانت سبابته أول ما جاء عليها منشاره الصغير طرده منها فغاب عن عيني علاء مدة طويلة. اليوم وحده، اعترض طريقه ليحييه ويهنئه بمنصب البرلماني. ففجع علاء ولم يصدق ما رآه فكاد يصرخ في وجهه فزعا:
ـ هل أنت ابن حمدون العجيب؟؟
وحينما عرفه من نبرات صوته استرسل علاء يبكي من حاله. لم يقدر علاء أن يستبين ملامحه بسبب زيوت السيارات والأتربة التي تراكمت على وجه زميله اليتيم... نادى رئيس البرلمان باسم علاء يدعوه لإلقاء كلمته. فقام إلى المنبر وظل برهة من الزمن يفكر مطأطئا رأسه. ود علاء لو يصدح بمعانات الطفل كما شاهدها ويعاينها يوميا. أو يصدح بالمرارة التي تذوقها بين جدران مدرسته. وتمنى من أعماقه لو يتلقى أجوبة سريعة ومبادرة فورية لإنقاذ الطفل... وحينما أعاد عليه الرئيس بصوت حاد:
ـ هيا يا علاء.. تفضل والق كلمتك
ابتسم له علاء ومسح جدران القاعة بنظرة استخفاف ثم حيا الرئيس وزملاءه وبعد تنهيدة حارة قال بامتعاض شديد:
ـ لقد مضى ما يربو على عقدين من الزمن على تأسيس هذا البرلمان، فماذا صنعتم لهذا الطفل الذي أوكل إليكم مهمة إيصال صوته إلى المسئولين لتحسين ظروفه؟ وما هي الإنجازات التي سجلتموها لصالحه؟ وماذا فعلتم بشأن الطفل الذي يتوسد الحجارة ليدافع بها عن نفسه أمام الرشاشات والقنابل والأعمال الإرهابية، التي زعزعت لديه الأمان والطمأنينة في رحم أمه؟...
قاطعه أحد النواب:
ـ نحن نمثل أبناء دوائرنا ولسنا مسئولين عن أطفال العالم
قهقه الآخرون وابتلع علاء ريقه قائلا وآثار الغضب بادية على وجهه:
ـ الطفل ما يزال حتى اليوم أكثر المخلوقات تعنيفا. في المدرسة، يشعر وكأنه ينفذ عقوبة الحبس. يكتوي بنار ضغوط البيت والمدرسة ونار الإلقاء به في الشارع. وإذا حالفه الحظ وتدرج في مستوياتها حتى النهاية المرسومة لفظته مهزوز الشخصية، لا رأي له ولا قدرة له على المناقشة، ولا إدراك له بما يجري حوله كأنه من عالم آخر لا يمت بصلة إلى عالمنا.
ـ أجل، قد تطرقنا ـ يا علاء ـ إلى هذه النقاط في الجلسات السابقة فماذا تقترح لهذه المعضلة؟؟
سرح علاء في البعيد دون أن ينبس بكلمة ثم ألقى عليهم تحية الوداع واندفع خارجا بعدما بدا له البرلمان مكانا لاجترار الكلام...
اعتكف في غرفته يناشد، عبر الأنترنيت، المنظمات الدولية المتخصصة، والجهات المسئولة على حماية الطفولة لإنقاذ الطفل والرفع من مستواه الاجتماعي. إلا أن الإنجازات التي حققها كانت دون المستوى الذي يأمل في تحقيقه لطفل اليوم. لم يتوصل علاء من مساعيه الحثيثة إلا ببعض مساعدات مادية زهيدة وبعض كراسي متحركة للمعوقين، ووعود بإجراء عمليات مجانية لضعيفي البصر ومرضى القلب، وفتح شبه مدارس في المناطق النائية، وكذلك مضادات حيوية مجانية مع لقاحات وأمصال ضد مختلف الأمراض..
فخلع عليه هندام البرلماني وانزوى في غرفته حزينا متألما ينتظر حمدون العجيب ليلبي طلباته وما ينشده لطفل اليوم..
ـ 4 ـ
علاء يكشف عن سر فشله المدرسي
لم ينس علاء يوما مأساته بين جدران قسمه. وكيف ألقى به معلمه في آخر الفصل. فهو لم يكن غبيا ولا كسولا. كان طفلا عاديا في البداية ومن المتفوقين في قسمه. إلا أنه يوما مرض فغاب عن المدرسة عشرين يوما. وحينما التمس في نفسه القدرة على القيام، حمل محفظته وأدويته وذهب إلى مدرسته فرحا باستئناف دراسته وبملاقاة أصدقائه. جلس على مقعده الذي يحمل صورته في أول الصفوف. سعد كثيرا بالجو في الفصل الذي افتقده طيلة أيام مرضه فنسي أنينه وسقمه إلى حين.
إلا أن علاء لم يعد نشيطا في القسم. طيلة الوقت يستمع إلى شرح معلمه ولا يجد نفسه قادرا على المشاركة كما كان وكما يرى بقية زملائه في المقاعد الأولى يفعلون. وجد نفسه غريبا في قسمه. تائه بين كثرة المواد وجديد الدروس. مهما أجهد نفسه في التركيز، لم يستطع علاء متابعة وفهم ما استجد منها. فسقط يوما رأسه فوق مقعده من شدة الإجهاد والفتور الذي استشعره من آثار المرض الذي لم يشف منه نهائيا. فقرصه معلمه من خده وصرخ علاء من شدة الفزع فانفجر الآخرون ضحكا.
انكمش علاء على نفسه خجولا مما صدر منه. فأضحى رغم كل العناء الذي يستشعره علاء، يحرص كثيرا ألا يقتنصه النوم مرة أخرى فيقرصه معلمه ويضحك عليه التلاميذ. يجهد نفسه كثيرا ليظل يقظا. ويجهد نفسه أكثر في التركيز فيما يمليه معلمه من دروس على التلاميذ عله يستشف الطريق إلى فهمها ويستعيد مشاركته في القسم كما كان. لكن دون جدوى. فقط، يجد نفسه شاردا يسبح في فراغ رهيب. لا يفكر في شيء. فقط فراغ رهيب يلف ذاكرته. ذلك الفراغ الذي استحبه مع الأيام بدل التركيز في شيء لا يعرف أوله من آخره. ليفاجأ بمعلمه يلقي به في آخر مقعد في القسم صارخا في وجهه:
ـ أنت كسول مكانك هناك
فوجد مع الأيام راحة مطلقة في عقوبة معلمه بإلقائه في نهاية الفصل ومنع بقية التلاميذ من توجيه الأسئلة إليه أو محادثته.
في آخر الفصل، لم يعد أحد يكسر على علاء شروده وغيابه المستمرين. لقد أنقذه معلمه بهذه العقوبة من الجهد الذي كان يبذله ليستوعب ما يريد أن يسطره في رؤوس تلاميذه بالضرب أحيانا والصراخ أحيانا أخرى. فاستعذب علاء هذه العقوبة. طيلة الحصة يظل غائبا عما يجري في الفصل. لا يحضر في قسمه إلا بجسده. أما عقله فيسبح على الدوام في فراغ سحيق. لا يتخلص من هذا الفراغ إلا حينم
الجزء الثاني
ـ 1 ـ
الغبرة العجيبة
حلت الليلة الثلاثون من شهر أكتوبر 2019 فارتمى علاء على مكتبه وقبع أمام حاسوبه. ينتظر بفارغ الصبر حلول موعد قدوم حمدون العجيب. إلا أن الشاشة ظلت صافية لا أثر لأمارة واحدة تدله على المارد الضخم. مرت على موعده عشر دقائق ولم يحضر بعد. مضت تلك الدقائق على علاء ثقيلة كأنها دهر. فكتب على الشاشة حانقا: "ذهب حمدون ولم يعد". انهمرت الدموع ثقيلة على خديه حزنا على منهجه الذي لا يستطيع أن يظهره إلى الوجود دون مساعدة حمدون. فأسقط رأسه على لوحة المفاتيح باكيا كما يفعل دائما كلما كبس الضيق على قلبه. فإذا بالمارد الضخم يخترق الشاشة ويقول له بصوت غليظ اهتزت له جدران الغرفة:
ـ أنا حمدون العجيب، أطلب ما شئت وأنا سأجيب.
ففزع علاء الدين وكاد يسقط من فوق كرسيه ثم تنهد وابتسم للمارد قائلا:
ـ أريد أن يكون الطفل سعيدا في كل أرجاء المعمورة.
فرد عليه المارد ضاحكا:
ـ خذ هذه الغبرة العجيبة وذرها على مطالبهم فترى الإجابة. هوه، هوه،هوه...
وتبخر المارد.
تمعن علاء الدين في يده الغبرة العجيبة اللامعة كأنها مسحوق من الألماس. لمسها بأصبعه فإذا هي ملساء خفيفة كالهواء. فأغلق عليها في القارورة السحرية كما تسلمها من المارد وقفز في الهواء فرحا ليشرع في الخطوة الأولى نحو تحقيق سعادة الطفل.
ـ 2 ـ
فضاء الطفل عند علاء
خصص علاء الدين كل طفل بغرفة ينتقيها بيده من مجموع غرف البيت. يشرف على ديكورها وتجهيزها بنفسه وحسب ذوقه. زودها بحاسوب ولعب يختارها الطفل بيده، وثلاجة صغيرة تفي بكل احتياجاته الغذائية. ما أن تنتهي حتى تفيض كأنها عينا من عيون الجنة دائمة العطاء. وشيد حدائق عمومية في كل مجمع سكني زودها بشتى أنواع وسائل الترفيه وأحاطها بشريط من الحواسيب مشتغلة على الدوام. حياة أخرى تجسدها هذه الحواسب. لا تغفل لحظة من تذكير الطفل بما له وما عليه. كل المشاهد المعروضة والموسيقى المرافقة لها مع الأغاني هي دروس مقتبسة من منهج علاء. وكل جانب منها مخصص بالألوان والمناظر التي تطبع نوع المادة التي يلقنها علاء عبرها. وكل جناح فيها مخصص لفئة عمرية مقسمة حسب نظرة علاء في برنامجه الذائع الصيت.
كما زود علاء المدارس بأحدث الوسائل التكنولوجية. يستوعب من خلالها الطفل مقرره الدراسي وهو يلعب ويضحك أيضا. صار المعلمون يتساءلون عن دورهم في المدرسة بعدما انحصر دورهم في التوجيه وتنظيم أوقات التلاميذ حسب البرنامج الذي وضعه علاء الدين لكل مادة. حتى الشجارات بين الأطفال اندثرت. وفي مدرسة علاء التي أنشأها في كل أرجاء العالم، مكتبة توفر للطفل كل ما يرغب فيه من الكتب والأقراص المدمجة، ومسبح يشرف عليه أمهر السباحين، ومصحة صغيرة مجهزة بكل المعدات الطبية، يشرف عليها طبيب نفساني وآخر مختص في أمراض الأطفال، ومطعم صغير يلبي كل احتياجات الطفل الغذائية. وجهز قاعتين في كل مدرسة بالأسرة ووسائل الراحة يؤمها الطفل متى شعر بالتعب. ونصب لوحة إلكترونية في كل قسم تعرض المدرس لعقوبة الحبس إذا رفع صوته على التلميذ أو رفعت ضده شكوى من أحدهم. ومكن كل تلميذ من التواصل مع مربيه بكل الوسائل المتاحة. وعين مجموعة من أساتذة للطوارئ. متى استنجد بهم التلميذ نقلتهم سيارات المدارس على جناح السرعة إلى أماكن تواجدهم.
في مدارس علاء الابتدائية يمنع إثقال الطفل بما كان يسمى بالواجبات المنزلية، إلا ما أتى به من تلقاء نفسه. وغالبا ما يفعل التلميذ لإظهار تفوقه على الآخرين وللفوز بمديح معلمه. ولا وجود للامتحانات الدورية والنهائية، ولا محافظ نراها على ظهور التلاميذ أو زي موحد يشعرهم بأنهم كما الجنود وأنهم في مهمة طول السنة. ولا يظل الطفل طيلة السنة حبيس جدران مدرسته. بل برمج علاء في المقرر الدراسي كل أسبوع خرجات داخل البلاد. وكل ثلاثة أشهر خرجات خارجها. فلم يعد أصدقاء الأنترنيت أصدقاء عابرين أو بدون ملامح بل أطفال وأياد تتصافح.
تفقد علاء قارورة الغبرة العجيبة في يده وبدت له كأنه لم يلمسها بعد، فقبلها وطرق باب الأطفال لإشراكهم في عملية الإنجازات القادمة..
ـ 3 ـ
تعالوا يا أطفال
فتح علاء موقعا على الأنترنيت يستقبل فيه كل طلبات الأطفال أنا وجدوا. تَوَّجَهُ بوصلة إشهارية تقول:" لا تترددوا في المطالبة باحتياجاتكم من علاء الدين على العنوان: www.tiflsaïd.com
فهبت على موقعه مئات الطلبات من أطفال العالم. يستنجدون به لإنقاذهم والارتقاء بهم إلى حياة طالما حلموا بها وطالبوا بها ولم يلمسوها بعد. فكانت هذه لائحة مجمل طلباتهم:
ـ اسحق يا علاء الرضاعة من الوجود، فأنا لا أرتاح إلا إلى صدر أمي،
ـ الغ يا علاء نظام الخادمات الأجنبيات. أريد أبوين يعتنيان بي بدلا من "تورى" خادمتنا التي ترهبني وتحبسني في غرفتي طيلة اليوم،
ـ قل لبابا أن يعود إلينا وأن لا يتركنا أبدا، فماما جد طيبة وتحبه كما تحبني،
ـ أريد أن تتحول الحجارة في يدي إلى قنبلة تسحق المعتدين وتنسف الإرهابيين من على وجه الأرض،
ـ أريد حدائق عمومية أنطلق فيها كالفراشة،
ـ أريد أندية مفتوحة صيفا وشتاء، أملأها قفزا وحركات ومرحا
ـ أريد أبا يسمعني ويفهمني ويقدرني ويحبني، وأما تحن علي ولا تضربني ولا تصرخ في وجهي،
ـ أريد شجرة تثمر شكلاطة شتاء ومثلجات صيفا،
ـ اكسر يا علاء عصا معلمنا، إنه يخفيه في درج مكتبه
ـ أريد أن أنام في حضن والديَّ وأفتح عيني عليهما،
ـ أريد أن يشاركني والداي لعبي ومأكلي وأن أسهر معهما،
ـ أريد أن أسبح في الكوكب الأرضي كما أسبح على الأنترنيت، وأن تصل يدي أيادي أصدقائي في كل بقاع الأرض، ومتى شئت
ـ أريد أن تموت أختي الصغيرة ويكون والدي لي وحدي،
ـ أريد أن تقتل زوج أمي،
ـ أكره أشغال البيت، أريد أن أتفرغ فقط لدراستي،
ـ أريد أن تمحي كل المعلومات التي حفرت في ذاكرتي بالضرب والصراخ. إنها تعذبني،
ـ أريد أن أحظى باهتمام والدتي مثل أخي، وأن لا تجبرني على خدمته وطاعة أوامره،

طبع علاء الدين كل الطلبات الوافدة عليه عدا" أن تموت أختي وأن تقتل زوج أمي" وكتب بدلهما " العدل بين الأولاد والمعاملة الحسنة" ثم ذر فوقها الغبرة العجيبة.

فتحولت طلباتهم في لمح البصر إلى وردة كبيرة متفتحة، يانعة، تعتلي بتلاتها صور كل أطفال الكوكب الأرضي، مبتسمين ومكتوب على شريط حول جبهة كل واحد منهم " ما أسعدني!.."

فابتسم علاء الدين وتنهد ثم انطلق يسبح في الفضاء المجاور لبيته وينشد مثلهم " ما أسعدني ! ما أسعدني!.." حلق وحلق ثم نزل على أرضية خضراء شاسعة وكتب عليها:"أريد لقاءكم يا أطفال." ثم ذر فوقها ما تبقى لديه من الغبرة العجيبة فإذا بالأطفال يتدفقون عليه من كل ناحية. يمتطي كل واحد منهم بساطا جميلا أخضر. فأحاطوا به على شكل وردة متفتحة يتوسطها علاء الدين، واستقر كل واحد منهم على بتلة من بتلاتها اليانعة الناعمة يهتفون بصوت ناعم:
نحن جد سعداء، نحن جد سعداء شكرا، شكرا يا علاء

ابتسم لهم علاء الدين ابتسامة عريضة، ثم رفع رأسه سعيدا فخورا إلى السماء يحمد ربه. رمق دخانا كثيفا أسود يزحف نحوهم من الأفق بسرعة رهيبة. وقبل أن يخبر أصدقاءه بخطورته، كانت رياحه البعيدة قد أتت على الوردة فأبهتت لونها وامتصت عطرها وأضعفت مناعتها. فتزعزع الأطفال فوقها وبدأوا يسعلون. فامتطوا السماء فوق أبسطتهم متجهين عكس تيار الدخان وهم يلوحون بأيديهم ويهتفون: إلى اللقاء يا علاء إلى اللقاء..

فر علاء الدين إلى غرفته قبل أن يدركه الدخان ويقضي عليه. أغلق النافذة، وعكف يبكي كرضيع صغير بادرت أمه بفطامه ينتظر صديقه حمدون العجيب.
الجزء الثالث
القنابل العجيبة


في الليلة الثلاثين من شهر نوفمبر 2019 جلس علاء الدين إلى حاسوبه. انتظر حتى صفاء الشاشة فابتسم وأسقط رأسه على لوحة المفاتيح. خرج المارد بهيأته الضخمة وضحكته المرعبة، وهو يلطم صدره بلكمات جبارة ويقول بصوته الغليظ الذي يزلزل الصخر من مكانه:
ـ أنا حمدون العجيب، أطلب ما شئت وأنا سأجيب.
ابتسم له علاء وتنهد ثم اعتدل في جلسته وقال له بصوت هادئ كأنه يحدث أحدا من أقرانه:
ـ أريد أن أطهر الجو والبر والبحر ، وأقي كوكبنا من كل الأخطار.
فمد له المارد قبضته الحديدية التي أفزعت علاء قائلا له:
ـ خذ هذه القنابل والق بها واحدة بعد الأخرى في الهواء...هه هه هه هه
ثم اختفى تاركا صدى ضحكاته تهز الغرفة هزا.

تفحص علاء الدين القنابل الأربع في يده. أبهره منظرها وخفتها كأنها قطعا من الهواء: الأولى أرضيتها رمادية كقطعة من الصخر. الثانية زرقاء صافية طغى على بعض جوانبها لون السحاب. والثالثة أرضيتها بنية، اختلط فيها اللون الأخضر الصافي باللون الأخضر الغامق. والرابعة شفافة لا لون لها، تناثر أسفلها لون أخضر صافي ولون برتقالي غامق.

قبلها علاء الدين وحضنها إلى صدره وهو يكاد يطير فرحا. وراح يفجرها..



ـ 1 ـ
القنبلة الفضائية

أطل من نافذة غرفته وهم بإلقاء القنبلة الرمادية في الهواء، فإذا بقوة خارقة تمتصها من راحة يده وتعرج بها بسرعة مهولة تخترق الأجواء. تصنم علاء في مكانه. عيناه جاحظتان وفمه فاغر. وبعد وقت يسير، هزه انفجار مرعب ارتجت له السماء وغيمت بعد حين. انقبض قلبه وجحظ عينيه على غبار رمادي يتساقط من السماء. كسا القشرة الأرضية بفرشة شفافة تبدو كندى صباح يوم ربيعي. تنهد علاء حينما تأكد أن الصخور التي كانت تهدد الكوكب الأرضي قد دمرت، وأن الغلاف الجوي قد رمم. قفز فرحا وألقى الكرة الزرقاء في الهواء. دارت الكرة حول نفسها بسرعة مهولة اختفى معها شكلها ولونها وهي تمتص الغبار والدخان والروائح الكريهة.. لم يستطع علاء الدين تحملها. فأغلق النافذة يتابع الزوبعة التي أحدثتها قنبلته الزرقاء من خلف الزجاج. فجأة، أظلم الجو كأنه ليلا، ثم بدأ يصفو رويدا، رويدا إلى حين صفاء كل شيء. فانطلقت الطيور تملأ الفضاء زقزقة ورقصا.

فتح علاء الدين نافذة غرفته. استنشق هواء نقيا عطرا أغدقه مرحا ونشاطا وامتلأ به صدره سعادة. فابتسم يحدق في القنبلتين اللتين يحضنهما. يخمن في أي منهما سيقذف قبل الأخرى: القنبلة ذات اللون الوحلي أم القنبلة الشفافة؟؟..
ـ 2 ـ
القنبلة الأرضية
وقع اختيار علاء أخيرا على الكرة الوحلية فألقاها في الهواء. فإذا بالأرض تمتصها إلى أعماقها ساحبة وراءها أمواجا من الأوساخ والقاذورات ثم انفجرت. ودوى انفجارها في أذنه رهيبا مرعبا. انكمش على نفسه مغمضا عينيه وصامّا أذنيه براحتي يديه. فتح عينيه وقام بهدوء وحذر يطل من نافذته. بدا له سطح الأرض على مرمى بصره مفروش بفرشة من سماد أبيض اللون. امتصته الأرض بسرعة رهيبة فلبست حلة من الخضرة لم يرها علاء حتى في أحلامه.

أينعت فيما بعد الحدائق والبساتين، واعشوشبت المراعي، واخضر الزرع، وتفتح الورد، وسالت الوديان، وتدفقت العيون، واستيقظت الشلالات، وامتلأت السدود، وكثر الكلأ، وشاعت الملكية، وهاجرت الأنعام الحظائر تتدافع إلى المراعي الشاسعة المخضرة.

انبهر علاء الدين، وانطلق مرحا كالفراشة وهو يحضن الكرة الأخيرة إلى صدره. حط برحاله على قمة الجبل. وقف هائما يستمتع بسحر الوجود وجمال الطبيعة. ثم مضى يقفز ويغني فإذا بالكرة الأخيرة تسقط من حضنه وتتدحرج فتغوص في أعماق البحر.

تسمر في مكانه يعقب ما تجره وراءها من الأوساخ والقاذورات والزيوت السوداء. بدا له سطح البحر مستنقعا من الأوساخ. اشمأز علاء من رؤيتها وتقزز من الروائح الكريهة التي تنبعث منها. وفجأة اختفت كأنها لم تكن. امتصتها الأعماق فأعقبها انفجار بركاني من أعماق البحر. تفجر غبارا أبيض في أعماق البحر. التهمته الكائنات المائية وخرجت إلى السطح ترقص لعيني علاء. وتفجرت فيما بعد ثروات البحر وكنوزه الباطنية بشكل أبهر المهتمين ولم يصدقوا ما حدث في البحر بين عشية وضحاها.

تنهد علاء الدين، وأطلق ضحكة مدوية، ثم انطلق يملأ الجبل مرحا وغناء. يمسك الفراشات التي تحوم حوله ثم يطلقها ليمسك بالأخريات وهو يصوصو للطيور فتجتمع حوله أسرابا ثم تبتعد لتعود تشكل حلقات في سمائه. تدحرج على البساط الطبيعي الذي يكسو الجبل حتى بلغ قدمه. توقف على صوت ناي هادئ طروب يبعث على الطمأنينة والراحة. إنه أحد الرعاة الذي فرش بساطا أخضر ناعما كالحرير يضبط إيقاع نايه مع خرير مياه الشلالات، الذي تكسره الصخور وتقطعه أصوات أغنامه. وهو يميل يمنة ويسرة كأنه في مهد تهزه نسمات عذبة. فانشرح صدر علاء وراح قلبه يعزف على نغمات الطبيعة أجمل الألحان. ثمل ونام.

اخترقت طائرة سوداء الأجواء بسرعة مهولة، وبصوت رهيب مرعب. طوت في لمح البصر السكينة والهدوء. تشتت القطعان وفرت هاربة في كل الاتجاهات. تلمست بعضها طريق الحظائر بينما اضطربت الأخرى وتاهت في الخلاء. تطاير الناي من بين أصابع الراعي وفر بدوره ليحتمي بكهف في أعماق الجبل. واستيقظ علاء على وقع هول الفاجعة. كل شيء قد تشتت. تملكه رعب قاتل من أن ينهار كل ما بناه في لمح البصر، على إثر قذيفة واحدة من الطائفة المعادية لبرنامجه، فينتهي كل شيء. أجل، كل شيء. هرول إلى غرفته يبكي وينتظر حمدون العجيب.


الجزء الرابع
الحرب الكونية


قبع علاء الدين في زاوية في غرفته ينتظر حمدون العجيب والقلق يعتصره ويشل تفكيره وحركته . فموعده مع حمدون العجيب لن يتم قبل ثلاثة أيام. والتهديدات تزداد يوما بعد يوم. الإعداد للحرب أمسى ساريا: معدات حربية في كل مكان، فوهات المدافع موجهة بعضها إلى الأرض والأخرى إلى السماء، ألغام مزروعة، قنابل، صواريخ، أسلاك مكهربة سطرت بها الحدود الوهمية، صفارات إنذار مشتعلة...

إنه رعب قاتل. وعلاء في زاويته يكاد قلبه يتوقف. قلق على إنجازه الذي سيصير في مهب الريح إذا اندلعت الحرب. تساءل مع نفسه كيف سيتحول هذا الجمال الوجودي بسبب هذا الكم الهائل من الأسلحة؟ أي ذكاء هذا كنت أتكبر به على أقراني؟ أنا السبب وراء هذا الدمار الوشيك. أنا السبب. لقد صدق زميلي سمير حينما قال أن مكاني في الأخير. ثم صرخ بصوت عال يشد شعره من شدة حسرته: الأمن أولا ثم البناء. كيف غاب عني هذا؟.. ثم ما لبث أن اندفع إلى حاسوبه كالرصاصة وهوى برأسه على الملامس بكل قوة. خرج المارد بضحكته المعهودة، فقاطعه علاء الدين قائلا:
ـ أفرغ يا حمدون العجيب كل الأسلحة من قوتها الدمارية وأحلها غبارا يملأ الكون أمنا وأمانا وحبا وجمالا.
فمد له حمدون ذراعيه الحديديتين وقال له مبتسما:
ـ لك ما تريد.
فتنفس علاء الصعداء ومد يده ليصافح المارد ويشكر له صنيعه فرد عليه:
ـ وداعا يا علاء.
ثم صعد تاركا وراءه صدى ضحكته المدوية الصاخبة تضج في المكان.

أطل علاء من النافذة. لمح صاروخا ضخما يتجه نحو غرفته بقوة وسرعة رهيبتين، وآخر يصعد من الأرض أضخم من الأول ليعترض طريقه. أرهبه الوضع فتجمد في مكانه ولم يستطع الحراك. اصطدم الصاروخان وانفجرا في عرض السماء. خلفا غبارا عطرا ودخانا أبيض . ملأ الفضاء ككتل من السحب. ثم سرعان ما تحول إلى أقواس قزح تتراقص على إيقاع رنات موسيقية طروبة تبعث على الراحة والطمأنينة. التفت علاء حوله يستشف مصدر هذه الأنغام الموسيقية التي احتوته من كل جهة. فابتسم مبتهجا حينما أدرك أن الألغام المشعة من كل مكان هي التي ترسلها إلى أذنيه مع أضواء رائعة.

فخرج الناس من مخابئهم يصفقون وينشدون. وعادت القطعان إلى مراعيها. والأطفال إلى مرحهم. وانطلق سرب عريض من الحمام من أنفاق الجبل يملأ السماء هديلا ويزيدها رونقا وجمالا.


مارس 2003


ليست هناك تعليقات: