لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الاثنين، 12 مايو، 2014

"مستقبل الكتابة للأطفال فى مصر والعالم العربى" دراسة بقلم: يعقوب الشاروني



مؤتمر الفيوم الثالث
   لأدب الأطفال


 
مستقبل الكتابة للأطفال
فى مصر والعالم العربى


 

دراسة من إعداد
 يعقوب الشارونى
الفيوم من 20 إلى 22 مايو 2014
                                                                                                           
مستقبل الكتابة للأطفال
فى مصر والعالم العربى
المحتويات

- إلى أى مدى يرتبط أدب الأطفال بالتربية .
- هل يكفى أن ينقل أدب الأطفال وجهات النظر التى يعتبرها الكبار أكثر فائدة لتنشئة القراء الصغار ، أم أن أدب الأطفال هو ما يقرءونه بإعجاب وتَقَبُّل ؟
- اتجاهات معاصرة فى " موضوعات " قصص الأطفال .
- دور العمل الأدبى فى تقديم المعلومات للقارئ الصغير - الوصف أم الحكاية .
- " الكتابة " بالحواس الخمس .
- بعض إيجابيات الوسائط الثقافية الرقمية فى مجال القراءة .
- زيادة اهتمام حركة النشر فى أوربا وأمريكا بقصص وروايات الشباب الصغير ( البالغين الصغار ).
- الإقبال على القصص والروايات التى تدور فى أجواء واقعية معاصرة ، أو تتناول موضوعات اجتماعية .
- ثورة فى عالم كُتب ما قبل المدرسة : " القراءة " بالحواس الخمس .
- تزايد الاعتماد على " الصورة " فى كتب الأطفال والشباب الصغير ، فتزايد ما هو موجه إليهم من كتب " الرسوم المسلسلة " [ أو كتب " النصوص التصويرية " – أو " كتب الجرافيك " ] .
- إعطاء الطفل دورًا أكثر إيجابية فى التعامل مع الكتاب .
- تقريب الكتاب إلى المجلة .
- تزايد الاهتمام بقصص وروايات الخيال العلمى ، باعتبارها من أهم وسائل تنمية الاهتمام بالثقافة العلمية ودور العلم فى حياتنا .
- عليك أن تعرف ما تريد أن تكتب عنه .
- أثر السينما وألعاب الفيديو على القراء الصغار .
- النص المكتوب فى قصص الرسوم المسلسلة .
- التفكير بالصور والرسم بالكلمات .
- هل لابد من وجود شخصية طفل فى الرواية المقدمة للأطفال وللشباب الصغير ؟
- استخدام الفصيح من ألفاظ الحديث فى الكتابة للأطفال .
- الحاجة إلى الاستمرار فى ترجمة كلاسيكيات أدب الأطفال العالمية إلى العربية ، وترجمة الأعمال الإبداعية الحاصلة على جوائز أطفال معترف بها من مختلف اللغات العالمية إلى العربية .


مستقبل الكتابة للأطفال
فى مصر والعالم العربى
دراسة من إعداد
 يعقوب الشارونى

أولاً : إلى أى مدى يرتبط أدب الأطفال بالتربية :

        كاتب الأطفال فنـّان قبل أن يكون رجل تربية . والفن يقوم أساسًا على إمتاع القارئ بما فى العمل الأدبى من تشويق وجاذبية , وشخصيات حَـيَّة يُعايشها الطفل , وحبكة أو عُقدة تُثير اهتمام العُمر الذى تتوجّه إليه القصة أو الرواية .
- لكن كُـلّما كان كاتب الأطفال معايشـًا وعلى دراية بواقع الأطفال - الاجتماعى والنفسى والبيئى واليومى - كُـلّما وجد نفسه يختار موضوع أعماله الإبداعية حول ما يُعايشه الأطفال فى واقعهم                           أو خيالهم .
          فإذا كان الفن يأتى أولاً فى مجال إبداع أدب الأطفال , فلا يُمكن فصل الفنـّـان الذى يكتب للأطفال عن الـمُرَبِّى الذى يُدرك أثر كل كلمة يكتبها على القارئ الصغير .
        - إن الأدب , بوجه عام , نافذة يستطيع القارئ من خلالها أن يفهم نفسه على نحو أفضل , وأن يفهم الآخرين أيضًا على نحو أفضل .
          - كما أن مؤلف أدب الأطفال , إذا كان مُسلّحًا بالرؤية الواعية لقضايا مُجتمعه وقضايا          الطفولة , فلابد أن يُساهم ما يكتبه , بشكل ما , فى التربية وفى التغيّر المُجتمعى .
          * لكنـّـنا نعود لتأكيد أن أيّة قيمة تربوية أو سلوكية يتضمنـّها العمل الأدبى , لابد أن تأتى من خلال الفن وليس على حساب الفن .
          فمن الخطأ أن يقصد المؤلف للأطفال توظيف عمله الأدبى من أجل إحداث أثر أخلاقى أو تربوى معين ، لكن صِدْق الكاتب مع نفسه ومع القُرّاء , لابد أن يترك أثرًا شاملاً فى أعماله الأدبية , وبالتالى يمكن أن يؤثـّر فى إحداث التغيّرات المُستقبلية فى مُجتمعه , وفى نفسية وعقول وسلوكيات القراء من الأطفال والشباب الصغير .
*          *          *
          * وفى هذا ، فإن " جوان آيكن " ( 1924 - 2004 ) وهى روائية إنجليزية حصلت على عدد من أكبر الجوائز فى أدب الأطفال ، من أهمها جائزة الجارديان عن مُجمل أعمالها    عام 1969، تقول :
          " أعتقـد أنــه يجـب تجنـب الرسالة الأخلاقيـة الصريحـة مثل تجنـب الطاعـون ، سـواء كنــت تخاطب صغار الأطفال أو من هم فى الثانية عشرة من عمرهم أو المراهقيــن - لن يشكرك أى منهم لأنك اغتصبت وظائف الآباء أو المدرسين الذين مِن وظيفتهم غرس المسئوليات الأخلاقية والاجتماعية فى الأذهان .. فمن المفترض أن تكون الكتب من أجل المتعة " .
          " مع ذلك ، فالقصة نقد للحياة ، فكتابك ، سواء شئت أو أبيت ، لا يملك إلا أن يعكس موقفك تجاه المواقف والمشاكل التى تصفها فيه " .
" وبالتأكيد ، فى كتاب موجه للأطفال فى الفئة العمرية المتوسطة أو من هم أصغـر من ذلك ، لابد من عقــاب الرذيلة ، ومكافأة الفضيلة أو على الأقل انتصارها " .   
       * فهل هناك ما يجب أن نبعده عن كتب الأطفال ؟
- هناك طبعًا بعض أشياء :
          من هذه الأشياء ، " الدعاية " ، وعلى وجه خاص " الإعلان المستور أو المتخفى " . وبصرف النظر عن النفاق بمحاولة حشر شىء سواء كان سلعة أو فكرة فى عمل مقصود     به ظاهريًّا تسلية الأطفال ، فإن النص الذى يحتوى على دعاية متخفية سيبعث الملل على نحو مؤكد .
- هل هناك محرمات فى كتب الأطفال ؟
          مثلاً ، الكتابة عن الجنس ؟ هنا لابد أن نعرف أن الأطفال أقل من ثلاثة عشر عامًا ، لا يهتمون كثيرً بالجنس أو العواطف .. كل ما يريدون هو الأحداث والحركة والشخصيات .
- وماذا عن " المأساة " فى كتب الأطفال ؟
          قد توجد ، فالأطفال لديهم طبيعة أخلاقية قوية تمكنهم من التغلب على الأحزان والمحن التى يقرءون عنها فى الأعمال الروائية ، خاصة إذا كانت على مستوى بطولى مرتفع .
ومعالجة الأمر فـى شكل روائى قد يساعد فى تحصينهم عند مواجهة الأمور الواقعية . لكن لا تدع الأمر يصل إلى المأساة الكاملة ، فخاتمتك لابد أن تقدم بعض الأمل فى المستقبل .
          - كذلك يجب تجنب ما يثير عدم المبالاة بالآخرين أو بالقضايا المجتمعية المهمة ، أو ما يثير  الاكتئاب أو اليأس ، فهذه الأمور لا يجب أن تجد طريقها لتدخل فى كتب الأطفال ، فالاكتئاب أكثر تعقيدًا وتدميرًا من الخوف أو الحزن لأن علاجه أصعب .
- وماذا عن العنف ؟
          غير مسموح بالعنف على وجه التأكيد فى مشاهد معاصرة ، فالعنف يمكن أن يدخل فى نص تقع أحداثه فى زمن بعيد أو فى نص تاريخى أو خيالى . لكن لا يُستخدم العنف أبدًا فى مواقف تدور فى وقتنا المعاصر أو فى جو مألوف ، فمن السهل للغاية تقليد العنف . ولا يوجد كاتب أطفال يدرك مسئوليته يرغب فى أن يكتشف أنه أو أنها الذى وضع فكرة جريمة فى عقل طفل ، فمن الأقوال التى نسمعها كثيرًا : " لقد رأيت ذلك فى التليفزيون " ، أو : " لقد قرأت هذا فى كتاب " ، وهذا أمر فى غاية السوء .
العنف كوسيلة لحل المشاكل :
            فمن أكثر النماذج السيئة التى تقابلنا فى قصص الأطفال ، تلك القصص التى تمجد العنف كوسيلة لحل المشاكل ، أو التى تجعل القوة البدنية هى العامل الأقوى فى حسم مختلف المواقف ،              وذلك مثل قصص " طرزان " أو " سوبر مان " أو " الجاسوسية " والتى لا تحتوى على أى قيم إنسانية أو أخلاقية .
            إن تاريخ الحضارة ، هو تاريخ إحلال العقل محل العنف والقوة ، وعندما نقدم للأطفال شخصيات مثل " طرزان " . الذى تربى بين الحيوانات ، والذى لا يعرف وسيلة لحل               ما يواجهه من مشكلات إلا القوة البدنية ، فإن الأطفال سَيُسْقِطون من سلوكهم كل                ما قدمه لنا تاريخ الحضارة من وجوب استخدام العقل فى حل المشكلات بدلاً من العنف والقوة ، وهو أمر يتنافى مع أهم أهداف التربية السلوكية للأطفال . فأول ما نهتم بغرسه فى أطفالنا ، هو تدريبهم على مواجهة المشكلات وحلها بنجاح ، وذلك عن طريق استخدام العقل ، مع استبعاد العنف والقوة البدنية بشكل شبه كامل .
إثارة العطف على قوى الشر أو تمجيدها :
            كذلك يجب تجنب القصص التى تتضمن إثارة العطف على قوى الشر أو تمجدها ،                         مثل القصص التى يتغلب فيها الشرير على الشرطى أو على ممثل القانون .
            إن بعض من يقدمون مثل هذه القصص ، يدافعون عنها بقولهم إنهم يعرضون صور السلوك الخاطئة ، لكى يقوموا بإدانتها فى خاتمة القصة .
        لكن ما أشد خطأ هذا التصور .
            إن الأطفال يتأثرون بمختلف مواقف القصة التى يقرءونها أو نحكيها لهم ، لما فى تلك المواقف من حركة وتشويق . فإذا كانت تلك المواقف تتضمن انتصار الشر والعنف                        أو تمجيدهما ، وإظهار بطولتهما ، فإن هذا هو الذى سيؤثر بعمق فى الأطفال ، أكثر كثيرًا مما يتأثرون بخاتمة ندين فيها الشر والعنف بعبارات عامة .. فما أقل تأثير الكلمات على الأطفال ،               وما أقوى تأثير مواقف الحركة والحوار والخيال عليهم .
السخرية بالآخرين :
            كذلك يجب تجنب القصص التى تقوم على السخرية بالآخرين ، عن طريق تدبير المقالب لهم ، وإيقاع الأذى بهم ، مثل موضوع الأفلام المتحركة " توم وجيرى " .
            إن هذه الأفلام وأمثالها تجعل الصراع حتى الموت - عن طريق العنف - هو الوسيلة الوحيدة لإنهاء التنافس بين الأطراف المتنازعة . والموضوع الرئيسى المتكرر فيها ، هو ما يدبره كل طرف للطرف الآخر من أساليب للأذى . وإذا كنا نضحك ونحن نشاهد مثل هذه              الأفلام ، فإن الطفل الذى يشاهدها فى السينما أسبوعًا بعد أسبوع ، أو فى التليفزيون يومًا بعد يوم ، سيتركز فى وعيه نمط خاطئ من السلوك ، من السهل تقليده والتمثل به ، لما فيه من تنمية للإحساس بالتفوق على الآخرين برغم ما يسببه لهؤلاء الآخرين من أذى وأضرار .
ازدراء الأجناس الملونة أو احتقار الحياة الإنسانية :
            كذلك يجب الحذر من القصص التى تتضمن ازدراء الأجناس الملونة ، أو احتقار الحياة الإنسانية والاستهانة بها ، مثل القصص التى تدور حول إبادة الهنود الحمر ، أو قصص طرزان التى تؤكد تفوق الرجل الأبيض .
            إن مثل هذه القصص ، تبرر العنف ، وتجعل الحياة الإنسانية شيئًا هينًا فى وجدان الأطفال .                فى حين أن من أسس التربية السليمة ، أن نبنى الاحترام للحياة الإنسانية والحفاظ عليهـا وتقديرها ،  بل تقديسها مهما اختلف لون البشرة .
التبسيط المخل للشخصيات :
            كذلك يجب الحذر من القصص التى تلجأ إلى تبسيط الشخصيات ، وتجعل بعضها ممثلاً للخير المطلق وبعضها ممثلاً للشر المطلق ، مثل كل قصص الرجل الخارق للطبيعة  ( السوبر مان ) . لأن هذا مخالف لطبيعة البشر , ويؤدى إلى فهم الأطفال لمجتمعهم فهمًا خاطئـًـا . ففى كل إنسان جانب طيب وجانب خبيث ، والمهم أن نفهم دوافع الإنسان وأسباب سلوكه ، لكن بطريقة مبسطة تناسب الأطفال .
          * إن هذا النوع من القصص يؤكد قيمًا مضادة لكل ما قامت عليه نظم الدول المتمدينة الحديثة : فمن القيم التى يجب أن تشيع فى نفوس الأطفال ، احترام القانون وترك مهمة محاكمة المخطئ والحكم عليه وتنفيذ الحكم للقضاء ولسلطات الأمن . لكن كثيرًا من قصص الرجل الخارق للطبيعة تجعل البطل هو الذى يحدد ما هو الخير وما هو الشر ، وتتركه يحكم على الآخرين بمعياره الشخصى ، وينفذ بنفسه ما ينتهى إليه من أحكام ، ولو كان الحكم بالإعدام ! وبهذا تلغى هذه القصص كل ما بنته الحضارة من نظام للدولة ، يخضع فيه كل شخص للقانون الذى سنَته الجماعة ، حتى لا يُـتْرك الأمر فوضى لوجهات النظر الشخصية التى تُـغَـلِّبها مثل هذه القصص ، التى تعطى ذلك الفرد المتفوق - والذى يفترض أن يتمثل به الطفل - كل سلطات الشرطة والقضاء وأجهزة تنفيذ الأحكام ، وبذلك تُلغى مبدأ الفصل بين السلطات : السلطة التشريعية التى تضع القانون ، والسلطة القضائية التى تطبق القانون ، والسلطة التنفيذية التى تتولى تنفيذ أحكام القضاء والقانون ، هذا الفصل بين السلطات الذى هو أهم ضمان لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم .
* وإذا قيل إن مثل هذه القصص تنمى الخيال العلمى ، فإنه يجب التفرقة بين القصص التى تقوم على تنمية " أسلوب " التفكير العلمى ، الذى يعتمد على الملاحظة والاستنتاج ، والتجربة والخطأ ، ووضع الفروض وتمحيص هذه الفروض حتى يصل البطل إلى نتائج إيجابية ناجحة ، وبين القصص التى تحفل بها الكتب والمحلات التجارية ، التى تقدم للطفل ، دون مقدمات ، أجهزة ووسائل جاهزة يستخدم البطل معظمها فى الدمار والقتل ، دون أية إشارة إلى أسلوب التوصل إلى اختراع تلك الآلات ، أو أية إشارة لما يمكن أن تمنحه للبشرية من فوائد ، فهى قصص " توهم " بأنها من قصص الخيال العلمى ، فى حين أنها فى الواقع من قصص " الهذيان " الذى يستعير من العلم أشكاله الخارجية دون مضمونه الحقيقى .
إثارة مخاوف الأطفال :
            كذلك يجب ألا تتضمن القصة ما يثير مخاوف الأطفال ، فالخوف هو إحدى القوى التى تعمل على البناء أو الهدم بالنسبة لتكوين الشخصية ، وقد يؤدى الخوف إلى تشتيت الطاقة العقلية ، بدلاً من توجيهها إلى الأهداف النافعة .
          وكثر مخاوف الأطفال تثور بسبب أنواع الخبرة التى يتعرضون لها فى سنواتهم الأولى ، ومن أكثر هذه الخبرات تأثيرًا ، ما يسمعونه من قصص .
          فإذا استخدمت القصص عنصر إثارة الرهبة والخوف كوسيلة للتشويق وجذب الانتباه ، فإن الطفل قد ينتشى عند سماع القصة نهارًا ، وهو فى حِمَى الكبار ، لكنها تملؤه خشية ورعبًا عندما يصبح وحيدًا فى هدأة فراشه أو غرفته ، فنجد حياته قد أصبح يسيطر عليها الخوف .
          لذلك يجب أن نتجنب الإيحاء إلى الطفل فى القصص باحتمال تعرضه الدائم للخطر ، أو أن نثير فزعه من مواجهة الحياة ، أو نشككه فى عدالتها ، أو نثير رعبه من أشياء هى على الأرجح من الأشياء المألوفة تمامًا للطفل فى حياته اليومية ، مثل الظلام أو الحيوانات أو رجال البوليس .
                                     
ثانيًا : هل يكفى أن ينقل أدب الأطفال وجهات النظر التى يعتبرها الكبار أكثر فائدة لتنشئة القراء الصغار ، أم أن أدب الأطفال هو ما يقرءونه بإعجاب وتَقَبُّل؟

سيسيليا ميرابل أديبة وشاعرة من البرتغال لها خبرة طويلة فى الكتابة للأطفال , تقدم فى كتابها " مشكلات الأدب الطفلى " ، عرضــًـا لبعض القضايا والمشكلات التى يُثيرها أدب الأطفال .
* والمبدأ الأساسى الذى تنطلق منه المؤلفة وتدافع عنه , مقولتها إنه " ليس أدب الأطفال ما يُكتب لهم ، بل ما يقرءون بإعجاب وتَقَبُّل " . فهناك كتب كثيرة نجحت جدًّا مع الأطفال مع أنها لم تُكتب أصلاً لهم , مثل حكايات " ألف ليلة وليلة " و " روبنسون كروزو " و " جلفر " وروايات " جول فيرن " .
لذلك بدلاً من أن نحكم على كتاب بأنه " كتاب للأطفال " على أساس من رأى الكبار , فالأصح أن نُقدم الكتاب للأطفال ، لأنهم المقياس الحقيقى الذى يُعبر بصدق عن إعجابهم بالكتاب واقتناعهم                  بما جاء فيه . فعدد كبير مما نطلق عليه كتبًا للأطفال هو من خلق الكبار , وبالتالى سينقل إلى الأطفال وجهات النظر التى يعتبرها الكبار  أكثر فائدة لتنشئة القراء الصغار ، لكن هذا ليس مبررًا لتصور أنه كتاب سيفوز بإعجاب الأطفال وتـَـقَـبُّلهم .
*          *          *
* هنا تواجهنا صعوبة مبدئية , هى معرفة ماذا يوجد فى الكبار من طفولة حتى يستطيعوا التواصل مع عالم الطفولة , وماذا يوجد فى الطفل مما عند ال كبير حتى يتقبل ما يقدمه إليه الكبار .
- وأيضًا معرفة ما إذا كان الكبار على حق دائمًا , ولا يخدمون  أحيانـًا أفكارًا مسبقة أكثر مما هى أخلاقية . فالأطفال أكثر تفتحًا مما نتوقع , وهم كذلك أكثر شاعرية مما نتصور عادة نحن الكبار .
- ولا يكفى أن نقول إن كتابًا معينـًـا قد لقى إعجابًا أو موافقة من الطفل , لأن الإعجاب الذى يعطى الكتاب قيمته الحقيقية , يحتاج من الطفل أن يحيا تأثير هذا الكتاب , ويظل الطفل يحمل فى نفسه خلال الحياة ذلك المنظر أو تلك الموسيقى أو ذلك الاكتشاف أو تلك العلاقة التى عايشها فى الكتاب الموجه إليه .
فالكتب التى قاومت واستمرت على مدى الزمن , سواء كانت من أدب الأطفـال أو من الأدب العام , هى تلك الكتب التى تملك " روح الحقيقة " القادرة على التعبير عن القلق الإنسانى على مر العصور .
وهى أيضًا الكتب التى تملك " أسلوبًا " لا يمكن أن يقاومه القارئ , يستهويه من الصفحة الأولى إلى الأخيرة .
إن الكتب التى تملك بذاتها إمكانية الاستمرار مع أجيال متعددة من القراء الصغار , هى التى تكون القصة فيها مشوقة بغير صفحات مصقولة ولا ملونة , بدون مختلف أساليب الطباعة الحديثة التى تجذب حاليًّا الكبار والصغار حتى قبل أن يعرفوا مضمونها أو حقيقتها .                إن الأطفال يحبون القصص الغنية بالمضمون الإنسانى .
- وتنتهى المؤلفة إلى أن أكثر قصص الأطفال التى تُنشر اليوم هى من تصور المؤلف لعالم  الطفل , وهذا خطأ يمكن تعديله إذا اهتم المؤلف بملاحظة سلوك الأطفال ، وطريقة حكمهم على الأمور , وعاش خيالهم وإحساسهم ، ليكتب لهم من هذا المنطلق .
ثالثًا : اتجاهات معاصرة فى " موضوعات " قصص الأطفال :

المـوت ، وأبنـاء الطـلاق ، ووجـود أخ فـى الأسـرة معـاق أو متخلـف عقلِيًّـا ، ومـرض أحــد الوالديـن مرضًا طويلاً يجعل الشخص عاجزًا عن خدمة نفسه ، وفَقْد الأب لوظيفته أو تعرضه لحملة تشهير        ظالمة .. كل هذه كانت موضوعات محرمة فى أدب الأطفال ، لكن كُـتـَّـاب الأطفال وجدوا الطرق التى يستطيعون أن يكتبوا بها للأطفال مهما كان الموضوع حسَّاسًا أو شائكًا .
كان هذا هو أحد الموضوعات الرئيسية فى اللقاء الذى تم مع أعضاء رابطة كُـتـَّـاب الأطفال بنيويورك خلال عام 2009 ، حول الاتجاهات الحديثة فى موضوعات أدب الأطفال .
كما تناول اللقاء أساليب تقديم المستقبل للأطفال ، وتنمية قدراتهم على الإبداع والتخيل والابتكار ، وتنمية أساليب التفكير العلمى والمنطقى لديهم ، ووسائل زيادة التفاعل بين الطفل والكتاب لمواجهة تحديات عصر الكمبيوتر والإنترنت .
مع أهمية تناول موضوعات تدور حول المحافظة على البيئة ، والتسامح وتَـقَـبُّل الآخرين ، وأهمية العمل كفريق ، واللغة غير المنطوقة التى يعتمد عليها الأطفال فى الاتصال بالآخرين مثل ملامح الوجه وحركات الجسم ونغمات الصوت .
لقد أصبح أدب الأطفال قادرًا على تناول كل ما يخطر على البال من موضوعات ، وتكمن موهبة الكاتب فى طريقة وأسلوب هذا التناول ، بما يتناسب مع قدرة الطفل على الفهم والاستيعاب .
- لقد أصبحت كتب الأطفال الحديثة حريصة على التفاعل بينها وبين القراء الصغار ، فتتيح لهم البحث عن إجابات لما تقدمه من أسئلة ، كما تعطيهم إمكانية المقارنة بين حلول متعددة ، والاختيار بينها ، لكى تتطوّر القدرة على التفكير السليم ، وعلى مواجهة المواقف الجديدة  الطارئة ، وعلى اتخاذ القرار .

رابعًا : دور العمل الأدبى فى تقديم المعلومات للقارئ الصغير – الوصف أم الحكاية : 

مع اتساع مجالات المعرفة وما يجب أن يعرفه الإنسان , أصبحت النصيحة تؤكد على  أنه :                        " على الكاتب أن يعرف جيدًا ما يريد أن يكتب عنه " .
          وهذا يتطلب أن يجمع المؤلف كل المعلومات التى لها صلة بخلفية الرواية التى يكتبها ، سواء تعلقت هذه المعلومات بالمكان أو الزمان أو نماذج الشخصيات أو غير ذلك ، لكى يعايش فى خياله كل عناصر روايته وكأنه قضى حياته معها فعلاً .
* وليس معنى هذا أن يستخدم المؤلف " كل " ما يحصل عليه من معلومات ويضعها فى عمله الأدبى ، بل يستخدم فقط ما يحتاجه ويكون ضروريًّا لعمله ، على أن يدخل فى صميم نسيج العمل الفنى ولا يكون مُقْحَمًا عليه .
وعلى المؤلف أن يحاسب نفسه دائمًا لكى لا يضع فى عمله الأدبى من المعلومات إلا ما هو مُرتبط ارتباطًا عضويًّا بهذا العمل .
        * وإذا كانت هناك حاجة فنية لإدخال معلومات ، فلابد من إدخالها عن طريق حوار ، أو فى مقاطع صغيرة سهلة الفهم مختصرة ، تأتى وسط الأحداث ، مع التجنب التام أن تكون مفروضة على النص .
 ولعل هذا هو أحد ملامح الربط بين الانفجار المعرفى والثورة التكنولوجية والعلمية ، وبين         الأدب ، فى عشرات السنوات الأخيرة .
* الوصف أم الحكاية :
          ويقود هذا إلى التأكيد على أن الاسترسال فى " الوصف " قد يؤدى إلى سقوط الإيقاع والبطء فى تقدّم الحبكة , لأن ما يدفع القارئ إلى نهاية الكتاب هو الأحداث والحركة واكتشاف المواقف الجديدة للشخصيات ، وليس مجرد تراكم المعلومات أو الوصف .
تقول كاتبة أطفال مشهورة : إذا كنت تستمتع بالوصف فأنت كاتب مقال ، وإذا كانت الجُمل المتناغمة بطريقة جميلة تعطيك المتعة فقد تكون شاعرًا - لكن إذا كانت المواقف وما يقوم به الناس وسلوكهم وانفعالاتهم فى تلك المواقف هى ما تثيرك ، إذن فأنت " راوى قصة " .
          - ولعل هذا يحسم الجدل حول تطلب البعض أن تحتوى القصة أو الرواية على معلومات ، أو أن تقاس جودة الرواية بما يوجد فيها من معلومات - ذلك أنه إذا حاول المؤلف أن يجعل من روايته مصدرًا للمعلومات ، فهذا يُخرج العمل فورًا من مجال الفنون الأدبية ، ويُدخله فى مجال المقال الصحفى أو الدعاية أو كُتب المعلومات .

خامسًا : " الكتابة " بالحواس الخمس :

          وهناك تطور آخر برز بوضوح أخيرًا ، ذلك هو " الكتابة للأطفال ( وللكبار أيضًا ) بالحواس الخمس " ، فلم يعد الكاتب يرسم الصور وحدها بالكلمات ، بل هو يحمل القارئ على معايشة عالم الرواية من خلال اللمس والشم والتذوق الأصوات أيضًا .
          إن الخبرة الإنسانية لا تصل إلى الطفل القارئ عن طريق البصر وحده ، بل عن طريق الحواس مجتمعه فى كل لحظة من لحظات الحياة ، لذلك تنبه المؤلفون إلى أهمية نقل العالم للقارئ الصغير عن طريق حواسه كلها ، وليس فقط بالصورة المرئية بالعين .
كنا نقول " علينا أن نرسم بالكلمات " .. لكننا نقول أيضًا : " علينا أن نسمع بالكلمات ،                      وأن نلمس ونتذوق ونشم أيضًا بالكلمات " .
فإذا كان تركيز الكاتب على ما هو إنسانى من مشاعر وأحاسيس ، وأفكار وانفعالات وعواطف ، فكل هذا إنما يتم نسجه كرد فعل ، ليس فقط لأحداث خارجية            أو مواقف شخصيات ، بل أيضًا استجابة لما تتلقاه مختلف حواسنا من تأثيرات وخبرة نتيجة التفاعل مع تلك الأحداث والشخصيات . 
- ولعل النموذج الكلاسيكى للكتابة بالحواس نطالعه فى السيرة الذاتية التى كتبتها " هيلين كيلر " تحت عنوان " قصة حياتى " .
إنها واحدة من أبرز الشخصيات فى التاريخ ، فقد تمكنت من قهر الإعاقة المزدوجة بفقد بصرها وسمعها ، لكنها نجحت فى أن تنقل إلينا العالم من خلال كتبها ، فعشنا معها ما كانت تلمسه وتشمه وتتذوقه .

سادسًا : بعض إيجابيات الوسائط الثقافية الرقمية فى مجال القراءة :

* الوسائل الرقمية يمكن أن تضيف إلى الكتاب ، وأن تسير بموازاته ، إذا أحسنَّا استخدامها ، وابتعدنا عن مجرد الانغماس فى الألعاب الإلكترونية ، والدردشة ، وتبادل الرسائل ، وإذا اهتم المُسْتَخْدِم بالبحث عن المعلومات من مستودع هائل للمعرفة فى متناول اليد ، والقراءة من المصادر غير المتاحة ورقيًّا ، والتجاوب والتفاعل مع الآخرين خلال عمليات تمحيص الأفكار وتنميتها ، وتنمية القدرة على النقد للتمييز بين المادة التى يمكن الاعتماد عليها من  غيرها ، وبذل الجهد فى سبيل فهم ما نجده على              الشاشة .
          - والأنشطة التى تـُـمارَس على الإنترنت ، مثل البحث عن المعلومات ،              والقراءة ، والتجاوب ، تؤكد أن الشباب " يقرءون " على الإنترنت ، لكن قد نجدهم أحيانـًـا مُـقِـلُّون من قراءة الكتب الأدبية ، ومُكْثِرون من قراءة كتب المعلومات والثقافة العامة .
          - والقراءة على الإنترنت تتطلب الكثير من نفس المهارات العقلية المطلوبة لقراءة الكتب  المطبوعة ، بالإضافة إلى مهارات أخرى كثيرة ..
فعند القراءة على الإنترنت ، لا يأخذ المؤلف بيد القارئ وينتقل به خطوة خطوة على مدار العمل كله كما يحدث عند قراءة الكتب المطبوعة - لكن يتعين على المتلقى أن يضع بنفسه الخطط والسيناريوهات ، ويُخْضِع كل ما يقرؤه للنقد .
على القارئ أيضـًـا - وهو يبحث على الإنترنت - أن يكون قادرًا على تَذَكُّر السؤال الذى يبحث عن إجابة عنه ، ومنع كل هذا الكم الهائل من المواد المتركمة الشيقة - التى قد تظهر له على الشاشة - من تشتيت انتباهه .
          -  وإضافة إلى هذا ، فالمتلقى يقرأ ويكتب باستمرار أثناء البحث ، ( يقرأ ويكتب على الشاشة ) ، ولهذا يُطلِق بعض الناس على الجيل الحديث من شبكة الإنترنت اسم :           " شبكة القراءة والكتابة " .
          ولأن الإنترنت يمنح الشباب عالمًا من المعلومات عند أطراف أصابعهم ، يتعين عليهم بذل الجهد فى سبيل فهم ما يجدونه ، وتجميعه فى سياقات منطقية ، وهو ما قد يكون تدريبًا فكريًّا متميزًا ، يُنمِّى التذوق ، ويُطلِق آفاق المعرفة . 
* تأثير التفاعل الذى يقود إليه العالم الرقمى على قصص وأدب الأطفال : 
والتفاعل والتواصل اللذان يقـود إليهما العالم الرقمى - وهو تواصل بين الشباب يتم بعيدًا عن رقابة الكبار فى معظم الأحيان - قد أصبحا يؤثران فى أسلوب حديث الشباب وكتاباتهم ، وفى أساليب تـَـعَلُّمِهم ، وفى نظرتهـم إلـى الطريقـة التى يفهمهم بها الراشدون والأسلوب الذى يفهم به الراشدون الشباب ، وهو ما ترك آثاره الكبيرة على " موضوعات " أدب الأطفال ، و " أساليب معالجتها " .
إن عددًا كبيرًا من الدارسين يؤكدون أن تواصل الأطفال والشباب الصغير عن طريق الإنترنت والوسائل الرقمية ، قد أصبح مؤشرًا يدل على أن الأطفال أهل لتحمل المسئولية ، يبحثون عن التواصل ، أكثر من أنهم أبرياء يحتاجون إلى الحماية .
لقد أثر النت فى شبابنا ومستقبلنا ، وأصبح مصدرًا أساسيًّا " لإعطاء السلطة " للشباب ، نتيجة حرية التعبير ، والتواصـل بين مجموعـات كبيرة  استمدت القوة من تجمعها بغير قمع أو تسلط من الكبار .
وهكذا وجدنـا الراشدين الذين اعتادوا أن يقولوا عن الشباب إنهم " أصغر كثيرًا من أن يفكروا ، وأصغر كثيرًا من أن يعرفوا " ، قد تم إجبارهم على أن يروا وأن يعرفوا - ويحترموا - القدرات المتسعة المتزايدة للأطفال والبالغين الصغار ( الشباب الصغير ) .
وبعد أن كان الكبار يتصورون أن الشباب فى حاجة دائمة إلى حماية الراشدين ، أصبح     الراشدون لأول مرة على مدى التاريخ ، يجدون أنفسهم فى حاجة إلى الشباب .
 كما أن " المشاركة " وليس " التسلط " قد ظهرت بطرق مختلفة ، وبدأت القدرات الإنسانية للشباب فى الانطلاق بعد أن كانت مقيدة ، كما أصبح واضحًا أن المجتمعات التسلطية فى طريقها إلى التحول لتصبح مجتمعات ديمقراطية .
ولا شك أن هذا التغير العميق سيؤثر على نحو حاسم فى الموضوعات الأدبية الموجهة للأطفال والشباب الصغير ، وفى رسم الشخصيات ، فى علاقات الأجيال ببعضها ، وفيما يقوم بين أفرادها من صراع وأزمات تتركز حولهما العقدة فى كثير من الأعمال الأدبية والفنية .

سابعًا : زيادة اهتمام حركة النشر فى أوربا وأمريكا بقصص وروايات الشباب الصغير (البالغين الصغار- Young Adult ) لمواجهة زيادة إقبال الشباب على قراءة الأعمال القصصية والأدبية الموجهة إليهم :

ويرجع السبــب فى ذلك إلى تعدد حملات ووسائل وآليَّات تنميـة عــادة القــراءة عند الأطفال ، بالتعاون مع النظم التعليمية وأجهزة الإعلام ، مع تنمية وعى الأسرة بدورها كقدوة ، وهى الحملات التى استفاد منها مجموع هؤلاء " الشباب الصغير " ( 8 / 9 - 13 / 14 سنة ) عندما كانوا فى سن أصغر .

- وكذلك بسبب التطور الهائل فى تكنولوجيا كتب الأطفال ، لتقديم كتب لصغار الأطفال ،                من عمر يوم إلى 7 سنوات ، يقرءونها بالحواس الخمس ، لأن الحواس هى الطريــق الذى هيأتـــه الطبيعة للصغار للتعرف على العالم واكتساب الخبرة ، فنشأت علاقة حب بين " كل " صغار الأطفال والكتب منذ أسابيع حياتهم الأولى . وهو تطور سنخصص له جانبًا من هذا الكتاب .

- ومن ناحية أخرى ، التنبه إلى ارتباط المراهقين والشباب الصغير ، من عُمر 8 إلى                          18 سنة ، " بالصورة " منذ طفولتهم المبكرة ، فانتشرت كتب " الرسوم المسلسلة " التى تصاحب فيها الصورة أو الرسم كل فقرة من الكتاب ، فعاد معظم المراهقين إلى قراءة الكتب ، وهو تطور آخر سنخصص له أيضـًـا جانبًا من هذه الدراسة .  

- لكن هذا الإقبال على القراءة ، ارتبط بارتفاع مستوى الكُتب الورقية التى يُقبــِلون عليها ،                     لأن الاهتمام بالقراءة عن طريق الإنترنت والـ " فيس بوك " وغيرهما من الوسائل الرقمية ، جعل وقت قراءة الكُتب الورقية أقل ، فأصبح اختيار القارئ أكثر دقة .

- كما أن هناك قراءات بوسائل جديدة ، جعلت القراءة أسهل ، أهمها " القراءة   الإلكترونية " على ما يسمونه  tablets، وعن طريق الكتب الإلكترونية .

* أما فى مصر والعالم العربى ، فلا يزال اهتمام الناشرين مركزًا على نشر القصص الموجهة              إلى العمر من 9 إلى 12 عامًا ، مع تزايد بطىء للكتب الموجهة لسن ما قبل المدرسة ، وتراخٍ فى نشر قصص وروايات الشباب الصغير ( 13 - 18 سنة ) .

ثامنًا : الإقبال على القصص والروايات التى تدور فى أجواء واقعية معاصرة ، أوتتناول موضوعات اجتماعية :
  
لوحظ بالنسبة لإنتاج دور النشر العالمية ، إقبال متزايد من الشباب الصغير على الروايات التى تدور فى أجواء معاصرة أو تتناول موضوعات اجتماعية ، بعد موجة من الاهتمام بروايات الفانتازيا أو الخيال المنطلق التى تمثلها سلسلة روايات " هارى بوتر ".
- ولعل السبب فى ذلك ، هو طغيان أخبار الأحداث اليومية شديدة الإثارة والمرتبطة بواقع الناس وحياتهم فى مختلف بقاع العالم ، على موضوعات الصحف ونشرات الأخبار فى الإذاعة والتليفزيون ، وفى وسائل الاتصال الحديثة التى أصبحت فى " جيب " كل شاب صغير ( من عمر 9 إلى 18 سنة ) .
- كذلك فإن برامج تليفزيون الواقع - ومن أهم برامجه ، مثلاً ، برامج                                 " عالم الحيوان " - قد طغت كثيرًا على برامج الخيال أو الفانتازيا ، واجتذبت أعدادًا                     غفيرة من الأطفال الشباب . بل أصبحت هناك قنوات متخصصة فى مثل هذه البرامج ، مثل                       " ناشيونال جيوجرافيك " و " أنيمل بلانت " ( كوكب الحيوانات ) ، و " ديسكفرى "                 ( الاكتشافات ) .
- بالإضافة إلى تزايد اهتمام جماهير الناس فى مختلف المجتمعات ، وبالتالى الإعلام ، بقضايا التنمية البشرية ، وحقوق الإنسان ، والعدالة الاجتماعية ، والصحة ، والتعليم ، والبطالة ، وأمثالها من قضايا معاصرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحياة الناس اليومية ومطالبهم الاجتماعية .  
- يقول " برو جودوين " فى كتابه " كتب الأطفال " :
" على الرغم من أن عنصر الخيال يعد أحد جوانب أدب الأطفال الذى ظل سائدًا خلال السبعينيات والثمانينيات ( من القرن 20 ) ، فإن " الواقعية الاجتماعية " أصبحت هى الموضوع المهيمن على الكتابة ، فقد أصبح الكُتـَّـاب يتناولون فى قصصهم قضايا شخصية وأخرى عامة ، تتضمن الشئون العِرْقية والحرب والموت والإعاقة الجسدية والثورات الداخلية والقلق النفسى المصاحب لمرحلة المراهقة وكذلك الاضطرابات النفسية ... وذلك بشكل أكثر انفتاحًا من كُتَّاب الخيال ".
* " لقد أصبح الكُتـَّاب يكشفون عن قضايا هامة معاصرة ، قد يعتبرها البعض أكثر مناسبة لتكون موضوعات لقصص الكبار . إلا أن قصص الأطفال دائمًا ما كانت تعكس سمة من سمات العصر الذى تُكتب فيه ، والأطفال - شأنهم شأن الكبار - لا يقرءون لمجرد المتعة فقط ، بل أيضًا بغرض التعرف على سِمات مجتمعهم ، ولكى يفهموا أيضـًـا أسلوب حياة الآخرين بشكل أفضل" .
 ويتركز اهتمام هذه الكتب على " رحلة الفرد الداخلية " التى يخوضها نحو فهم ذاته بشكل أفضل ، وعلاقته بما يسود العالم من تعقيدات " .
- " وإذا نظرنا إلى قائمة المؤلفين الذين فازوا حديثـًـا بجائزة " كارنيجى " لأدب الأطفال                ( وهى أهم جائزة لأدب الأطفال فى إنجلترا ) ، يتبين لنا أن الاهتمام بتلك الموضوعات الاجتماعية والمعاصرة يعد سمة من سمات الأدب المعاصر بالنسبة لصغار البالغين والأطفال الأكبر سنًّا ، وهو نفس الحال بالنسبة للروايات الفائزة فى أمريكا " بجائزة نيوبرى " لأدب الأطفال " .
- تقول " فالنتينا إيفاشيفا " فى كتابها " الثورة التكنولوجية والأدب " :
" الروايات الخيالية المعاصرة آخذة فى التناقص فى شعبيتها وتأليفها والاستمتاع  بها .                 إن جمهور قراء الروايات ذات الصبغة الخيالية قد أصبحوا ينظرون إلى هذه الروايات نظرة يشوبها عدم الثقة ، وقد انتزعت مكانتها وحلَّت محلها المؤلفات البعيدة عن الخيال                               Non-fictional مثل التراجم والمذكرات والكتب التاريخية " .
" ولكى يستمتع المؤلف حاليًّا بالنجاح الأدبى على أعلى مستوى جاد ، ينبغى أن تكون الرواية                                     " غير خيالية " ولو بقدر معين ، فقد أصبح على الكاتب أن يؤلف كتابًا عن موضوع معين درسه دراسة مستوفاة ، ويضمنه تفصيلات واقعية بما فيه الكفاية ، ومع ذلك يُنْسِى القارئ أن الكتاب ليس من نسج خيال الكاتب " . 
* وفى العالم العربى ، تغير أيضًا موضوع الأعمال الروائية والقصصية الموجهة إلى الأطفال والشباب الصغير :
          ذلك أن كامل كيلانى ، (  1897- 1959 ) الذى يمثل الجيل الأول من رواد أدب الأطفال فى مصر والعالم العربى ، قد أصدر حوالى (150) كتابًا ، تستمد موضوعات قصصها كلها مما كان الكيلانى يُطلق عليه " الأساطير " ، فقد قال : " ليس أروع من الأسطورة يتمثل بها                 الإنسان " .
          - أما الجيل التالـى للكيلانى ، فقـد اهتـم بـأن يُعبّـر عن البيئـة المصريـة والطفـل المصـرى المعاصـر وقضاياه ، وهى قضايا لها جانبها الإنسانى العام ، مثل تنمية الإبداع ، والتفكير العلمى ، والاهتمام بالمستقبل ، وبحقوق الإنسان والطفل ، وقبول الآخر ، وعدم التمييز بين الفتى والفتاة ، وتنمية الشعور بالانتماء إلى الوطن ، ودور العلم فى حياتنا ، والمُحافظة على البيئة ، وقضايا ذوى الاحتياجات الخاصة ، والطفل العامل ، وأطفال الشوارع ، ومحو الأمية ، ودور المرأة فى التنمية ، وهى الموضوعات التى جَعَلْناها خلفية عدد كبير مما كَتـَبْناه  من قصص وروايات للأطفال والشباب الصغير .
تقول د . ماريا ألبانو أستاذ الأدب العربى بالجامعات الإيطالية : " والفضل الكبير للشارونى فى إدخال الرواية الاجتماعية فى أدب الأطفال فى العالم العربى. والهدف هو تنمية الإحساس فى ضمائر الأفراد تجاه المشكلات الاجتماعية " . (يُراجع كتابها        " القصة المصرية الحديثة للأطفال" .  

تاسعًا : ثورة فى عالم كُتب ما قبل المدرسة : "القراءة" بالحواس الخمس :

          فيما يتعلق بالكتب الموجهة إلى مرحلة ما قبل المدرسة ، من عمر يوم إلى أقل من ست  أو سبع سنوات ، تطورت وسائل تكنولوجيا صناعة كتب صغار الأطفال ، إلى ما يمكن أن نسميه " القراءة بالحواس الخمس " ، وذلك لجذب المزيد من صغار الأطفال إلى حُب الكتب والاهتمام بالقراءة .
        وكان السبب الرئيسى فى هذا التطور الحاسم الشامل ، هو الفهم العميق لدور حواس الرضيع والحضين فى تلقى الخبرة والمعلومات والمعارف والمشاعر ، وذلك نتيجة التساؤل حول سبب الإقبال الشديد لكل الأطفال ، وفى كل الأعمار ، على اللعبة ، وعدم حماس معظمهم للإقبال ، بنفس المستوى ، على الكتاب فى شكله التقليدى . 
          فبدأت ثورة حقيقية فى صناعة كتب صغار الأطفال ، تهدف إلى إشراك أكبر عدد من حواس الطفل فى التعامل مع الكتاب ، وذلك كما تتعامل كل حواس الطفل مع اللعبة منذ الأيام الأولى لمجيئه إلى هذا العالم ، وعلى وجه خاص حاسة اللمس التى يستخدمها صغار الأطفال على نطاق واسع ، وهو أمر                لا تتيحه لمعظم الحواس شاشات الكمبيوتر والوسائل الرقمية الأخرى .
وبذلك أصبح الكتاب أكثر جذبًا للطفل وأكثر قدرة على حفز الطفل على المشاركة والتفاعل ،
وتحول الكتاب إلى صديق نشأت بينه وبين الطفل علاقة حب  جعلته منافسًا قويًّا للشاشة الإلكترونية، لأن الطفل أصبح يتعامل معه بحواس يستحيل أن يستخدمها وهو يراقب بسلبية الشاشات الرقمية                مثل حاسة اللمس .
- وهكذا تطورت صناعة كتب صغار الأطفال ، ليصبح التركيز فيها على التجسيم والتحريك والأضواء والأصوات والملمس والرائحة ، وذلك لإعطاء حواس الطفل دورًا رئيسيًّا فى الحفز على حُب الكتاب ، ثم قراءته وفهم مضمونه قصصيًّا كان أو مَعْرِفيًّا .
إنها كُتب تم إبداعها لتــُـناسِب أطفالاً لم يتعلّموا القراءة بعد . كُتب يقرؤها الأطفال ، ليس بالكلمات ، بل برؤية صفحاتها أو أجزاء منها تتجسّم وتتحرّك وتضىء ، تختفى وتظهر ، وباللمس بالأصابع ، وبالاستماع إلى الموسيقى والأصوات والكلمات ، بل وبالشم أيضًا ، فبهذه الوسائل يُدرِك صغار الأطفال العالم ، ويستطلعون ، ويتعلّمون ، ثم يُـبْـدِعون .
* لكن هذه الثورة فى القراءة بالحواس الخمس وفى التكنولوجيا الحديثة لإنتاج كتب صغار الأطفال ، لم تصل منها إلا أصداء خافتة إلى العالم العربى ، على الرغم من أنها أصبحت الوسيلة الأساسية لإنشاء علاقة حب بين أصغر الأطفال والكتب ، وبالتالى أصبحت أهم مدخل لتنمية عادة القراءة لدى الأطفال .

والقليل النادر الموجود من مثل هذه الكُتب باللغة العربية ، صدرعن طريق الترجمة والنشر المشترك مع دور نشر عالمية .

عاشرًا : تزايَد الاعتماد على " الصورة " فى كتب الأطفال والشباب الصغير ، فتزايد ما هو موجه إليهم من كتب " الرسوم المسلسلة "                              [ أو كتب " النصوص التصويرية "- أو " كتب الجرافيك " ] :  

نحن اليوم أمام جيل أو أجيال تَرَبَّت على قصص الرسوم المسلسلة فى مجلات الصغار                                   ( الاستربس / الكومكس ) .
كما أننا نعيش " عصر الصورة " بسبب الانتشار الواسع للوسائل المرئية من تليفزيون وسينما وفيديو ، وبرامج وألعاب الكمبيوتر ، وتزايُد اعتماد الصحافة على الصورة ، فمع كل خبر                      أو مقال توجد صورة أو صور .
- يقول الدكتور شاكر عبد الحميد فى كتابه " عصر الصورة " : " الصورة لم تعد تساوى ألف      كلمة - كما جاء فى القول الصينى المأثور - بل صارت بمليون كلمة وربما أكثر " .
" لقد أصبحت الصور مرتبطة الآن على نحو لم يسبق له مثيل بكل جوانب حياة الإنسان ، ولعبت الميديا ، خاصة التليفزيون والسينما والإنترنت وفنون الإعلان والإعلام بشكل عام، دورًا أساسيًّا فى تشكيل وعى الإنسان المعاصر ، فأصبح هناك حضور جارف للصور فى حياة الإنسان الحديث ..
* " وقـد سـاهمـت علـوم الصـورة وتقنيـاتهـا وتجليـاتهـا فـى عمليـات التربية والتعليم  من خلال الصور التوضيحية والرسوم المصاحبة للكلمات ، أو من خلال تقنيات الفيديو والسينما ، وأجهزة عرض البيانات Data Show ، والإنترنت ، وفى عمليات التسويق ( عبر شاشات التليفزيون                      أو من خلال الإعلانات المطبوعة أو الموضوعة على لوحات الإعلانات فى الشوارع وفى ملاعب كرة القدم ، وعلى وجه خاص الإعلانات عن عروض أفلام السينما ) ، وفى الحوار بين الجماعات والشعوب ( عبر برامج التليفزيون والإنترنت  مثلاً ) ، وفى الاستمتاع وقضاء وقت الفراغ ( مشاهدة أفلام السينما وأفلام وألعاب الفيديو ) ".
* " لكن ما زالت مباحث الصورة فى العالم العربى تعانى الضعف والوهن ، نظرًا إلى هيمنة اللغوى على البصرى فى حقل الثقافة العربية المعاصرة " .

* أهم آثار عصر الصورة على أدب الأطفال :
وقد عَوَّدَت الوسائل المرئية عيون الأطفال على مُشاهدة الأشياء وليس الاستماع إلى وصف            لها ، لهذا أصبحوا ، فى كتبهم ، فى حاجة إلى صور ورسوم لكل ما يمكن أن تراه  عيونهم ، ولم يعودوا مستعدين " لقراءة وصف " لما يمكن أن يتعرفوا عليه بواسطة حاسة البصر .
* لذلك حدث انفجار فى زيادة ما يصدر من كتب الرسوم المُسَلْسَلة ( والتى يمكن أن نطلق عليها                  " النصوص التصويرية " أو " كتب الجرافيك " ) ، التى يتلازم فيها النص مع رسم لكل فقرة ، ليس لصغار الأطفال ، بل للعمر المتوسط ( 8 - 12 سنة ) ، والشباب الصغير ( من 13 - 18 سنة ) ، والذين أصبحت الصورة تلعب بالنسبة لهم دورًا مُهمًّا فى التشجيع على القراءة والتحمس لها ، وهو ما يقرره عدد كبير من الخبراء فى أنحاء العالم ( كتاب " كتب الأطفال.. دراستها وفهمها "- تأليف " برو جودوين " ) .
وبدأنا نجد أهم كلاسيكيات الأدب العالمى ، مثل قصص مسرحيات شكسبير وروايات كبار الكتاب العالميين ، يُعاد تقديمها فى كتب من هذا النوع الذى انتشر انتشارًا هائلاً ، وهو ما جعل معظم  دور النشر العالمية ( النشر الورقى ) تخصص اهتمامًا يتزايد عامًا بعد عام لإصدار مثل هذه الكتب ، التى يُـقْبــِـل عليها المزيد من شباب القراء كل يوم ، بعد أن أصبحت الصورة تجذب انتباههم بنفس قوة جاذبية النص ، مثلما تحتل الصورة مكان الصدارة على الشاشات . 
وفى هذا يقول أحد كبار المتخصصين فى أدب الأطفال الإنجليزى : " تقدم القصص التصويرية للقراء من جميع الأعمار الكثير مما يمكنهم اكتشافه . بالإضافة إلى أن هذه القصص تلعب دورًا فى تشجيع القراءة والتحمس لها بين صفوف المراهقين ( أو صغار البالغين ) من القراء " .
ويضيف : على الرغم من أن النصوص التصويرية كانت تستهدف فى أول أمرها الأطفال     الصغار ، فإن معظم ما يُنشر منها اليوم يستهدف القراء الأكبر سنًا ، على الرغم من أن بعضها قد يروق أيضـًـا لصغار القراء - وهى نصوص يمكن أن تتناول أى موضوع أدبى ( برو جودوين : "  كتب الأطفال .. دراستها وفهمها " ) .
- والمسألة الرئيسية هنا ، أن هذه النصوص التصويرية أداة أو وسيلة أكثر منها نوعًا ، لأنها                كما تقدم نصوصًا بسيطة للصغار ، يمكن أن تُسْتـَخْدَم فى وضع نصوصٍ  تنم عن الموهبة والإبداع فى الكتابة الروائية .
- ويمكن استخدامها أيضًا بنجاح فى وضع نصوص غير خيالية Non Fiction ، بما فى ذلك السير الذاتية وقصص حياة بعض الشخصيات .
-  علاوة على أن هذه الوسيلة تسمح للمؤلف بمخاطبة قطاع عريض من كافة الأعمار .
* لقد أصبح نقاد أدب الأطفال فى الغرب يعتبرون النصوص التصويرية عالمًا موازيًا لعالم  القصة ، بعد أن أصبحت تحظى باهتمام كبير فى أمريكا وفى كثير من دول أوربا  .
* بل هناك الآن من يرون أن النصوص التصويرية وسيلة ناجحة لجذب من لا يقرءون كثيرًا . وهناك عدد كبير من المدرسين يدركون أنها تعد من أفضل الأنماط الأدبية وأكثرها تحفيزًا فى مجال تعليم القراءة ( المرجع السابق الإشارة إليه ) .  
* لكن كُتب المراهقين " المرسومة " هذه ، تـَـصْدُر بغير ألوان فى كثير منها ، للحد من التكلفة .
- كما يُلاحَظ ارتفاع ثمن هذه الكُتب لمواجهة أداء حقوق الرسام ( بالإضافة إلى حقوق المؤلف ) ، مع ارتفاع تكلفة طباعة الرسوم - ومع ذلك تجد إقبالاً كبيرًا من القراء الشباب .
- ونشير إلى تقارب طريقة كتابة هذا النوع من الكتب مع طريقة كتابة السيناريو السينمائى .

* ملاحظة مهمة :
لكن أحد الفروق الرئيسية بين النصوص التصويرية التى تُكْتَب " للأطفال " ، والنصوص التصويرية التى تُقدَّم حاليًّا بكثرة " للشباب الصغير " ، هو تزايد الاهتمام بارتفاع مستوى النص المكتوب " بجوار " الرسوم واقترابه من مستوى النص الأدبى الجيد المتكامل ، لمعالجة ما كان يُوَجَّه دائمًا إلى رسوم الكومكس والاستربس لصغار الأطفال من أنها تجنى على المستوى  القرائى ، لاهتمامها بالرسوم على حساب تهميش النص المكتوب . ومن أفضل ما تلجأ إليه هذه الكتب حاليًّا ، كتابة النص خارج كادر الرسوم وليس داخلها فى بالونات .

* أما فى العالم العربى ، فقد بدأ التنبه أخيرًا إلى هذه  النوعية من الكتب ، لكن الاهتمام               بها لا يزال محدودًا جدًّا حتى الآن .
الحادىعشر : إعطاء الطفل دورًا أكثر إيجابية فى التعامل مع الكتاب :

وإذا كانت شاشات الكمبيوتر والوسائل الرقمية تتيح مجالات متعددة للتفاعل والمشاركة لمن يتعامل معها ، فإن كتاب الطفل لم يتراجع أمام هذا التحدى ، بل أصبحت كتب الأطفال تعتمد هى أيضًا على إعطاء الطفل أدوارًا إيجابية فى التعامل معها ، وذلك لتحقيق التوازن بين علاقة الطفل بالكتاب وعلاقته بشاشة الكمبيوتر .
بل إن الطفل فى حاجة إلى هذا التفاعل وهذه المشاركة ويبحث عنهما [ فهما مثلاً أهم أسباب إقبال الطفل على اللُّعبة والألعاب ] ، وبالتالى أصبح أهم الأسباب فى إقبال الأطفال على مثل هذه الكتب الموجهة إليهم .
فلم تعد هذه الكُتب تكتفى بما يتلقاه الطفل بحواسه منها ، بل أصبحـت تطلـب منـه القيام بنشاط أو عمل ما ، أو تُلقِى عليه أنواعًا من الأسئلة لكى يبحث عن الإجابة عنها .. أى أن الطفل أصبح يتفاعل مع الكتاب ويُضيف إليه بتدخُّل منه ، حتى يكتمل استقباله لما فى الكتاب .
ثم على الطفل أن يقوم بعد ذلك بعمل إيجابى ، مرة أخرى ، ليتأكد من صحة وسلامة إجاباته واستنتاجاته ، وهو ما يساعده على تنمية قدراته على التعلم الذاتى، كما يجعله ، فى مستقبل حياته، قادرًا على وراغبًا فى البحث عن إجابات لأية أسئلة تواجهه ، عندما يعتاد الرجوع إلى المراجع الرئيسية مثل دائرة المعارف والقاموس والمعجم وكتاب الخرائط ( الأطلس ) .

الثانى عشر : تقريب الكتاب إلى المجلة :

                     - كذلك لوحظ أن برامج التليفزيون والكمبيوتر ، التى تتسم بتنوع موضوعاتها ، وتعدد مَن يكتبونها ويقومون بالأداء فيها وتقديمها ، قد أصبحت أقرب إلى المجلة ،  بينما ابتعدت عن شكل الكتاب ذى الموضوع الواحد والمؤلف الواحد .
- كما لوحظ فى مكتبات الأطفال ، أن إقبال القراء الصغار على قراءة المجلات قد يزيد حوالى عشرة أضعاف عن إقبالهم على قراءة الكتب . 
* لذلك حدث تطور مهم فى كتـب الأطفــال جعلهــا أقــرب إلى شكل المجلة ، وذلك بتطوير إخراجها وأساليب عرض موضوعاتها ، لتستفيد من عناصر الجاذبية والتشويق التى تتمتع بها المجلات.
ومن أهم ملامح هذا التطوير :
1 - استخــدام أسلوب الرســوم المسلسلة ( الاستربس ) فى كتب الشباب الصغير ، ( وهو ما كان يقتصر فيما سبق على مجلاتهم وللسن الصغيرة فقط ) ، مع الحرص  على أن نقدم للطفل نصًّا أدبيًّا متكاملاً لا تكون فيه الرسوم بديلاً عن العبــارات والألفاظ ، حتى إذا قرأ الطفل النص بدون رسوم تظل له قيمته الأدبية . وأفضل الأساليب لتحقيق ذلك ، أن يوضع النص المكتوب " خارج الرسوم " وليس فى          " بالونات " داخل كادر الرسوم .
2 - استخدام أساليب الإخراج الصحفى ، وخاصة التوسع فى استخدام العناوين بمقاسات الحروف المختلفة ، والتوسع فى استخدام الصور الفوتوغرافية بالإضافة إلى الرسوم الملونة ، وتقديم الموضوع الواحد بأساليب مختلفة ، وتقسيمه تحت عناوين فرعية ، أو وضع بعض المعلومات الأساسية تحت الصورة أو بجوارها عند التعريف بالصورة أو الرسم . مع استخدام أشكال الإخراج الصحفى التى تتعاون فيها كل العناصر السابقة فى تقديم صفحات جذابة حتى لا تبدو الموضوعات طويلة . مع الحرص على تفادى الرتابة بتنوع شكل إخراج كل صفحة عن الأخرى مع تحقيق نوع من الوحدة بينها .
3 - تناول الكتاب لأكثر من موضوع واحد ، فيشارك فى الكتاب الواحد أكثر من مؤلف وأكثر                من رسام ، لتحقيق شكل من التنوع .
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، أجزاء " موسوعة المعرفــة " للشباب ، التى كانــت تصــدر عن مؤسســة الأهـرام الصحفية بالقاهرة ، والتى صدرت فى حوالى (250 ) جزءًا ، كل جزء من ( 16 ) صفحة كبيرة المساحة ، وكل جزء يتناول عددًا متنوعًا من الموضوعات ، يكتب كل موضوع كاتب مختلف ، مع اهتمام متزايد بالصور والرسوم الملونة التى تحتل ثلث أو نصف مساحة الصفحات  .
4 - صدور سلاسل من الكتب بصفة دورية ، على أن يحتوى الجزء الأخير من صفحات كل كتاب على ما يشبه مجلة حقيقية ، لإمكان متابعة الأحداث الجارية ، والإجابة عن أسئلة الأطفال فى وقت معين ، مع تحقيق عنصر التنوع فى الرسم والتأليف .
5 - احتواء الكتاب على بعض الأنشطة ، مثل الكلمات المتقاطعة ، وإكمال بعض الرسوم أو تلوينها ، والمتاهات ، على أن تكون مرتبطة بموضوع الكتاب ، وذلك لتحقيق نوع من التفاعل والمشاركة بين الطفل والكتاب ، وهو ما أصبحت تحرص عليه حتى الكتب المدرسية فى معظم بلاد العالم   المتقدم ، وأصبح أهم أسباب حرص الصغار على تلك الكتب .
6 - تقديم بعض الرسوم الكاريكاتيرية أو ما يشبهها من أساليب ، لإضفاء روح المرح على جو الكتاب ، حتى فى الموسوعات العلمية المقدمة إلى العمر أقل من 12 سنة . ( مثل موسوعة " عالم المعرفة بين يديك " التى قمنا بإعادة صياغتها بالعربية ، وهى من عشرة أجزاء ، موجهة إلى عمر مَن هم فى مرحلة المدرسة الابتدائية ) .

الثالث عشر : تزايد الاهتمام بقصص وروايات الخيال العلمى ، باعتبارها من أهم وسائل تنمية الاهتمام بالثقافة العلمية ودور العلم فى حياتنا :

          لاحظنا فى مجال النشر الأمريكى ، وعلى نحو أقل قليلاً فى النشر الأوربى ، الاهتمام المتزايد بروايات الخيال العلمى ، التى تلاقى هناك إقبالاً كبيرًا من الشباب والشباب الصغير ( البالغين الصغار ) .
        تقول مؤلفة كتاب " الثورة التكنولوجية والأدب " :
        " هناك اتجاه واضح فى الأدب نحو الزيادة المطردة فى انتشار روايات الخيال العلمى ، وبصورة خاصة فى إنجلترا والولايات المتحدة وروسيا ( الإتحاد السوفيتى سابقًا ) " .
          " كما أن مقدار ما يُؤَلَّف فى الخيال العلمى من مختلف الأنماط ، أخذ أيضًا فى الزيادة فى الدول التى لم يكن يوجد بها الاهتمام بهذا النوع من الأدب ، مثل اليابان وإيطاليا والدول الإسكندينافية ، بل وحتى أمريكا الجنوبية " .
* ويُعتبر أدب الخيال العلمى علاجًا حقيقيًّا للقطيعة بين العلم والأدب . وهذا التقارب يمكن تفسيره بالتأثير الضخم للعلم والتكنولوجيا على حياتنا ، وبتأثير الروح الصناعية فى زماننا على الأدب .
          * وهناك إجماع على أن أدب الخيال العلمى هو أفضل وسيلة لإثارة حماس المراهقين والشباب الصغير بالعلم ، ودوره الأساسى فى حياتنا .
* وتعبير " أدب الخيال العلمى " مقصود به نوع من أنواع الكتابة الأدبية ، يحاول فيه الكاتب أن يتصور ما يستطيع العلم أن يقدمه فى المستقبل إلى الإنسان من  إمكانيات ، وأن يفتح عيوننا على الخير الذى يمكن أن تقدمه هذه الإمكانيات ، أو يحذرنا من أخطارها المحتملة .
بالإضافة إلى أنه يهيئ الرأى العام لتقبل وجود العلم فى كافة جوانب حياة المجتمع .
إن أدب الخيال العلمى يساهم فى تكوين الفكر العلمى والاهتمام بالثقافة العلمية لدى              القراء ، ويساعد على تعميق فهم الناس لدور العلم فى حياتنا .
* وبعد تردد ، فاز هذا اللون من الأدب بالاعتراف به ، مما وضعه على قدم المساواة مع بقية صور الأدب الشامخة .
*         *          *
          * أما فى العالم العربى ، فقد بدأ الاهتمام بأدب الخيال العلمى متأخرًا ، وتناوله فى البداية عدد من كبار الأدباء فى عدد قليل من مؤلفاتهم .
لكن كل هذه الكتابات هى مجرد نقطة فى بحر الكتابة للكبار ، ولم يوجد بعد من يكتب الخيال العلمى " للشباب الصغير " فى العالم العربى .
          - وهذه الندرة فى كتابة أدب الخيال العلمى فى العالم العربى ، هى انعكاس لغياب الثقافة العلمية والتفكير العلمى عن حياتنا العامة ومن إعلامنا .

الرابع عشر : عليك أن تعرف ما تريد أن تكتب عنه :

 وهناك تطور مهم آخر فى نوعية ما يكتبه مؤلفو أدب الأطفال حاليًّا فى العالم  كله ، ( والمؤلفون للكبار أيضًا ) ، فقد كانت النصيحة ألا يكتب الكاتب إلا عمَّا يعرف ، أما الاتجاه الحديث فيؤكد للكاتب : " عليك أن تعرف ما تريد أن تكتب عنه " .
فالقصة أو الرواية لم تعد تدور فقط حول تجارب شخصية ، ولا حول مُجرّدِ الخيال المُنطلق ، بل على الكاتب ، بعد أن يستقر على موضوع عمله الأدبى ، أن يجمع أكبر قدر من المعلومات والخبرات من مُختلف المصادر حول الموضوع الذى سيكتب عنه .
إن النحلة ، لكى تقدم جرامًا واحدًا من العسل الذى فيه شفاء للناس ، لا بد أن تكون قد جمعت الرحيق من ثلاثة آلاف زهرة أو أكثر ، هذا الرحيق المجانىّ ، عندما تتم معالجته داخل أجهزة النحلة العبقرية ، يتخلق العسل والشهد بما لهما من قيمة فائقة .
هذه هى قيمة الخبرة والتجربة والمعلومات التى لا بد أن يحرص المبدع على الوصول إليها قبل أن يبدأ فى إبداع عمله الأدبى أو الفنى : ثلاثة آلاف قبل إبداع صفحة واحدة .. 
- هنا تقوم الرحلات والزيارات للبيئات المُختلفة ، والتعرف إلى مختلف المجموعات البشرية وإلى مختلف أصحاب المهن والحرف والصناعات ، بــدور رئيسى فى تنمية الخبرة ، مثل الزيارات إلى الصحراء أو المناطق الساحلية أو المناطق الصناعية أو الريفية                       أو العشوائية .
كما أن زيارة متاحف الفن والآثار ، وتأمّل لوحات كبار الفنانين ، تـُـقدِّم ثروة من الخبرة حول تعبيرات الوجوه وطُرُز العمارة والأثاث والملابس ، خاصة عند كتابة عمل فى جو تاريخى .
كذلك فإن قراءة التاريخ والدراسات الأنثروبولوجية أو علم الإنسان ، تـُـقدِّم ثروة من المعلومات حول العادات وطُرق الحياة فى مُختلف المناطق ، كسُكان الصحراء والسواحل وما يُماثلها ، أو فى الدول الأجنبية .
- وفى مصر ، بين أيدينا دراسات المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ، ودراسات أقسام الاجتماع فى الجامعات المصرية ، حول الطفل العامل ، وأطفال الشوارع ، وسُكان العشوائيات ، والأم المعيلة ، وغيرهم من الفئات التى قد تكون موضوعًا لعمل قصصى               أو روائى .
كــذلك فــإن حضـور المؤتمـرات والنـدوات التى تُقـام حـول مُختلـف قضايا الأطفـال ، تـتيــح
الاستماع والحوار مع أصحاب الخبرات الشخصيــة مــن الخـُـبراء ، الذين يتصلون مُباشرة بفئات مُختلفة من الأطفال والبيئات ، وإن كان هذا لا يغنى عن الخبرة المباشرة للتعرف على هذه الفئات .

الخامس عشر :أثر السينما وألعاب الفيديو على القراء الصغار :

أصبحت أفلام السينما من أهم الفنون التى يتعايش معها أطفالنا حاليًّا منذ الطفولة المبكرة ، وذلك قبل أن يجيدوا القراءة بوقت طويل ، وذلك نتيجة اعتياد الأسرة على فتح التليفزيون طوال النهار طالما الكبار داخل المنزل ، دون التنبه إلى أثر ذلك على صغار الأطفال ، أو لعدم إدراك البالغين لوجود مثل هذا الأثر أصلاً .
ونتيجة لذلك تَشَكَّل تذوق الأطفال للعمل الروائى المقروء بالبناء الفنى الذى تحرص عليه أفلام السينما ، وعلى وجه خاص الأفلام الموجهة إلى الأطفال .
- ولا شك أنه كلما اقترب بناء العمل القصصى أو الروائى وإيقاعه من هذا الذى تَعَوَّد الأطفال على مشاهدته والتفاعل معه ، كان ذلك عاملاً مهمًّا فى جذبهم إلى القراءة وتذوقهم لما يقرءون من أعمال روائية أو قصصية . 
لهذا فإن الأديب الذى يكتب للأطفال ، لابد أن يتنبه إلى تأثير مُشاهدة أطفال الأجيال    الجديدة - على نحو مستمر ومتواصل - لأفلام السينما ، سواء شاهدوها عن طريق الفيديو بالمنازل ، أو شاهدوها مع الكبار فى عدد كبير من القنوات الفضائية التى تخصّصت فى تقديم الأفلام .
* ومن أهم آثار مشاهدة الأطفال لأفلام السينما ، أن عيون الأطفال تعودت أن " ترى " الأشياء: أشكال الملابس ، طُرز العمارة ، مفردات الأثاث ، عناصر البيئة ( صحراء -  بحر -            قرية - مدينة ) ، وتأثيرات المناخ ( سماء صافية / سُحب / أمطار .... ) ، وبالتالى قَلَّ اهتمامهم " بقراءة وصف " لهذا الذى تعوَّدت عيونهم أن تستوعبه جيدًا بغير حاجة إلى كلمات .
* لهذا فإن أدباء الأطفال لم يعودوا فى حاجة إلى إطالة الوصف لما يمكن أن تراه العين ، وأصبح عليهم أن يتركوا مُهمة الوصف البصرى لعمل الرسام ، الذى أصبح دوره ضروريًّا ومطلوبًا حتى بالنسبة لكُتب المراهقين والشباب .
* كذلك تـَـعَوَّد الأطفال على الاستماع إلى " الحوار المباشر " ( direct speech ) ، سواء فى الأفلام أو التليفزيون - فلم يعودوا يتقبلون كثيرًا أن نكتفى بأن نسرد لهم مضمون الحوار                              ( indirect speech ) .
* كذلك قد نتساءل عن تأثير الطول الزمنى للأفلام على عدد كلمات وعدد صفحات كتاب      الطفل - ذلك أن زمن عرض فيلم الأطفال يتراوح ما بين ( 50 ) دقيقة وساعة وربع                 أو ساعة ونصف - فهل تأثرت قدرة الطفل على الاستمرار فى المطالعة ، وأصبحت محدودة بعدم القدرة على الاستمرار فى القراءة زمنـًـا أطول من فترة عرض الفيلم ، مع مُراعاة اختلاف القدرة باختلاف العمر ؟
* مع ملاحظة أنه لابد من دراسات ميدانية تدور حول أطفال العالم العربى ، ولا نكتفى بالاعتماد على دراسات تتم فى أوربا أو أمريكا ، لاختلاف المناخ الثقافى المحيط بالأطفال .

السادس عشر : النص المكتوب فى قصص الرسوم المسلسلة :

لوحظ أن الطفل يقرأ رسوم هذه القصص بعينيه قبل أن يقرأ ما تتضمنه من جمل وكلمات مكتوبة فى بالونات داخل الرسوم .
كما يضطر كاتب قصص الرسوم المُسلسلة إلى اختصار النص إلى أقل عدد من الكلمات ، ليُتيح للرسام مساحة كافية للرسم ، لا تــُـزاحمه فيها " البالونات " التى يُكتــَـب فيها النص .
لذلك لوحظ أن قراءة نصوص قصص الرسوم المُسلسلة لا تساهم فى تنمية الإحساس بالتذوّق الأدبى للنص ، لأن النص بغير رسوم يبدو مُفكّكًا غير مُترابط .
كما أن كتابة النص على هذا النحو ، تُعَـوِّد الطفل على القراءة السهلة غير المُتأمّلة ، التى                        لا تُثير فيه الخيال أو التفكير أو الرغبة فى البحث والمعرفة . كما أنها تحول دون الاستمتاع بالقراءة ، وبذلك تفقد هذه النصوص أهم مُقوّمات النص الأدبى الذى يُمكن أن يُنمى عادة القراءة عند الأطفال .
          وقد انتهت مؤتمرات دولية حول صحف ومجلات الأطفال فى تقريرها إلى أن : " الصور أصبحت تحتل مكان النص فى جميع صحف الأطفال ( مما يضيع على الأطفال الفرصة لتنمية ثروتهم اللغوية ، ويصرفهم عن بذل أى جهد فى تعلم القراءة ، ويجعل الكتب تبدو لهم ثقيلة ومملة ) " .
ولا توجد إلا حالات نادرة يكون النص فيها مكتوبًا خارج إطار الرسوم المُسلسلة أو تحتها ، مما يُساعد الكاتب على أن يُقدّم للطفل نصًّا أدبيًّا مُتماسكًا ، تتكامل فيه عناصر العمل الأدبى .
وهذا هو الأسلوب الذى ندعو إليه ، للجمع بين تشويق الرسوم المُسلسلة ، مع تقديم نص أدبى جيّد للأطفال .
والقضية هى فى مُحاولة تعويد الأطفال على قراءة النص الأدبى الذى نكتبه لهم
خارج أو تحت مساحات الرسوم المُسلسلة ، وليس فى " بالونات " داخلها .
- ولنا تجربة فى هذا المجال ، لتلافى عيب النص الأدبى الغير مكتمل الذى نضعه فى البالونات داخل كادرات الرسوم ، بأن نضع النص خارج كادرات الرسوم أو تحتها .
          - وهى تجربة نفذناها خلال الثمانينات مع القصص التى كنا ننشرها فى جريدة الأهرام كل يوم جمعة لعدة سنوات ، فقد كان الفنان عادل البطراوى يرسم 5 أو 6 كادرات تعبر عن مواقف القصة المتوالية ، وتحتها ننشر نص القصة متكاملة ، فيستمتع الطفل بالرسوم التى يحبها ، ويستمتع أيضـًـا بالنص الأدبى المتكامل .
          - كما طبقنا نفس الفكرة فى سلسلة كتب عنوانها " دنيا المعرفة " ، صدر منها 24 كتابًا ، وكان ذلك فى التسعينات ، ومن بينها كتاب عنوانه " الجبال العائمة " ، وهى جبال الجليد التى اصطدمت باخرة تيتانيك بواحد منها . كنا نكتب تحت كل كادر سطرين إلى خمسة أسطر ترتبط بالرسم الذى فوقه ، ومن هذه الفقرات تتكون قصة تتوافر فيها كل عناصر النص الأدبى المتكامل ، الذى ينمى التذوق الأدبى للقراء الصغار .  
إن الهدف من تقديم الرسوم مع القصة هو تشجيع الطفل على القراءة ، ومساعدة القارئ الصغير على فهم النص والتعايش معه من خلال الرسوم . أى أن الهدف الحقيقى ليس مجرد استمتاع الطفل بالرسوم ( وهو ما يركز عليه الرسامون ) ، بل الأساس هو استخدام الرسوم كوسيلة لتشجع الطفل على القراءة .
          * اللهجة العامية فى بعض قصص الرسوم المسلسلة :
          كذلك لوحظ استخدام اللهجة العامية فى بعض قصص الرسوم المسلسلة فى عدد من مجلات الأطفال المصرية .
ولما كانت كل الكتب المدرسية ، وكل كتب القصص والمعلومات غير                  المدرسية ، مكتوبة كلها بالفصحى ، فإننا عندما نبتعد بالطفل عن الفصحى فى أفضل مادة يفضلها فى مجلته وهى الرسوم المسلسلة ، نكون قد قضينا تمامًا على الهدف من استخدام الرسوم المسلسلة .
          -  هذا بالإضافة إلى أننا ننجرف إلى هوة فصل الصغير عن لغته العربية ، التى تُوَحِّد بين الناس فى أرجاء العالم العربى ، والتى يقرأها أو يستمع إليها عند تلاوة آيات القرآن الكريم ، ولن يستخدم غيرها عند إجابة أسئلة امتحاناته فى أية مادة من مواده المدرسية .
          لقد كتبتُ لسنوات طويلة قصصى اليومية فى الأهرام بالفصحى المناسبة لعمر الصغار ، ولم نسمع شكوى من أية صعوبات فيها .
          لذلك نؤكد أنه علينا أن نحافظ على لهجتنا الفصحى ، لكى لا نتسبب فى اندثار لغتنا العربية من بين لغات العالم المعترف بها . 

السابع عشر :التفكير بالصور والرسم بالكلمات :


عندما كنت فى السنة الرابعة الابتدائية ، كان كتاب " التربية بالقصص لمطالعات المدرسة
والمنزل " من أحب الكتب إلى نفسى ، وهو من تأليف كاتب الأطفال " حامد القصبى " ، وكانت وزارة المعارف ( التربية والتعليم ) قد قررت توزيعه على كل طالب .
 وكانت واحدة من هواياتى ، أن أختار إحدى قصص هذا  الكتاب وأرسمها فى مجموعة من الرسوم المسلسلة . وأذكر على وجه خاص قصة  " تَمَسْكن فتمكن " ، التى شعر فيها الجمل ليلاً بالبرد ، فأدخل رأسه داخل خيمة صاحبه ليتدفأ ، وشيئـًـا فشيئـًـا احتل الخيمة وأزاح صاحبها خارجها . وكنت أختار القصص الحافلة بالمواقف المتتالية التى يمكن تحويلها إلى رسوم.
وهكذا اكتشفت فى ذلك الوقت المبكر ، أن أكثر القصص تأثيرًا فى الأطفال وقدرة على أن تعيش طويلاً فى خيالهم ، هى التى يكتبها المؤلف الذى يفكر بالصور ويرسم بالكلمات .
- وعندما تقدم بى العمر ، أصبحت أتذكر دائمًا أن الأطفال يفكرون بالصور ، وأن الرسم أوضح وسيلة يعبرون بها عن أنفسهم ، وصار تأملى لرسوم الأطفال بحب وتقدير هو النافذة التى أعايش من خلالها رؤية الأطفال للعالم المحيط بهم ، وطريقتهم فى التعبير عن هذه الرؤية : عرفت ما الذى يثير انتباههم أو يثير مخاوفهم وقلقهم ، وعرفت كيف يعبرون عن هذا الحب أو القلق ، وبهذا اكتسبت أهم خبرة للنجاح فى الإبداع القصصى للأطفال .
الثامن عشر : هل لابد من وجود شخصية طفل فى الرواية المقدمة للأطفال وللشباب الصغير ؟

          من المُلاحظ أن أبطال مُعظم الحكايات الشعبية ، وعدد من الأعمال الأدبية التى نجحت مع الأطفال ، هم من الكبار أو ممن يتقدمون فى العُمر أثناء الحكاية ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها    " السندباد البحرى" ، و" على بابا " ، و" علاء الدين " ، و" جلفر " ، و " روبنسن كروزو " ، و " سندريلا " .
          وهذا يؤكّد أنه من الأخطاء الشائعة القول بأن قصص وروايات الأطفال يجب أن تدور كلها حول أبطال من الأطفال .
          - فلا يوجد ما يمنع أن يكون بطل القصة شخصًا مُسنــًّـا ، وإنْ تــَـطَـلَّبَ هذا من المؤلف أن يهتم برسم شخصيته بطريقة يستطيع معها الأطفال تقمّصها والتوحّد معها ، وبوجه خاص إذا كانت له علاقات طيبة مع الصغار ، وبشرط ألا تكون شخصية متسلطة تلغى شخصية من حولها من أطفال .
- لكــن مــن المُلاحــظ أيضــًـا أن البطـلات مـن الشخصيـات النسائية والفتيات فى قصص
الأطفال عددهن قليل ، وهو ما أصبح مُتعارضــًـا مع التأكيد على دور المرأة الرئيسى فى التنمية .
          - وإذا لم يوجد فى القصة شخصيات أطفال ، فيمكن للقارئ الصغير أن يتوحّد مع ، أو يتقمّص ، شخصية الحيوانات .
          - لكن إذا كان هناك أطفال أو صغار فى القصة ، فيجب الحرص على تجنــّـب الإشارة إليهم طوال الوقت باستخدام كلمة " الأطفال " ، لأن الصغار يحبون أن يتصوّروا دائمًا أنهم أصبحوا كبارًا .
          كذلك يجب تجنــّـب الإشارة إلى البالغين فى القصة بلفظ " الكبار " ، لأن هذا يؤدى إلى شعور القارئ الصغير أنه أقل من هؤلاء الكبار فى  الدرجة .
*          *          *
          - ومع ذلك ، فمن الملاحظ حاليًّا أن معظم الأفلام السينمائية الموجهة للأطفال ، يوجد بين أبطالها أطفال ، صبيان وبنات ، وقد لا تتضمن إلا طفلاً واحدًا تدور حوله الأحداث مع عدد كبير من البالغين مثل فيلم " وحدى فى البيت " ، ويقولون إن السبب فى ذلك أن تَوَحُّد الأطفال مع الأطفال أسرع وأسهل كثيرًا من تَوَحُّدِهم مع شخصيات بالغين .
          - وبعض دور النشر تتردد فى نشر روايـات الأطفـال التى لا يوجـد بهـا إلا فتيـان ، ويتطلبـون أن تكون هناك فتيات بجوار الفتيان ، ذلك أن وجود فتاة أو فتيات يضمن إقبال البنات على العمل الروائى وبالتالى تتسع دائرة توزيعه .

التاسع عشر : استخدام الفصيح من ألفاظ الحديث فى الكتابة للأطفال :

* الطفل يعرف " الشباك " ولا يعرف " النافذة " :
ويعرف النور ولا يعرف الضوء ، ويعرف كلمة قَعَدَ ولم يسمع كلمة جلس ، ويعرف معنى يجرى لكنه لا يعرف معنى يعدو ، ويعرف أنه يمشى ولا يعرف أنه " يسير " ، ويعرف العتمة ولا يعرف الظلام .
 ومع ذلك فإنه مع بداية تعلم الطفل القراءة ، يجد أمامه كلمات مثل النافذة والجلوس والعدو والسير والظلام ومئات غيرها من الكلمات غير المتداولة فى الحديث اليومى ، مع أنه من السهل أن يجد الكاتب مقابلاً لها فى المفردات السليمة لغويًّا والتى يعرفها الطفل - وبهذا نجد أنفسنا نُعَلِّم الطفل القراءة ، ونعلّمه أيضًا فى نفس الوقت ما يعتبره الطفل    " لغة جديدة " .
* الطفل وثنائية اللغة :
لهذا يواجه من يكتبون للأطفال باللغة العربية ، " مُشكلة ثنائية اللغة " التى يتعيّن على الطفل أن يواجهها أول ما تبدأ علاقته بالكُتب .
فالطفل لا يعرف فى بداية حياته إلا لُغة الحديث اليومى التى يستمع إليها ممن يوجدون حوله، وهى ما اصطلحنا على تسميتها " باللهجة العامية " ( الدَّارجة ) ، يفهمها ويتفاهم بها فى البيت والطريق والمدرسة . فإذا ما بدأ حياته المدرسية ، أخذ فى تعلّم العربية الفُصحى ، التى توحى الكُتب المدرسية أنها " لُغة جديدة " غريبة عن الطفل . وإذا حاول استخدام بعض ألفاظها فى البيت أو الطريق ، قابلتــه ضحكات السخرية أو أمارات الدهشة ، وما يُصاحب هذا من شعوره بأنها صعبة وغامضة وغير مُحدّدة ، ولا تُـثير لديه صورًا من خبراته السابقة ، فتنقطع الصلة الوجدانية والفكرية بينه وبينها .
هذا فى حين أن القواعد التربوية السليمة توجب ألا نُعلّم الطفل ، فى الوقت الواحد ، إلا أمرًا واحدًا ، فإذا أتقنه انتقلنا منه إلى غيره . أما إذا أردنا أن نُعلّمه أشياء مُتعدّدة فى وقت واحد                               [ القراءة + التعرف على مفردات جديدة ] ، فالمهمة تصبح شديدة الصعوبة والتعقيد بالنسبة إليه ، وتكون النتيجة الحتمية لذلك أن نخفق فى تعليمه إياها جميعًا .
لهذا فإنه إذا أردنا التأكيد على تنمية عـادة القـراءة عنـد الأطفـال ، ( والقضـاء على الأميـة ) ، فلا بد من معالجة موضوع الازدواج اللغوى بين مفردات الكتابة التى لا يعرفها الطفل ( ولا الأمىّ ) ، ومفردات الحديث اليومى الذى يعرفه الطفل ويعرفه من لا يجيد القراءة والكتابة .
* الطفل لن يفهم إلا الألفاظ التى يعرفها :
لذلك فإن لُغة الطفل التى يتحدّث بها ويعرفها ويفهمها ، ينبغى أن يُبنـَـى عليها                 مــا يُقــدم له مــن كُتــب وأدب ، ذلك أن علينـا أن نستغـل خبـرات الأطفال اليومية المُباشرة ، لنصل
إليهم ، وهذا يقتضى أن نستخدم - بقدر الإمكان - لُغتهم التى يستخدمونها فى أحاديثهم ، متى كانت سليمة من الناحية اللغوية .
إن كاتب الأطفال يُريد أن يصل ، لا إلى عدد محدود من الأطفال الذين تــُـهيئ لهم بيئاتهم الاستماع المُستمر لتعبيرات اللُّغة الفــُـصحى واستخداماتها ، بل إلى جمهور الأطفال المُنتشر فى كل     مكان ، والذين لا تُصافح أسماعهم " اللُّغة الفــُـصحى " إلا نادرًا .
إننا ، إذا قَصَرْنا لُغة الكتابة على ألفاظ بعينها يُدرك معناها قوم قليلون ويجهل مرماها الآخرون ، فإننا نعمل على إيجاد هوة فاصلة بين الخاصة وهم قلّة والعامة وهم كثرة ، ونضع عائقــًـا أمام الكثرة الغالبة من الأطفال يحول بينهم وبين فهم وتذوّق وحُب الكُتب الموجّهة إليهم .
* فلنُعلّم الطفل شيئًا واحدًا فى الوقت الحالى :
 إن مُعظم تلاميذ المدارس ، فى عدد كبير من البلاد العربية ، يأتون فى الوقت الحالى من قطاعات تـُـعْتـَـبر من أكثر القطاعات الاجتماعية تعرّضــًـا للحرمان ، ولم تألف هذه القطاعات الفقيرة الكلمة المكتوبة أيًّا كان نوعها .
وتدل الدراسات التربوية على أن الأطفال الذين ينشـؤون فى بيــوت تــُـتيح لهــم
فُرصة الاطلاع على الكُتـب المُلائمة ، والاستماع إلــى الراديو ، وتبادل الحديث ، والإنصات إلى الحكايات والقصص ، وغير ذلك من أنواع التدريب اللغوى ، يكونون أقدر على تعلّم القراءة من الأطفال الذين ينشؤون فى بيوت حرمتهم من تلك الوسائل التعليمية المُختلفة .
فإذا كُـنّا نستقبل طفل هذه البيئات الفقيرة ثقافيًّا بأن نُقدّم له ، فى أول ما يقرأ من كُتب ، لهجة فُصحى ، تختلف عن لهجته اليومية فى الألفاظ والتراكيب ، فإننا نكون قد جعلناه يواجه حاجتين كبيرتين معًا وفى نفس الوقت : الأولى : حاجته إلى أن يتعلّم القراءة ويُحبّها . والثانية : حاجته إلى أن يتعلّم فى نفس الوقت لهجة نتركه يحس أنها لغة جديدة عليه .
ونحن لا نقول باستخدام العامية ، بل " بالفصيح " من ألفاظ الحديث اليومى .
إننا ننادى باستخدام ألفاظ العامية المنحدرة من أصل عربى ، شريطة أن تخضع فى ضبطها لقواعد العربية ، لكن لابد من اتفاق كلمات كتب الأطفال الصغار مع " السليم " من قاموسهم الكلامى .
* لكل عُمر حصيلته اللغوية ( قاموسه اللغوى ) :
لذلك فإنه على الرغم من ظهور أعداد كبيرة من كُتب الأطفال وقصصهم باللغة العربية ، فإن عددًا كبيرًا من مُفردات لُغتها نجدها فوق مُستوى مَنْ كُـتِبت لهم من الأطفال . ونتيجة لهذا الخطأ الفنى مَلّ الأطفال قراءة تلك القصص .
والسبب الرئيسى فى هذه الظاهرة ، أنَّ مَنْ يكتبون للأطفال لا يجدون أمامهم  ما يرشدهم إلى المُفردات والتراكيب التى يجب أن يُخاطبوا بها العُمر الذى يوجّهون إليه كتاباتهم .
أما فى اللغات الأجنبية ، فقد قام كثير من الباحثين بجمع قوائم المُفردات والتراكيب التى تدخل فى المحصول اللغوى للأطفال فى الأعمار المُختلفة ، ونشروا هذه القوائم ليستعين بها المؤلّف لكُتب الأطفال ، وليستعين بها غيرهم ممن يتعاملون مع الأطفال .
* أدب الأطفال وكُتب تعلّم اللغة ، والفرق بينهما :
وفى هذا لا يجب أن نلقى مُهمّة رعاية النمو اللغوى للطفل على عاتق أدب الأطفال ، فهناك مجالات خاصة بذلك فى مواد الدراسة تشمل كُتب القراءة والتعبير والنصوص وغيرها من المواد التى تهدف إلى تعليم اللغة للأطفال .
أما أدب الأطفال فإنه يهدف أساسًا إلى الإمتاع ، وتكوين العواطف وتنشيــط الخيــال ، وتعويد الصغار بطريق غير مُباشـر على المُعايشـة السليمـة للأحـداث والأشخـاص ، والسلوك الإنسانى المتحضر ، وحفزهم على الخَلق والابتكار ، والتجديد ، وتحمّل المسئولية ، واكتشاف مواطن الصواب والخطأ فى المُجتمع . فإذا تعلّم الطفل ، بجوار هذا ، لفظـًا جديدًا ، فإنما يتعلّمه عَـرضًا دون عمد أو قصد من                 الكاتب .
وكاتب الأطفال الموهوب ، هو الذى لا يواجه الطفل بألفاظ تُوقِعهُ فى حيرة من أمره لأنه                           لا يفهمها ، أو تقطع عليه سلسلة خيالاته وتجاوُبه مع موضوع القصة وشخصياتها ومُعايشته              لأحداثها ، لكى يبحث عن معنى اللفظ الذى لا يعرفه .
* كيفية الاختيار من ألفاظ الحديث اليومى :
ومن ناحية أخرى ، فإنه لابد من إعداد الطفل ليُجيد فى مُستقبل حياته فهم الفــُـصحى وقراءتها ، إذا أُريدَ له أن يمضى قدمًا بنجاح فى برنامجه التعليمى كمواطن عربى . لكن مواجهة الطفل باللهجة الفُصحى الغريبة عنه بمجرد دخوله المدرسة ، أمر خطير غاية الخطورة من الناحية التربوية والنفسية جميعًا .
لذلك قــُـلنا إن مُفردات الطفل وتراكيبه التى يستخدمها فى حديثه ، ينبغى أن تكون المادة الأولى فى أول الكُتب التى نضعها بين يديه .
- لكن ليس معنى هذا أن نترك العامية تـُسيطر على تعبير أطفالنا ، بل نحن نقول فقط إنه يجب أن نلتزم فى اللُّغة التى " نكتب بها " للأطفال بالألفاظ  والكلمات التى يعرفها الطفل ويفهمها ،                                 وهى المُتداولة عادة فى حديثه اليومى .
- وليس معنى هذا أن نستخدم فيما نكتبه للطفل من أدب " كل " الألفاظ والتراكيب التى يستخدمهــا الطفــل فى حديثـه اليومى ، بل الأمر يقتضى أن نختار من حصيلة الطفل " الكلامية " ، تلك
المفردات والتراكيب التى " تشترك فى سلامتها اللغوية " مع اللهجة الفُصحى ، فنؤلّف منها بقدر الإمكان مادة القراءة والكتابة ، خاصة فى المرحلة الأولى التى يتصل فيها الطفل بالكتاب .
* المسافة ليست كبيرة بين الفصحى والعامية :
وإذا تتبعنا لُغة التخاطب الآن ، لنعلم نسبها من العربية ، وجدناها نفس العربية لكن طرأ عليها التحريف بنقص أحوال الإعراب ، أو تغيير حروف بعض الكلمات ( الحركة أو السكون                       أو التخفيف أو التشديد أو الحذف أو الزيادة أو القلب أو الإبدال ) .
إن بُـعْد الألفاظ العامية عن العربية مُبالغ فيه ، ومن اليسير تدارك الأمر إذا نحن عنينا بجمع المُفردات العامية ، وعنينا بإعادة الاعتبار إلى كل ما يُمكن رد الاعتبار إليه ، وصحّحنا كل ما يُمكن تصحيحه منها ، بغير إبعادها عن صورتها الأولى كُــلّما أمكن ذلك .
* والخُلاصة أن أهم الوسائل التى تجعل اللُّغة مقبولة ومُتداولة ، أن تكون لألفاظها مُدركات يستوعبها العامة والخاصة بسهولة وبغير جُهد أو عناء . وأهم السُّبل إلى ذلك ، ألا يحتقر الكاتب                  " الصحيح من مُفردات العامية " ، فيهجره ، بل يجب أن نأخذ الألفاظ الصحيحة ، ونأخذ الألفاظ المريضة بعد أن نُصحّحها ، ونجعل كل ذلك يجرى بأقلامنا كل يوم ، فيأنس الأطفال والصغار بلُغتنا ، لأنهم يقرءون كلمات يردّدونها فى حياتهم اليومية ، ثم يأخذون ، من حيث لا يشعرون ، كثيرًا من الألفاظ الأخرى التى نكتبها ، والتى ليست مُستخدمة فى الحديث اليومى .
لذلك يجب أن تتطوّر ألفاظ كُتب الأطفال بما يتــّـفق ومصالح الكثرة من أطفالنا ، الذين نــُـريد أن نـُـحبّب إليهم الكُتب والقراءة ، بشرط أن يُساير تطوّر ألفاظنا الأسلوب العربى فى الصياغة والتعبير .
* لا نقول باستخدام العامية ، بل بالفصيح من ألفاظ الحديث اليومى :
فإذا أردنا أن نُقدّم للطفل مادة قراءة صحيحة من وجهة النظر اللُّغوية ، وهى فى الوقت نفسه مما يستخدمه الطفل فى حديثه اليومى ، فعلينا أن نرجع إلـى قاموس الطفل الكلامى ( أو حصيلته اللغوية ) ، وندرس مُحتوياته ، لنتبيّن فيه ما يلى :
( أ ) الكلمات المُشتركة بين العامية والفُصحى ، ولها فى الوقت نفسه نسبة عالية من الشيوع فى أحاديث الأطفال .
( ب ) الكلمات العامية ذات النسبة العالية من الشيوع فى لُغة الطفل ، وبينها وبين نظائرها فى الفُصحى تقارب كبير فى النُّطق . ولا بأس أن نُقدّم هذه إلى الأطفال بعد تهذيبها - بل إنها إذا قــُـدّمت فى صياغتها الفــُـصحى فلن يجد الطفل مُشكلة فى فهمها ، مثل " حصان "         و " منديل " .
العشرون: الحاجة إلى الاستمرار فى ترجمة كلاسيكيات أدب الأطفال العالمية إلى العربية ، وترجمة الأعمال الإبداعية الحاصلة على جوائز أطفال معترف بها من مختلف اللغات العالمية إلى العربية :
  

حول أهمية ترجمة روائع الأدب العالمى إلى العربية ، كوسيلة أساسية لحفز الإبداع فى مجالات الرواية والقصة والمسرح ( فى المجال العربى - بالنسبة للكبار ) ، يقول الناقد والمفكر الكبير الأستاذ الدكتور لويس عوض ، فى المقدمة التى كتبها للترجمة التى قام بها لرواية " الوادى السعيد " :
" كان فن الرواية فى مصر ، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ( 1945 ) ، قائمًا على الاجتهاد . ولا شك أن العربية خلال العشرينيات والثلاثينيات ( من القرن 20 ) ، عَرَفَت عشرات من النماذج فى ترجمة الرواية ، من نقولا يوسف إلى عمر عبد العزيز أمين ، عرفت ترجمة الرواية بالمعنى المتعارف عليه ، غير أن هذه الترجمات عن اسكندر دوماس وميشيل زيفاكو وتشارلز ديكنز وكونان دويل والكونتيسة أوكيزى إلخ ، كانت إما نقلاً تغلب عليه العجلة والركاكة لبعض روائع الأدب العالمى ، يختفى فيه " الأدب " ولا يبقى إلا السرد والحوار والوصف ،                   وإما نقلاً لروايات المغامرات المثيرة التى يُقْبــِـل عليها الناس لإزجاء الفراغ ولكنها عديمة القيمة من الناحية الأدبية .
ومع ذلك فقد كانت هذه الروايات المثيرة هى المدرسة الأولى التى تعلم فيها المصريون                                     " فن الرواية " أكثر مما تعلموه من جهود حافظ إبراهيم والمنفلوطى ، لأنها رغم قصورها ، حافظت على هيكل الروايات المنقولة ، ومن خلالها تعلم من يريد أن يتعلم كيف يكون " السرد " وكيف يكون " الحوار " وكيف يكون " الوصف " وكيف يكون " بناء الشخصية " . ومن خلال هذه المترجمات الساذجة لنصوص بعضها ساذج وبعضها شامخ ، تعلم من يريد أن يتعلم                " تكنيك " الرواية كما يمارسونه فى التقاليد الأوربية التى أخذنا عنها فن الرواية . 
ومع هذا فقد بقيت الرواية مظلومة ، انتظارًا لظهور رعيل من المترجمين الفنيين الذين                                  لا يتصدون إلا للروائع الأدبية من ناحية ، ولا يشاطرون الروائيين تأليف رواياتهم حين يترجمونها من ناحية أخرى ، كما فعل محمد عثمان جلال وحافظ إبراهيم والمنفلوطى .
 ثلاثة أركان كان ينبغى أن تتوافر : اختيار روائع الرواية فى الأدب العالمى ، وأمانة النقل فى حرص شديد ، ورفعة العبارة العربية أو جودتها على أقل تقدير بحيث تدخل الترجمة فى إطار الأدب    كما دخل النص فى إطار الأدب فى لغته الأصلية .
 بهذا وحده يمكن للروائى العربى الناشئ أن يتعلم شيئًا كثيرًا عن فن الرواية دون إحاطة باللغات الأجنبية . بعبارة أخرى : كنا بحاجة إلى تجديد التقاليد الأدبية التى أرساها فى                   فن الترجمة العربية أحمد حسن الزيات وأحمد الصاوى محمد .
إن محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم وطه حسين لم يكونوا بحاجة إلى  " نماذج " من الرواية مترجمة إلى العربية لينشئوا ما أنشؤوا فى فن الرواية ، لأن طريقهم إلى الأصول كان طريقًا مفتوحًا نتيجة لإتقانهم اللغات الأجنبية .
أما الأجيال الجديدة من الأدباء الشبان الذين لم يتح لهم عِلْم هيكل وتوفيق الحكيم وطه حسين ، فقد كانوا بحاجة حقيقية إلى هذه الترجمات ، إن لم يكن لحسن الإنشاء ، فلحسن التذوق على أقل تقدير " - هذا ما قاله د . لويس عوض عام 1971 .
*         *          *
* وقد أصبحنا الآن ، فى بدايات القرن الحادى والعشرين ، بالنسبة لأدب   الأطفال ، كما كان الحال بالنسبة للأدب المُوَجَّه للكبار فى نصف الأول من القرن العشرين .
أصبحنا فى حاجة إلى اختيار روائع أدب الأطفال فى الأدب العالمى لترجمتها إلى اللغة العربية ، وإلى أمانة الترجمة فى حرص شديـد ، وجـودة العبـارة العربيـة المناسبـة للطفـل على أقل تقديـر ، بحيـث
تدخل الترجمة فى إطار أدب الأطفال كما دخل النص الأصلى فى إطار الأدب فى لغته الأصلية ، وهو ما بدأ فيه ، باهتمام كبير ، المركز القومى للترجمة التابع لوزارة الثقافة بمصر .
وبهذا نقول ، مع الأستاذ الدكتور لويس عوض ، إنه بهذا وحده ، يمكن للروائى العربى الناشئ أن يتعلم شيئًا كثيرًا عن فن القصة والرواية للأطفال دون إحاطته باللغات الأجنبية .
*         *          *
          * كذلك فإن الاتجاهات الحديثة التى تعمل على التقارب بين الشعوب ، تؤكد على أهمية أدب الأطفال فى تحقيق تعريف أطفال كل بلد بحقائق الناس والحياة فى البلاد الأخرى .
          ومن غير أن نبدأ بتعريف أبناء كل بلد بأبناء البلاد الأخرى عن طريق أدب الأطفال ، سيكون من الصعب أن نبنى جسور قبول الآخر والتـَّقَبُّل بين شباب شعوب العالم .
        إن بناء جسور التعاون فى المجالات الاقتصادية والسياسية بين شعوب العالم ، لابد أن يسبقه التعرف على ثقافات الآخر وتقبلها واحترامها . والخطوة الأولى فى هذا ، أن يقرأ أطفال كل شعب ما كتبه أدباء الطفل لأطفال الشعوب الأخرى .
وهذا يقتضى أن تتنبه المؤسسات المُختلفة إلى أهمية الدور الذى يقوم به اطلاع أطفال شعوب العالم على ترجمات أدب الأطفال .
*         *         *
* كذلك تحتاج ترجمة الأعمال الأدبية الموجهة للأطفال ، إلى أديب صاحب موهبة وخبرة فى الكتابة للأطفال ، لكى يتمكن من " إعادة خلق " العمل الأدبى باللغة التى ينقل إليها العمل الإبداعى .
فالترجمة ليست مجرد نقل إلى لغة أخرى ، بل هى أقرب إلى " الخلق الفنى " .
          فليس كل من يجيد لغتين ، مهما كانت درجة إجادته لهما ، قادرًا على أن ينقل روح العمل الأدبى والإحساس به إلى قارئ اللغة التى يتم ترجمة العمل الإبداعى إليها ، خاصة فى مجال أدب الطفل .
          إن اختيار لفظ ، أو عبارة ، أو أسلوب ، أو طريقة صياغة جملة ، قد يكون هو المفتاح لإحساس القارئ الصغير بنبض النص الأدبى عند نقله من لغته الأصلية إلى لغة أخرى ، وهو ما يؤدى إلى أن يعيش العمل الأدبى فى خيال الطفل القارئ طويلاً وأن يؤثر فى وجدانه بعمق .
          - كذلك فإن من يترجم أدب الأطفال لابد أن يتوافر لديه حس أدبى مرهف بالأسلوب والصياغة والألفاظ التى تلائم خبرة وسن الطفل الذى يترجم له .


                             يعقوب الشارونى
                                                                                                                                        مؤلف أدب الأطفال
                                                                                                                                      أستاذ زائر أدب الأطفال
                                                                                                     بأقسام الدراسات العليا - كلية التربية - جامعة طنطا
                                                                                                         عضو المجلس الأعلى للثقافة – لجنة ثقافة الطفل
                                                                                                            عضو اللجان المتخصصة بمكتبة الاسكندرية
                                                                                                    المشرف على باب " ألف حكاية وحكاية " بصحيفة الأهرام
                                                                                                           الرئيس السابق للمركز القومى لثقافة الطفل
                                                                                                                                 ووكيل وزارة الثقافة سابقًا
                                                                                                مؤلف الكتاب الحائز على جائزة أفضل كتاب أطفال فى العالم
                                                                                                  من معرض بولونيا الدولى بإيطاليا لكُتب الأطفال 2002
                                                                                                                                " أجمل الحكايات الشعبية "
                                                                  والجائزة الخاصة الكبرى للتأليف فى مسابقة المجلس المصرى لكتب الأطفال 2002
                                                                                                                    وجائزة أفضل كاتب للأطفال – ( 1981 – 1998 )
                                                                                                                        وجائزة الدولة الخاصة فى الأدب – ( 1960 )
                                                                            ومؤلف ثلاثية " مجموعة شهر زاد " الفائزة بجائزة التميز من المجلس                                                           
                                                                                                                                    المصرى لكتب الأطفال 2005
                                                                                                       ( حكاية رادوبيس – أحلام حسن – الفرس المسحورة )
                                                                                              وجائزة أفضل مؤلف سنة 2007 عن روايته " سر ملكة الملوك "

ت . منزل : 23645569
محمول : 5181107 / 0100
فاكس : 23680057
 Email: yacoubelsharouny@yahoo.com   
أهم المراجع :

- دكتورة ماريا ألبانو : " القصة المصرية الحديثة للأطفال " مختارات ودراسة - الناشر : الهيئة المصرية العامة للكتاب - ( 2009 ) - ترجمة : نشوى موسى ( عن الإيطالية ) .
- جوان آيكن : " مهارات الكتابة للأطفال " - المركز القومى للترجمة - ( 2012 ) .
- ديفيد كريستال : " اللغة وشبكة المعلومات العالمية " - نشر جامعة كامبريدج -                            الطبعةالثانية - ( 2006 ) - ترجمة : أحمد شفيق الخطيب - نشر المركز القومى للترجمة - مصر - ( 2010 ) .

- دون تابسكوت : " جيل الإنترنت - كيف يغير جيل الإنترنت عالمنا " -  الطبعة الأولى -                  ( 2009 ) - ترجمة : كلمات عربية للترجمة والنشر - ( 2012 ) .

- برو جودوين : " كتب الأطفال - دراستها وفهمها " - SAGE للنشر لندن - (  2008 ) - ترجمة : عائشة حمدى - نشر مجموعة النيل العربية - ( 2011 ) .

-  فالنتينا إيفاشيفا : " الثورة التكنولوجية والأدب " - ترجمة : عبد الحميد سليم -                  الهيئة المصرية العامة للكتاب - ( 2006 ) . 

-  الدكتور شاكر عبد الحميد : " عصر الصورة " - سلسلة " عالم المعرفة " - المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب - الكويت - ( 2005 ) .


- يعقوب الشارونى : " القراءة مع طفلك " - سلسلة " اقرأ " - دار المعارف - القاهرة - الطبعة الأولى - ( 2012 ) .

- يعقوب الشارونى : " تنمية عادة القراءة عند الأطفال " - سلسلة " اقرأ " - دار المعارف - الطبعة الرابعة ( 2005 ) .

- محمد محمود رضوان : " الطفل يستعد للقراءة " - دار المعارف مصر .     

- د . صالح الشماع : " ارتقاء اللغة عند الطفل " - دار المعارف مصر .

- د . عبد العزيز مطر : " لحن العامة فى ضوء الدراسات اللغوية الحديثة " - دار الكتاب العربى للطباعة والنشر .

 - سيسيليا ميرابل : " مشكلات الأدب الطفلى " - ترجمة مها عرنوق - سلسلة " دراسات نقدية عالمية - ( رقم 33 ) " - منشورات وزارة الثقافة السورية .

- د . لويس عوض : مقدمة ترجمة رواية " الوادى السعيد " - صمويل جونسون -                            سلسلة " اقرأ " - دار المعارف .

ليست هناك تعليقات: