لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الجمعة، 29 أغسطس، 2014

"حلم العصفور الأخضر" قصة للأطفال بقلم: سماح أبو بكر عزت

صورة ارشيفية حلم العصفور الأخضر
سماح أبوبكر عزت 

هل رأيت من قبل عصفوراً بلا أجنحة؟ إنه أنا، هل يمكنك أن تقتنى عصفوراً لا تضعه فى قفص؟ بإمكانك إذا كان هذا العصفور هو أنا، كل العصافير تحلق فى السماء، تبنى عشها فوق الأشجار، أما أنا فمكانى فى الأرض وعشى بين الأشجار ليس بين أغصانها، وبالرغم من أن كل العصافير تقوم برحلات طويلة تستغرق شهوراً تقطع فيها العديد من الأميال، فإن رحلتى لم تستغرق بضع دقائق، ولم أقطع فيها سوى نصف متر فقط وهى المسافة بين حديقة القصر والبهو الرئيسى فيه، رحلة طالما تمنيت أن أقوم بها، ولكن هل دائماً نشعر بالسعادة عندما نحقق ما نتمناه؟ أنا عصفور من نوع خاص فأنا لست طائراً ولكنى زهرة عصفور الجنة!!
رغم شعورى بالتفرد وسط الزهور فى بستان قصر السلطان عمران، الذى نسقه أمهر بستانى فى المملكة، فزرع فيه أندر الزهور والنباتات، وبالرغم من أننى لست زهرة نادرة فإن الكل كان يقف أمامى مبهوراً بألوانى، وبالمكان الذى اختاره لى البستانى وكأننى ملك متوج على كل الزهور، تحلق العصافير من حولى وتغرد أجمل الألحان، كل هذا جعل بقية الزهور تتمنى لو كانت مكانى، ولكن هل كنت سعيداً بهذا التفرد وهذه المكانة التى منحها لى البستانى؟ لم أكن سعيداً أو راضياً بحالى، وإنما كنت أنتظر اليوم الذى أغادر فيه البستان، ففى كل يوم كنت أرى البستانى يقطف بعض الزهور وينسقها بعناية ليضعها عمال القصر فى آنية الزهور الجميلة ذات الخزف النادر فوق منضدة ثمينة من الرخام تقف فى بهو القصر تخطف الأنظار بجمالها وروعة ألوانها.
تمنيت أن أترك آنية الفخار البسيطة التى لم أر غيرها منذ تفتحت أوراقى على الحياة، أردت أن أتحرر من جذورى ومن هذا الطمى الذى يقيدنى ويمنعنى من الانطلاق، وكنت كلما صارحت البستانى برغبتى يربت على ساقى الأخضر بحنان، قائلاً لى: لن تكون سعيداً يا عصفور إذا غادرت البستان، شعرت بالحزن وامتنعت عن الطعام لأيام ذبلت فيها أوراقى، وعندما رأى البستانى إصرارى وافق أن يحقق لى رغبتى، واقتلعنى من آنية الفخار وهو يتألم، تأثرت لفراق البستانى ولكن فرحتى برحلتى طغت على مشاعرى.
سلمنى البستانى لأحد عمال القصر، كنت زهرة وسط مجموعة من الزهور الأخرى، ساقى مغمورة فى الماء الذى يشعرنى بالبرودة، مر يوم واثنان، وبدأت أشعر أننى أفقد حواسى، أفتقد حاسة السمع، فلم أعد أستمتع بتغريد الطيور وهى تحلق بجانبى، أفتقد حاسة الشم، فجيرانى من الزهور بلا رائحة، أين أريج الفل والقرنفل والورد الذى كان يشعرنى بالسعادة والانتعاش، أما أكثر ما كنت أفتقده فكانت حاسة اللمس، لمسة يد البستانى وهو يربت على ساقى الأخضر وأوراقى وهو يروينى.
وبالرغم من أن ساقى كانت مغمورة فى الماء، كنت أشعر بالعطش الشديد للدفء الذى كانت تشعرنى به أشعة الشمس كل صباح، غاب عنى وجه البستانى وابتسامته فلم يكن مسموحاً له بدخول القصر، الكل هنا لا يشعر بوجودى حتى هذه الآنية التى تركت كل شىء من أجلها ضاقت بى وبجيرانى من الزهور، وتمنت أن تسكنها زهور صناعية لا تحتاج للماء ولا تتساقط أوراقها وتذبل فتشوه جمالها. فى إحدى الليالى اشتدت العواصف وسقط المطر واخترقت الرياح العنيفة نوافذ القصر فحطمت الآنية وتناثرت أنا وجيرانى من الزهور على الرخام البارد فى بهو القصر، جمع العمال أشلاء الآنية المتناثرة ومعها الزهور وأعطوها للبستانى الذى ضمنى لصدره وشعرت بدفء حضنه، لم أجرؤ أن أنظر لعينيه فاليوم فقط عرفت أنه كان على صواب وعرفت قيمة التراب والأرض وآنية الفخار التى كانت تضمنى، لم تجرؤ الرياح يوماً أن تعصف بها لأنها ثابتة قوية، لا يهم مظهرها أو لونها، إنها أرضى التى ضحيت بها وبإرادتى فارقتها، انتهت حياتى وذبلت أوراقى ولم يبق لى من هذه الرحلة سوى ذكرى حلم عصفور أخضر.

ليست هناك تعليقات: