لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الاثنين، 14 نوفمبر، 2016

مستقبل أدب الأطفال فى ضوء المتغيرات العالمية إعداد : أ . يعقوب الشارونى

ملخص دراسة :
مستقبل أدب الأطفال
فى ضوء المتغيرات العالمية

إعداد : أ . يعقوب الشارونى

** مستقبل كتاب الطفل فى ظل منافسة الوسائط الثقافية الرقمية الحديثة :
* قوة هائلة خرجت من القمقم :

مع تزايد اهتمام أبناء جيل الإنترنت بالسياسة ، فإنهم سوف يُزيحون نمــوذج السيــاســة التقليــدى القائــم على الخـُـطَــب والتلقيـن ، فنشأتهم الرقمية - نتيجة ما استمدوه من تعاملهم مع الإنترنت بمميزاته ، ومع مختلف وسائط التواصل الاجتماعى - تجعلهم يتوقعون " التعاون " وليس الإصغاء فقط . يريدون " المشاركة " المباشرة ، و " التفاعل " ، وتقديم الأفكار، والعمل من أجل تحفيز المبادرات ..
ومن وجهة نظرهم ، " إذا أردت أن تحقق شيئـًـا ما ، فعليك أن تفعله بنفسك " .
- فما تأثير هذه القوة الهائلة التى خرجت من القمقم ، على الثقافة ، والكتاب ، والأطفال ؟
- وما هو مستقبل كتاب الطفل ، فى ظل منافسة هذه الوسائط الثقافية الجديدة المتنوعة ؟

* تأثير التفاعل الذى يقود إليه العالم الرقمى على قصص وأدب الأطفال : 
التفاعل والتواصل اللذان يقـود إليهما العالم الرقمى - وهو تواصل بين الشباب يتم بعيدًا عن رقابة الكبار فى معظم الأحيان - قد أصبحا يؤثران فى أسلوب حديث الشباب وكتاباتهم ، وفى أساليب تـَـعَلُّمِهم ، وفى نظرتهـم إلـى الطريقـة التى يفهمهم بها الراشدون ، والأسلوب الذى يفهم به الراشدون الشباب ، وهو ما ترك آثاره الكبيرة على " موضوعات " أدب الأطفال ، و " أساليب معالجتها " .
لقد أثر النت فى شبابنا ومستقبلنا ، وأصبح مصدرًا أساسيًّا " لإعطاء السلطة " للشباب ، نتيجة حرية التعبير ، والتواصـل بين مجموعـات كبيرة ،  استمدت القوة من تجمعها بغير قمع أو تسلط من الكبار.
وهكذا وجدنـا الراشدين الذين اعتادوا أن يقولوا عن الشباب إنهم " أصغر كثيرًا من أن يفكروا ، وأصغر كثيرًا من أن يعرفوا " ، قد تم إجبارهم على أن يروا وأن يعرفوا - ويحترموا - القدرات المتسعة المتزايدة للأطفال والبالغين الصغار ( الشباب الصغير ) .
وبعد أن كان الكبار يتصورون أن الشباب فى حاجة دائمة إلى حماية الراشدين ، أصبح     الراشدون لأول مرة على مدى التاريخ يجدون أنفسهم فى حاجة إلى الشباب .
 كما أن " المشاركة " وليس " التسلط " قد ظهرت بطرق مختلفة ، وبدأت القدرات الإنسانية للشباب فى الانطلاق بعد أن كانت مقيدة ، كما أصبح واضحًا أن المجتمعات التسلطية فى طريقها إلى التحول لتصبح مجتمعات ديمقراطية .
ولا شك أن هذا التغير العميق سيؤثر على نحو حاسم فى الموضوعات الأدبية الموجهة للأطفال والشباب الصغير ، وفى رسم الشخصيات ، وفى علاقات الأجيال ببعضها ، وفيما يقوم بين أفرادها من صراع وأزمات ، تتركز حولهما العقدة فى كثير من الأعمال الأدبية والفنية .
* والكتاب الإلكترونى ، الذى يمكن أن تحتوى ذاكرته على حوالى (2500) كتاب ( حوالى  2 مليون            صفحة )، من بينها معاجم وقواميس ودوائر معارف ، قد يكون منافسًا للكتاب الورقى ، لكنه فى المقابل يتيح للقارئ آفاقًا أوسع كثيرًا جدًّا للقراءة مقارنة بالكتاب الورقى ، عندما يتيح وجود مكتبة كاملة فى حقيبة اليد أو فى الجيب ، من بينها مثلاً ، الترجمة الكاملة " لألف ليلة وليلة " ، أو قاموس                أو دائرة معارف كاملة .

** ثورة فى عالم كُتب ما قبل المدرسة : القراءة بالحواس الخمس :
حواس الطفل هى الوسائل الخارجية لجهاز الطفل العصبى ، يتلقــّـى بها الصور الحاسية المُختلفة للعالم الذى يُحيط به . لهذا تهتم التربية فى مرحلة ما قبل المدرسة برعاية نمو الطفل الحاسى رعاية  مُزدوجة ، تتضمّن :
أ - تدريب حواس الطفل على مُلاحظة الأشياء ، ولمسها ، والقبض عليها ، وتداولها بين يديه ، حتى يتعرّف على خصائص هذه الأشياء من خلال لُعبه ونشاطه الذاتى .
ب - تنويع خبرات الصغير ونشاطاته الحركية ، والسمعية ، والتذوُّقية ، واللمسية ، والشمية التى يمر بها ، حتى يكتسب معرفة مُتكاملة بالأشياء الموجودة فى بيئته ، فيُساعده ذلك على اختيار السلوك الذى يتواءم معها ، وبذلك يُساعد هذا التكامل على نمو شخصيته ومعارفه وقدراته العقلية .
فبدأت ثورة حقيقية فى تكنولوجيا كُتب صغار الأطفال ، تهدف إلى إشراك أكبر عدد من حواس الطفل فى التعامل مع الكتاب .
    * لذلك فإنه ،فيما يتعلق بالكتب الموجهة إلى مرحلة ما قبل المدرسة ، من عمر يوم إلى أقل من ست  أو سبع سنوات ، تطورت وسائل تكنولوجيا صناعة كتب صغار الأطفال ، إلى ما يمكن أن نسميه                   " القراءة بالحواس الخمس " ، وذلك لجذب المزيد من صغار الأطفال إلى حُب الكتب والاهتمام بالقراءة ، ليصبح التركيــز فيهــا على التجسيــم والتحريك والأضواء والأصوات والملمس والرائحة ، وذلك لإعطاء حواس الطفل دورًا رئيسيًّا فى الحفز على حُب الكتاب ، ثم قراءته وفهم مضمونه قصصيًّا كان أو مَعْرِفيًّا .
إنها كُتب تم إبداعها لتــُـناسب أطفالاً لم يتعلّموا القراءة بعد . كُتب يقرؤها الأطفال ، ليس بالكلمات ، بل برؤية صفحاتها أو أجزاء منها تتجسّم وتتحرّك ، تختفى وتظهر ، وباللمس بالأصابع ، وبالاستماع إلى الموسيقى والأصوات والكلمات ، بل وبالشم أيضـًـا ، فبهذه الوسائل يُدرك أطفال العالم ، ويستطلعون ، ويتعلّمون ، ثم يُـبْـدِعون .

** إعطاء الطفل دورًا أكثر إيجابية فى التعامل مع الكتاب :
وإذا كانت شاشات الكمبيوتر والوسائل الرقمية تتيح مجالات متعددة للتفاعل والمشاركة لمن يتعامل معها ، فإن كتاب الطفل لم يتراجع أمام هذا التحدى ، بل أصبحت كتب الأطفال تعتمد هى أيضًا على إعطاء الطفل أدوارًا إيجابية فى التعامل معها ، وذلك لتحقيق التوازن بين علاقة الطفل بالكتاب وعلاقته بشاشة الكمبيوتر .
بل إن الطفل فى حاجة إلى هذا التفاعل وهذه المشاركة ويبحث عنهما [ فهما أهم أسباب إقبال الطفل على اللُّعبة والألعاب ] ، وبالتالى أصبح أهم الأسباب فى إقبال الأطفال على مثل هذه الكتب الموجهة إليهم .
فلم تعد هذه الكُتب تكتفى بما يتلقاه الطفل بحواسه منها ، بل أصبحـت تطلـب منـه القيام بنشاط أو عمل ما ، أو تُلقِى عليه أنواعًا من الأسئلة لكى يبحث عن الإجابة عنها .. أى أن الطفل أصبح يتفاعل مع الكتاب ، ويُضيف إليه بتدخُّل منه ، حتى يكتمل استقباله لما فى الكتاب .
ثم على الطفل أن يقوم بعد ذلك بعمل إيجابى ، مرة أخرى ، ليتأكد من صحة وسلامة إجاباته واستنتاجاته ، وهو ما يساعده على تنمية قدراته على التعلم الذاتى . كما يجعله فى مستقبل حياته، قادرًا على وراغبًا فى البحث عن إجابات لأية أسئلة تواجهه ، عندما يعتاد الرجوع إلى المراجع الرئيسية ، مثل دائرة المعارف والقاموس والمعجم وكتاب الخرائط ( الأطلس ) .
إن التكنولوجيا الجديدة لكُتب صغار الأطفال ، عن طريق " القراءة بالحواس الخمس" ، أصبحت تُقدّم الآن ، بجانب القصص والصور ، كثيرًا من المفاهيم وكُتب المعلومات ، التى تُبْدِع فى تنوّع مُدهش مُختلف الأساليب الجديدة ، لكى تُناسب أطفالاً لا يقرءون الكلمات ، لكن لديهم الاستعـداد العقلى للتعرّف والبحث والمُقارنة والاستنتاج عن طريق الحواس والتفاعل الإيجابى مع الكتاب .  

** تزايَد الاعتماد على " الصورة " فى كتب الأطفال والشباب الصغير ، فتزايد ما هو موجه إليهم من كتب " الرسوم المسلسلة " :
نحن اليوم أمام جيل أو أجيال تَرَبَّت على قصص الرسوم المسلسلة فى مجلات الصغار                                   ( الاستربس / الكومكس ) .
كما أننا نعيش " عصر الصورة " بسبب الانتشار الواسع للوسائل المرئية من تليفزيون وسينما وفيديو ، وبرامج وألعاب الكمبيوتر ، وتزايُد اعتماد الصحافة على الصورة ، فمع كل خبر                      أو مقال توجد صورة أو صور .

* أهم آثار عصر الصورة على أدب الأطفال :
لقد عَوَّدَت الوسائل المرئية عيون الأطفال على مُشاهدة الأشياء ، وليس الاستماع إلى وصف            لها ، لهذا أصبحوا ، فى كتبهم ، فى حاجة إلى صور ورسوم لكل ما يمكن أن تراه  عيونهم ، ولم يعودوا مستعدين " لقراءة وصف " لما يمكن أن يتعرفوا عليه بواسطة حاسة البصر .
-  لذلك حدث انفجار فى زيادة ما يصدر من كتب الرسوم المُسَلْسَلة ( والتى يمكن أن نطلق عليها                  " النصوص التصويرية " ) ، التى يتلازم فيها النص مع رسم لكل فقرة ، ليس لصغار الأطفال ، بل للعمر المتوسط ( 8 - 12 سنة ) ، والشباب الصغير ( من 13 - 18 سنة ) ، والذين أصبحت الصورة تلعب بالنسبة لهم دورًا مُهمًّا فى التشجيع على القراءة والتحمس لها ، وهو ما يقرره عدد كبير من الخبراء فى أنحاء العالم ( كتاب " كتب الأطفال.. دراستها وفهمها "- تأليف " برو جودوين " ، الصادر سنة 2008 ) .
-  بل هناك الآن من يرون أن النصوص التصويرية وسيلة ناجحة لجذب من لا يقرءون كثيرًا . وهناك عدد كبير من المدرسين يدركون أنها تعد من أفضل الأنماط الأدبية وأكثرها تحفيزًا فى مجال تعليم القراءة .  

** أثر السينما وألعاب الفيديو على القراء الصغار :
ومن أهم آثار عصر الصورة أيضًا ، أن أصبحت أفلام السينما من أهم الفنون التى يتعايش معها أطفالنا حاليًّا منذ الطفولة المبكرة ، وذلك قبل أن يجيدوا القراءة بوقت طويل ، وذلك نتيجة اعتياد الأسرة على فتح التليفزيون طوال النهار طالما الكبار داخل المنزل ، دون التنبه إلى أثر ذلك على صغار الأطفال ، أو لعدم إدراك البالغين لوجود مثل هذا الأثر أصلاً .
ونتيجة لذلك تَشَكَّل تذوق الأطفال للعمل الروائى المقروء بالبناء الفنى الذى تحرص عليه أفلام السينما ، وعلى وجه خاص الأفلام الموجهة إلى الأطفال .
- ذلك أنه ، كلما اقترب بناء العمل القصصى أو الروائى وإيقاعه من هذا الذى تَعَوَّد الأطفال على مشاهدته والتفاعل معه ، كان هذا عاملاً مهمًّا فى جذبهم إلى القراءة وتذوقهم لما يقرءون من أعمال روائية أو قصصية . 
* ومن أهم آثار مشاهدة الأطفال لأفلام السينما ، أن عيون الأطفال تعودت أن " ترى " الأشياء: أشكال الملابس ، طُرز العمارة ، مفردات الأثاث ، عناصر البيئة ( صحراء -  بحر -            قرية - مدينة ) ، وتأثيرات المناخ ( سماء صافية / سُحب / أمطار .... ) ، وبالتالى قَلَّ اهتمامهم " بقراءة وصف " لهذا الذى تعوَّدت عيونهم أن تستوعبه جيدًا بغير حاجة إلى كلمات .
* لهذا فإن أدباء الأطفال لم يعودوا فى حاجة إلى " إطالة " الوصف لما يمكن أن تراه العين ، وأصبح عليهم أن يتركوا مُهمة بعض الوصف البصرى لعمل الرسام ، الذى أصبح دوره ضروريًّا ومطلوبًا حتى بالنسبة لكُتب المراهقين والشباب .
* كذلك تـَـعَوَّد الأطفال على الاستماع إلى " الحوار المباشر " ( direct speech ) ، سواء فى الأفلام أو التليفزيون - فلم يعودوا يتقبلون كثيرًا أن نكتفى بأن نسرد لهم مضمون الحوار                              ( indirect speech ) .

ليست هناك تعليقات: