لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الاثنين، 23 مايو، 2016

"ذكر النعامة والغزلان" قصة للأطفال بقلم: طلال حسن



ذكر النعامة والغزلان
بقلم : طلال حسن                                   
"   1   "
ـــــــــــــــ
      أقبلت الغزلان ، عند منتصف النهار ، يتقدمهم الغزال الكبير ، وقد شمخ بقرونه المتشابكة القوية ، وأخذوا يعبون الماء ، بعد أن كانوا قد فرغوا من تناول طعامهم ، من الأعشاب الندية اللذيذة .
وندت حركة ، تكاد لا تسمع ، من بين الأشجار القريبة ، فرفعت الغزلان رؤوسها خائفة ، وتأهبت للفرار ، ورمق الغزال الكبير الغزالة العجوز بنظرة سريعة ، ثم قال : مهلاً، لعلها الريح ، لكن الأفضل أن نمضي من هنا، هيا.
وقبل أن يتحرك الغزال، تطلعت الغزالة إلى الأشجار القريبة ، وقالت: لا داعي للخوف، إنه ذكر النعامة.
وهزّ الغزال رأسه ، ودمدم قائلاً :مرة أخرى ؟
وأطل ذكر النعامة ، من وراء إحدى الأشجار ، وتوقف متردداً ، يقلب النظر بين الغزلان. ونادته الغزالة العجوز بصوت رقيق: تعال اشرب. إذا كنت عطشاناً.
وعلى الفور، تقدم ذكر النعامة ، وأخذ يعب الماء من الغدير ، وقد بدا عليه الارتياح. وحدج الغزال، الغزالة العجوز، بنظرة غاضبة، ثم مضى مبتعداً ، وهو يقول : هيا، لنمضِ ، اتبعوني.
وأسرعت الغزلان في أثره ، عدا الغزالة العجوز، التي بقيت تتململ في مكانها . ورفع ذكر النعامة رأسه، وتطلع إلى الغزلان المبتعدة، ثم قال: لقد ذهبت جماعتك.
وحدقت الغزالة العجوز فيه لحظة، ثم قالت: منذ أيام عديدة ، وأنت تتبعنا .
وتنهد ذكر النعامة ، وقال: لقد رافقت قطيعاً من الحمير الوحشية، فترة طويلة، وقد تركت القطيع، حين رأيتكم.
وصمت لحظة، وقال بنيرة حزينة: إنني وحيد .
ورغم تأثرها ، مضت الغزالة العجوز في اثر الغزلان، وهي تقول: أنت ذكر نعامة ، ونحن غزلان، هذا ما يقوله الغزال.



"   2   "
ــــــــــــ
   أوت الغزلان ، بعد غروب الشمس ، إلى بقعة كثيفة الأشجار. وجثموا قرب الغزال، كأنهم يحتمون به مما يخبئه الليل من مخاطر.
وهدأ الجميع ، وكادوا يغفون ، حين ارتفع من بعيد من بعيد عواء ممطوط بشع: عووووو.
وهموا بالنهوض ، والهرب مولولين : الذئب .. الذئب.. الذئب.
فنهرهم الغزال قائلاً ، دون أن يتحرك من مكانه: كفى ، لننم ، إنه بعيد.
وهدأ الجميع ثانية ، وجثموا في أماكنهم ، وأغمضوا عيونهم ، وسرعان ما استغرقوا في نوم عميق.
وقبيل منتصف الليل، أفاقت الغزالة العجوز ، على حركة بين الأشجار، وعرفت أنه ذكر النعامة ، فنهضت بهدوء من مجثمها، وتسللت نحوه على أطراف أقدامها .
ورغم الظلام ، رآها تقترب منه ، فأسرع إليها ، وقال: عفواً إذا كنت قد أيقظتك .
وصمت لحظة ، ثم قال : لقد سمعت عواء الذئب ، وخشيت أن يهاجمكم ، وأنتم نيام .
فردت الغزالة العجوز : لا عليك ، إنه بعيد جداً .
ثم أشارت له أن يتبعها ، وهي تتقدمه ، أن : تعال .
وسار ذكر النعامة في أثرها ، حتى وصلا بقعة صغيرة معشبة، تحف بها الشجيرات ، فتوقفت الغزالة العجوز ، وقالت : الجميع نيام ، لنجلس هنا .
وجلست الغزالة العجوز على العشب ، وجلس ذكر النعامة إلى جانبها ، وقال : الوقت متأخر ، آمل أن لا أكون قد ضايقتك .
وربتت الغزالة العجوز على كتفه ، وابتسمت قائلة : أبداً ، إنني سعيدة بك ، فقد عشت فترة مثلك .. وحيدة .
وأطرق ذكر النعامة لحظة ، ثم قال : منذ فترة طويلة ، وأنا وحيد ، فقد كنت صغيراً ،حين  فارقت أبويّ وإخوتي ، ويبدو أنني تهت عنهم ، لكن من يدري ، ربما أعثر عليهم يوماً ما .
وابتسمت الغزالة العجوز ، وقالت : أو تعثر على نعامة فتية .. في عمرك .
وتطلع ذكر النعامة إليها ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقالت ، وهي تغالب تثاؤبها : أنت متعب مثل ، لننم الآن .
ووضعت رأسها ، فوق قائمتيها الأماميتين ، وقالت بصوت ناعس : تصبح على خير .
وأغمض ذكر النعامة عينيه ، وقال : تصبحين على خير.
وما إن مرت لحظات ، حتى استغرق ذكر النعامة والغزالة العجوز ، في نوم عميق .



"   3   "
ــــــــــــــ
    أفاق ذكر النعامة ، صباح اليوم التالي ، على الغزال الكبير ، وقد أحاطت به الغزلان ، يصيح بالغزالة العجوز منفعلاُ : الويل لك ، أنت تجلسين هنا مرتاحة ، ونحن نبحث عنك في كل مكان؟هيا ، انهضي .
وهبت الغزالة العجوز واقفة ، وحاولت أن ترد ، لكن ذكر النعامة ، سبقها قائلاً بلهجة اعتذار : إنني آسف ، فالذنب ليس ذنبها ، بل.. .
وقاطعه الغزال بحدة ، دون أن ينظر إليه: اسكت أنت .
وهمّ ذكر النعامة أن يرد على الغزال، لكن الغزالة العجوز، نظرت إليه مترجيه، وقالت: من فضلك ، دعِ الأمر لي.
ولاذ ذكر النعامة بالصمت، مغالباً انفعاله، والتفتت الغزالة العجوز إلى الغزلان ، وقالت : يبدو أنني ،وبدون عمد ، تسببت في إقلاقكم.
وردت غزالة بشيء من الانفعال: وأي إقلاق.
وقالت غزالة أخرى : لقد ظننا أن الذئب قد اختطفك .
فردت الغزالة العجوز قائلة : لست خشفاً ليختطفني الذئب .
وزفر الغزال متضايقاً ، وقال للغزالة ، دون أن ينظر إلى ذكر النعامة : قولي لهذا .. ألا يتبعنا ، فنحن لسنا نعام .
وسار مبتعداً ، وقد شمخ بقرونه المتشابكة القوية . وعلى الفور ، أسرعت الغزلان جميعاً في إثره ، عدا الغزالة العجوز .
والتفت ذكر النعامة إلى الغزالة العجوز ، وقال بصوت حزين : لقد ذهبوا جميعاً ، اذهبي ، اذهبي أنت أيضاً .
وتطلعت الغزالة العجوز إليه بعينين دامعتين ، وقالت : لو كان الأمر بيدي ، لتمسكت بك ، وأبقيتك معنا .
فرد ذكر النعامة قائلاً : هذه عاطفة طيبة ، أشكرك .
واستطردت الغزالة العجوز قائلة : في طفولتي ، رأيت العديد من النعام وطيور الرية ترافق الغزلان لأشهر طويلة من السنة .
وأطرق ذكر النعامة رأسه ، ثم قال : أخشى أن تبتعد الغزلان كثيراً ، اذهبي ، اذهبي إليهم .
وتراجعت الغزالة العجوز ، وقالت بصوت تخنقه الدموع : وداعاً .



" 4 "
ـــــــــــــ
     رفع ذكر النعامة رأسه مستوفزاً ، إذ عصف به عواء ، كأنه هدير عاصفة ، غنحدر إليه من أعلى التلال : عووووو .
وتراءت له الغزلان وبينهم الغزالة العجوز ، وفي نفس الوقت ، ترددت في أعماقه كلمات الغزال : قولي لهذا ألا يتبعنا ، فنحن لسنا نعام .
وعصف به العواء ثانية : عووووو ، فتساقطت كلمات الغزال ، ولم تبق في أعماقه ، سوى الغزلان والغزالة العجوز . وعلى الفور ، وبدون تردد ، انطلق في إثر الغزلان .
ومن حسن حظ الغزلان ، أنه وصل إليهم في الوقت المناسب ، فقد كان الذئب يندفع نحوهم ، وقد كشر عن أنيابه الشبيهة بالخناجر ، فأسرع يتصدى له ، وبقائمتيه القويتين ، المنتهيتين بمخلبين حادين ، رفسه رفسة صاعقة جارحة . وصرخ الذئب ، وتهاوى منسحقاً على الأرض ، وسرعان ما تحامل على نفسه ، ولاذ بالفرار، والدماء تسيل من جراحه .
ووقف الغزال ، تحف به الغزلان ، أمام ذكر النعامة ، وقال بصوت يغرقه الشعور بالذنب : أشكرك ، لولاك لفتك الذئب بالعديد منّا .
وصمت محرجاً ، فذكر النعامة لم يكن يصغي إليه ، وكانت نظراته تحلق مبهورة ، متجاوزة الغزال ، والغزلان ، بل وحتى الغزالة العجوز . وتململ الغزال ، ثم قال متردداً : يمكنك .. إذا شئت .. أن ترافقنا .
واقتربت الغزالة العجوز منه ، وهمست له قائلة : لنذهب ، فلن يرافقنا هذه المرة .
وحدق الغزال فيها متسائلاً ، فأشارت إلى الوراء ، دون أن تتفوه بكلمة . والتفت متطلعاً بعينيه الحائرتين ، وإذا نعامة فتية تقف على البعد ، وعيناها المبهورتان مثبتتان على ذكر النعامة.
فالتفت إلى الغزلان ، ثم تقدمهم هامساً : هيا ، فلنذهب .
وأسرعت الغزلان في إثره ، عدا الغزالة العجوز . ونظر ذكر النعامة إليها ، فابتسمت ، وقالت : هذا المكان محظوظ فسيضج بعد أشهر قليلة ، بوصوصة صغار النعام .
ابتسم ذكر النعامة ، ثم مضى نحو النعامة الفتية ، بعد أن لوّح للغزالة العجوز ، وقال : حسن ، إلى اللقاء .

 النعام والرية طيور لا تطير ، مثلهم في ذلك مثل طيور الامو والشبنم والكيوي والبطريق .

ليست هناك تعليقات: