لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الخميس، 13 سبتمبر، 2012

"بلبل وشمشون " قصة للأطفال بقلم: خيري عبدالعزيز



بلبل وشمشون

خيري عبدالعزيز
     وقف الجد "حسن" يتأمل مزرعته الجميلة في الصباح الباكر, والشمس الدافئة علي وشك الشروق, تلون السماء الزرقاء بلون الشفق القاني, وقلبه ممتلئ بالحب لجميع حيوانات المزرعة التي تساعده في حياته ويحبها كثيرا: من دجاج يعطيه البيض الذي يحبه, وديك نشيط يوقظه في الصباح الباكر ليصلي الفجر, وحمام جميل يسعد بمشاهدته وسماع هديله, وبقرة طيبة تمده باللبن اللذيذ, وأغنام وديعة يصنع من صوفها أغطية ثقيلة تمده بالدفء في ليالي الشتاء الباردة, وحمار مخلص يحمله إلي أي مكان يريد الذهاب إليه, وكلب وفي يحرس المزرعة من الذئب اللئيم, ويمنح الجميع الأمن والأمان..
    والحيوانات أيضا تحب الجد "حسن" حبا كثيرا, فهو لا يترك مريضها حتى يشفي, ولا جائعها حتى يشبع, ولا يدخر جهدا في رعايتها والمحافظة عليها..
    وبينما يتفقد الجد "حسن" مزرعته كعادته كل صباح, رافقه الكلب شمشون في جولته, مطلقا نباحا خافتا بين الفينة والأخرى للتعبير عن سعادته البالغة وحبه للجد "حسن".. وفكر الجد "حسن" أن المزرعة أصبحت كبيرة علي "شمشون", وأنه بحاجة إلي رفيق يعينه علي حراستها, ويساعده عند الحاجة, وقرر أن يذهب إلي مزرعة صديقه "علي" بعدما يتناول إفطاره, ويسأله جروا صغيرا من عنده..
     واحتارت الحيوانات في سبب ذهاب الجد "حسن" في هذا الصباح الباكر إلي مزرعة صديقه "علي", حتى الحمار الطيب "كركر" الذي أوصل الجد حسن إلي هناك لم يعلم فيما ذهب ولا فيما أتي, وعندما سألته الحيوانات, أخبرهم أنه لا يعرف شيئا سوي أن الجد "حسن" أحضر حيوانا صغيرا كان موضوعا في صندوق محكم الغطاء..
   وظلت الحيوانات متلهفة لمعرفة الحيوان الجديد الذي سينضم إليها قريبا, في حين وضع الجد "حسن" الجرو الصغير في حجرة صغيرة ملحقة بالمنزل, وتعهده باللبن والرعاية طوال أسابيع عدة, حتى اشتد عوده, وأصبح قادرا علي أكل الخبز وعظام اللحم, وبقايا الأسماك, كما يأكل الكلب "شمشون"..
    واندهشت الحيوانات لمرأى الكلب الصغير الذي أطلق عليه الجد "حسن" اسم "بلبل", وتساءلت فيما بينها عن سبب إحضار الجد حسن لهذا الجرو الصغير, "فشمشون" يؤدي عمله علي أكمل وجه, ولا داعي لوجود كلب آخر..
   أما "شمشون", فقد شعر بشيء من الغضب يتفجر داخله, وتسأل في نفسه منزعجا: لماذا يحضر الجد "حسن" كلبا أخر, ولم يسبق أن نجح الذئب الشرير "شرشر" في لمس أحد حيوانات المزرعة بسوء؟
    بينما قال الجد "حسن" في نفسه, فيما يتابع "بلبل" يتودد إلي "شمشون" ويتمسح به:
    "إن "شمشون" كلب طيب, وسيعامل "بلبل" معاملة طيبة, ويتعهده بالرعاية, ويعلمه كل خبرته في الحراسة"
    ولكن "شمشون" تجاهل "بلبل" تماما, وكأنه غير موجود, وشعر "بلبل" في نفسه بكراهية "شمشون" له, فحزن لذلك, وأخذ لنفسه مبيتا بعيدا عنه في الجهة المقابلة من المزرعة, بجوار براميل المياه الكبيرة التي تمد المزرعة بالماء.. وحاول الحمار "كركر" كثيرا أن يصلح بينهما, ولكن "شمشون" الغاضب كان مصرا علي ألا يعلم "بلبل" أي شي, فلم يجد "بلبل" مفرا من أن يعلم نفسه بنفسه, وبدأ بتقليد نباح "شمشون" وزمجرته الغاضبة, التي كان يطلقها "شمشون" لإرهاب الحيوانات الضالة عندما تقترب من بوابة المزرعة..
   وذات صباح شعر "شمشون" بمرض شديد في معدته, وظل راقدا طوال النهار في بيته الصغير. وسألته الحمامة "سفروته" عما به, فأخبرها بمرضه وارتفاع حرارته, وأن الجد "حسن" سافر منذ الصباح الباكر إلي المدينة لشراء بعض الأسمدة, ومن المتوقع أنه لن يعود إلا في صباح اليوم التالي..
   وأخبرت الحمامة "سفروته", بعض أصدقائها من العصافير بينما كانت تلتقط معهم حبات القمح من جرن الحصاد المجاور للمزرعة, بمرض شمشون وتغيب الجد "حسن" الليلة عن المزرعة...
    وتناقلت العصافير الخبر, ووصل إلي الذئب "شرشر", الذي كان راقدا في تكاسل أسفل احدي الأشجار المواجهة للترعة الكبيرة في محاولة لنسيان جوعه, وقتها كان المساء يدق الأبواب, فقام وأخذ جولة سريعة حول المزرعة؛ ليتأكد من صدق الخبر الذي تناقلته العصافير, وطوال ساعة كاملة, لم يسمع "شرشر" نباحا واحدا "لشمشون", ولا صوتا للجد "حسن"؛ ففرح فرحا شديدا, وعقد العزم علي القدوم في منتصف الليل, ليأكل من حيوانات المزرعة كما يشاء..
    وعندما دقت ساعة المنزل الكبيرة منتصف الليل, كان الذئب "شرشر" يجد السير في طريقة إلي المزرعة.. والتقط أنف "بلبل" رائحة الذئب "شرشر" - بحاسة شمه القوية - تقترب رويدا رويدا, وعرف في نفسه أن المزرعة تتعرض للخطر, وأنه لن يستطع مواجهة "شرشر" الشرير بمفرده, فأسرع إلي "شمشون" المريض لأخذ مشورته, غير أن "شمشون" لم يكن يدري بما يجري حوله بسبب مرضه وارتفاع حرارته.. فتوجه بالمشورة إلي الحمار "كركر" الذي أصابه رعب شديد, عندما عرف أن الذئب "شرشر" يحوم حول سور المزرعة.. ولم يفد "كركر" "بلبل" بشيء, سوي أنه أخبر باقي الحيوانات بالخبر؛ فساد الهرج والمرج بينهم, وخاصة بين البط والدجاج؛ "فشرشر" مشهور بحبه للحومهم كثيرا.. وندم "بلبل" في نفسه علي إخبار "كركر", وطلب من الجميع الهدوء, ليستطع التفكير في مخرج لهذه الأزمة التي تمر بها المزرعة..
   واقتربت رائحة "شرشر" أكثر فأكثر, "وبلبل" حائر فيما يفعل, وفجأة تذكر شيئا كان يفعله عندما تفرغ البراميل البلاستكية الكبيرة من المياه, وتسقطها الحيوانات أرضا لخفة وزنها, وشرع في تنفيذ فكرته علي الفور..
   وقف "بلبل" متخفيا بجوار أحد البراميل البلاستكية الفارغة, وعيناه تلمعان في الظلام بينما يراقب سور المزرعة في انتظار الوقت المناسب, في حين وقف الحمار "كرر" والبقرة "سمسمه" علي باب حظيرة البط والدجاج للدفاع عنهم إذا لزم الأمر, والتفت الأغنام الكبيرة حول صغارها وشحذت قرونها لنطح "شرشر" إذا اقترب من مبيتها, وطارت الحمامة "سفروته" ورفاقها إلي أعلي البرج هربا من مخالبه..
    وأخذ "شرشر" قرار الهجوم, وبقفزة واحدة كان علي سور المزرعة, فأصاب الجميع الهلع؛ "فكركر" ارتعدت فرائصه, "وسمسمه" ابتلعت ريقها, والأغنام تراجعت وهي تثغو, والحمام طار تاركا البرج, والأرانب لاذت إلي جحورها, وساد الهرج والمرج بين الدجاج والبط..
    وبينما يهم الذئب "شرشر" بالقفز لداخل المزرعة سمع الجميع نباحا مخيفا كنباح "شمشون" تماما؛ فارتعش "شرشر", واصطكت أسنانه من الخوف, وبدلا من أن يقفز إلي داخل المزرعة قفز خارجها, وفر هاربا من بطش "شمشون"..
   التفت الجميع يمينا ويسارا بحثا عن البطل المنقذ "شمشون", فوجدوا "بلبل" الصغير يخرج من جوف البرميل البلاستيكي, فعرفوا الخدعة علي الفور, فالبرميل يصدر صدا للصوت أعلي وأضخم بكثير من الصوت الحقيقي, لدرجة أن الجميع -بما فيهم الذئب "شرشر"- ظن أن الصوت "لشمشون" وليس "لبلبل" الصغير, فالتفوا حوله مهللين, وحملوه علي الأعناق حتى الصباح...
     وعندما بدأ "شمشون" يتعافي من مرضه, قص عليه "كركر" "وسمسمه" ما حدث, وعرف "شمشون" أن "بلبل" الشجاع أنقذ الجميع أثناء مرضه من أنياب "شرشر" الشرير, وحزن في نفسه علي معاملته له فيما مضي, وتعاهد أمام جميع الحيوانات بتعليم "بلبل" كل خبرته في الحراسة, وأنه من اليوم سيكون ابنا له..

ليست هناك تعليقات: