لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



السبت، 17 أكتوبر، 2015

"ليلة الامتحان" قصة للأطفال بقلم: فاطمة يعقوب

 ليلة الأمتحان
فاطمة هانم  يعقوب
       جلست فى حجرتي حائرا، وكلما مر بي الوقت إزدادت حيرتي وخوفي وتوتري، فبعد ساعات قليلة تبدأ أيام إمتحانات آخر العام ، آه لا أدري ماذا أصابني، إمتلات رأسي بكثير من الأسئلة ، ترى هل سأتمكن من أداء الإمتحان  كما ينبغي أم  أعجز عن النجاح ؟  آه لا أريد أن أفكر في الفشل ،  ماذا سيحدث لو رسبت ،  أشعر برأسي فارغ ولا أتذكر أي معلومة مما حفظته طوال عاما دراسيا مضى، لقد تبخرت المعلومات من ذاكرتي آه ماذا أفعل ؟  فتحت الكتاب الموضوع أمامي على الطاولة، قرأت ولم أفهم شيئا، زاد خوفي وتوترى، لا أتذكر شيئا ، رن صوت أبي في رأسي، لابد أن تحصل على أعلى مجموع حتى تُقبل في المدرسة الثانوية  التى تؤدي بك الى كلية الطب ، وتصبح طبيبا مثلي ومثل جدك ، رباه ،  وإن لم أحصل على المجموع المرتفع ستكون مصيبة، دُرت في الحجرة حائرا، ترى هل سيكون الإمتحان سهلا أم صعبا ؟.
         جلست على الكرسي ووضعت رأسي بين يدي وكدت أبكى ،ثم  نهضت واقفا لأندفع من الحجرة إلى الصالة،لا أحد في المنزل سوى جدي ، وهو طبيب إعتزل الطب منذ فترة قصيرة ، عندما شعر بعدم قدرته على خدمة مرضاه على النحو الأمثل ، أصبح يقضي معظم وقته في قراءة الجرائد اليومية وبعض الكتب الأدبية .
           تركت الصالة ودخلت حجرة الطعام ، درت حول الطاولة ثم خرجت إلى الصالة مرة أخرى ، دخلت المطبخ ، وقفت حائر أنظر إلى محتوياته ، خرجت إلى الصالة مرة أخرى ، وقفت وسطها أتلفت حولي في حيرة : يارب ماذا أفعل ؟
             أشعر إننى هواء لا وزن لي، رأسي فارغ ولا أدري ماذا سأفعل غدا ؟ لاحظ جدي حيرتى  فنظر لي من خلف نظارته الطبية الصغيرة  ثم عاد إلى جريدته، دخولت إلى حجرتي ، تمددت على سريرى ساهما أُفكر ، ماذا أفعل غدا ؟؟ إزدادت حيرتي ، تنبهت على  دقات  خافتة على باب حجرتي ، ثم دخل جدي قائلا : عادل كيف حالك ؟  إعتدلت جالسا فى مكانى بسرعة وأنا أقول : أهلا يا جدي ، تفضل ، أنا بخير.
جلس بجانبي على السرير وهو يسأل : ماذا بك ؟ أراك حائرا تلف وتدور في أرجاء  المنزل لا تستقر في مكان.
 قلت : فعلا يا جدي أشعر بالقلق ، فأنا لا أتذكر أي معلومة مما درست ، إبتسم جدي وهو يربت على كتفي ويقول : هل تشعر بأن ثقتك بنفسك قليلة ؟
قلت : بل قل إنعدمت نهائيا ، أشعر أنني لن  أستطيع أن أكتب حرفا واحدا في كراسة الإجابة  غدا.
إبتسم جدي في حنان وقال: حسنا إنسى الإمتحان والمعلومات وتعالى نجلس في شرفة المنزل نتحدث قليل.
سرت مع جدي الي الشرفة ثم جلسنا هناك .  بدأ جدي حديثه وقد شرد بفكره بعيدا  وقال : سأقص عليك ما حدث لي في بداية حياتي العملية ، منذ سنين بعيدة وبالتحديد في العام الأول لممارستي مهنة الطب ، بعد أن أنهيت فترة تكليفي كطبيب إمتياز ، شعرت حينذاك بالمسئولية الهائلة الي أُلقيت على كاهلي ، بعد أن أصبحت  مسئولا مسئولية مباشرة عن أرواح المرضي ، شعرت بعظم الواجب الذي أحمله تجاه من يحدوهم الأمل في الشفاء ممن أُشرف على علاجهم , كان هذا الإدراك مخيفا ، جعل  في عقلي شكوكا كثيرة  في كفاءتي ومعرفتي وجدارتي المهنية  ، وقدرتي على وصف الدواء المناسب بعد تشخيصي للحالات التى تعرض علي ، ولم ينفعني في تلك اللحظات إلا توجيه رؤسائى من الأطباء القدامى ، وكلمات الشكر والعرفان من المرضى ، والتي  كانت تدعم ثقتي في نفسي ولكن ببطء شديد .. عكس شكوكي وخوفي من الخطأ التى  كانت تزداد  إلى حد أنني كنت على وشك أن أترك مهنة الطب نهائيا ، خاصة عندما يتوفى مريضا أمامي أو تتدهور صحته ،كان  يزداد إقتناعي بعدم نفعي لممارسة مهنة الطب .
 وذات يوم مررت بتجربة شخصيةغيرت مجرى حياتي......جعلتني كلمات جدي  أنسى قلقي و خوفي من الإمتحان فسألته في لهفة : ماذا حدث لك يا جدي ؟
 قال:في صباح يوم من الأيام جاءت  إلى المستشفى سيدة ريفية ،هزيلة في حالة يرثى لها ، كانت  " ملك " - وهذا هو اسمها،  أخبرتنى أسرتها انها تتحدث أحيانا بكلمات لا معنى لها ، وتبدى تبرما بأغطية الفراش و  تشد شعرها ، وهذه الحالات إنتابتها منذ فترة ، و تعد تُقبل على الطعام حتى صارت ضعيفة جدا الى أن  لازمت الفراش ، ولم تعد تهتم بما يحيط بها ،   كنت في تلك الفترة قد قررت إعتزال مهنة الطب والتفرغ لبعض الأبحاث الطبية بعيدا عن علاج المرضى ، ولهذا اعتذرت  لرئيس القسم عن الإشتراك في علاج تلك المريضة وأخبرته أنني سوف أعتزل علاج المرضى  وأتفرغ للأبحاث العلمية ، يومها صمت رئيسي قليلا ثم
قال: لا تتعجل ...إعطي لنفسك فرصة ربما تغير رأيك أو تستعيد ثقتك في نفسك فهى لن تتحقق لك بين يوم وليلة كلنا مررنا بنفس شعورك في بداية حياتنا المهنية . 
          إمتثلت اخيرا  لأمر رئيسي رغم عني إنهمكت في فحص المريضة ، فوجدتها تعاني من فقر حاد في الدم مع  مرض في القلب ، وبإفراط شديد في نشاط الغدة الدرقية ، وبدأت بإعطائها العلاج المناسب لحالتها ،ولكنها كانت تتقدم الى الشفاء ببطء مما جعلني أعود الى الشك في قدرتي كطبيب ، فعدت إلى فحصها بالأشعة وإكتشفت أنها مصابة بقرحة كبيرة في معدتها  ، فقررت  لها دواء لعلاج القرحة ، ثم قمت بنقل  كمية مناسبة من دم لها ، و أخذت أطعمها عن طريق الوريد بضعة أيام ، وتدريجيا بدأت " ملك " تأكل ، ثم راح قلبها يعاود نشاطه بقوة ، وبعد ثلاث شهور إختفى فقر الدم تقريبا  ، وأصبحت المريضة مختلفة تماما عن تلك المرأة التي جاءت إلينا منذ شهور ، وخلال فترة علاجها قضيت معظم وقتء بجانب فراشها ، وأدركت أنها لم تكن تعرف شيئا عن العالم الذء يقع خارج حدود قريتها ، رغم ذلك كانت تتمتع بقدر كبير من الإدراك السليم ، كانت سخية فى حبها للناس من حولها ، بعد أن أصبح في إستطاعتها التحرك بسهولة ،وكنت حريص على أن أقضي معظم أوقات فراغي بجانبها أستمع إليها وهي تتحدث عن الحياة في قريتها وعن المحاصيل والمطبخ وأسرتها ،فكان حديثي معها  دعما نفسيا لها مع الأدوية وكنت لا اخفى عليك أنني كنت  أستمتع ببساطتها وهى تسرد قصصها وحكاياتها عن أسرتها وحالهم في القرية ،كما أحسست أنها أفادتنى كثيرا حين انشغلت بعلاجها ونسيت قليلا خوفي من الفشل في ايجادة مهنتي وعلاج المرضى ،  حتى جاء يوم قررت فيه أخراج " ملك " من المستشفى،بعد تمام شفائها   ، وقفت هي  تشد على يدي بقوة وهي تقول ببساطة : شكرا لك يا دكتور ،أحسست لحظتها بإمتنانها وشكرها الحقيقي مما زاد اعتزازي بنفسي وثقتي في أنني أستطيع مساعدت  مرضاي على الشفاء ، مرت بي الأيام،  وأنا أشرف على مريض تلو الآخر ووسط زحمة العمل لم أعد أتذكر (ملك ).

           ذات يوم ، كان يوم  العيد أخترت أنا وبعض الزملاء أن نقضى أيام العيد في المستشفي وقررنا إشاعة جو من البهجة بين المرضى،  فأحضرنا بعض الحلوى والكعك ، وإجتمعنا نحن والمرضى  في إحدى قاعات المستشفى لنستمع الى صوت أم كلثوم تغني ( ياليلة العيد أنستينا ، وجددت الأمل فينا ) مما جعل مشاعر البهجة والأمل  تتفتح أزهارها في نفوسنا جميعا واخذنا نتبادل التهنئة بالعيد  يومها نظرت  نحو السماء الصافية وعرفت ما كنت أحتاج الى معرفته ، عرفت يومها إن على الإنسان أن يؤدى ما عليه من واجب ويترك تقدير قيمة عمله للأخرين ، شعرت أن نجاحي فيما فعلته  مع مرضاى لم يضع سدا ، وأن المهم هو نتيجة أعمالنا ، وهذا هو ميدانى الذى يجب أن أعيش له ، لا مجال للهروب أو الخوف منه ، و بل علىّ أن  أحاول مرة بعد أخرى حتى أحقق هدفى ....    صمت جدى وعلى وجهه علامات الرضا والأرتياح .
        نهضت من مكانى لأنصرف وأنا اشكر جدي على هذه اللحظات الرائعة التي قضيتها  معه ، دخلت حجرتي ،  بعد أن عادت لي ثقتي في نفسي ،وكذلك نشاطي وإقتناعي التام بأن على الإنسان أن يؤدي واجبه ويترك تقدير ذلك للآخرين .

ليست هناك تعليقات: