القاصة زينب
بقلم : طلال حسن
" 1 "
ـــــــــــــــــــــــ
بعد ذهاب قيس وزينب صباحاً إلى
المدرسة ، صعدت الأم إلى الطابق الثاني ، لتعيد ترتيب غرفتهما ، كما كانت تفعل
صباح كلّ يوم .
ووقع نظرها على قصاصات ورق ، كانت مبعثرة فوق منضدة زينب ، فهزت رأسها ،
وقالت متذمرة : آه زينب، هذه عادة جديدة ، أخذتها من قيس .
وجمعت القصاصات ، الواحدة بعد الأخرى ، وهمت أن تلقيها في سلة المهملات ،
حين لمحت في إحداها ، عبارة أثارت اهتمامها ، وخفق قلبها لها بشدة ،: أنا العصبية
حد ال.. .أهذا معقول ؟ زينب العاقلة ..
الذكية .. ال ..
وبدل أن ترمي أم قيس ، القصاصات في
سلة المهملات ، جلست إلى المنضدة ، وراحت تعيد ترتيبها ، كما كانت في الأصل ،
لعلها تقع على حقيقة العبارة ، وما بعد : حد ال .. .
" 2 "
ــــــــــــــــــــــ
على غير عادته ، عاد أبو قيس ،
قبيل الظهر ، إلى البيت ، وحين دخل المطبخ ، حاملاً حقيبته ، بادرته الأم قائلة :
جئت اليوم مبكرا .ً
ووضع أبو قيس الحقيبة فوق المنضدة ، وقال : أنت السبب .
وبدا على الأم شيء من التعجب والضيق ، فتابع قائلاً : صوتك في التلفون أثار
قلقي .
وعلى الفور ، مدت الأم يدها في جيبها ، وأخرجت الورقة ، التي ألصقت مِزقها
بلاصق شفاف ، ودفعتها إليه ، وقالت : خذ ، اقرأ .
وقلب أبو قيس الورقة ، ثم تساءل : ما هذا ؟
فقالت الأم منفعلة : اقرأ .
وأخذ أبو قيس يقرأ في تمهل ، ما في الورقة ، ثم قال : لعلك توافقيني ، أن
خط قيس قد تحسن كثيراً .
وردت الأم بانفعال : هذا خط زينب ، وليس خط قيس .
ورفع أبو قيس عينيه عن الورقة ، متطلعاً إلى الأم ، وقال بنبرة مزاح : صحيح
أنت عصبية ، لكن ليس إلى حد ال .. .
وانفجرت الأم قائلة : إنني مجنونة فعلاً ، إن لم أوقف زينب اليوم ، عند
حدها .
واقترب أبو قيس منها ، وقال : أنت عاقلة ، وستكونين عاقلة أكثر إذا تريثت ،
ولم تتعجلي في اتخاذ قرار ، قد يكون خاطئاً .
" 3 "
ـــــــــــــــــــــــ
عند حلول الليل ، تمدد قيس على
حشية أمام التلفزيون، يتابع باهتمام أفلام كارتون ، وانزوت الأم ، وقد أمسكت
برواية ، وراحت تقلب صفحاتها بسرعة وعصبية ، بينما جلس أبو قيس ، في مكانه المعهود
، يقرأ جريدته .
ورفع أبو قيس عينيه عن الجريدة ، وقال : قيس .
ورد قيس ، دون أن يلتفت إليه : بابا ، إنني أشاهد التلفزيون .
وطوى أبو قيس جريدته ، وقال : نادِ زينب ، فهي مثلك تحب هذا المسلسل .
ورد قيس ، دون أن يتحرك من مكانه : لن تأتي ، يا بابا، إنها منهمكة في
الكتابة .
وتطلعت الأم ، من فوق روايتها ، إلى أبي قيس ، ففرد أبو قيس جريدته ، وهو
يقول : من يدري ، قد تظهر في هذا البيت محللة نفسانية أو ..
وتظاهرت الأم بقراءة روايتها ، حين ارتفع وقع أقدام زينب على السلم ، فتمتم
أبو قيس ، وهو يطالع جريدته : هاهي زينب قادمة .
واندفعت زينب داخل الغرفة ، ملوحة بورقة دفتر ، وهي تهتف : ماما .
وتعلقت عينا الأم بالورقة ، وردت بشيء من الانفعال : نعم .
وقدمت زينب الورقة إليها ، وقالت : تفضلي ، اقرأي ما كتبته .
وأخذت الأم الورقة ، وراحت عيناها المنفعلتان ، تركضان لاهثتين بين السطور
، وهي تتمتم : نفس الكلمات تقريباً .
ونهض أبو قيس ، وحدق في الورقة متسائلاً : ما هذا ؟
فردت زينب مبتسمة : قصة .
وفغرت الأم فاها ، وتمتمت : قصة !
ونظر أبو قيس إلى الأم ، وقال : أرأيت ؟ قصة .
وتابعت زينب قائلة : كتبت ُ مسودتها الأولى ليلة البارحة ، وأكملتها الآن .
ثم هتفت بصوت احتفالي فرح : سأكون أول قاصة في العائلة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق