لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



السبت، 16 مايو، 2015

أغاني الأطفال الشعبية ودلالاتها الاجتماعية بقلم: سمير الفيل

أغاني الأطفال الشعبية ودلالاتها الاجتماعية
بقلم: سمير الفيل

* مدخل:
يغني الأطفال خلال ألعابهم الجماعية ، ويمارسون فعل الغناء في أغلب مناشط الحياة ، وفيما يبدو فإن للأغنية الشعبية وظائف اجتماعيةمحددة ، يمكن أن تكون محور حديثنا في هذا البحث التطبيقي لمجموعة أغنيات جمعناهامن شمال الدلتا ، بالتحديد من محافظة دمياط لأطفال عاشوا في الفترة الزمنية من سنة1950 وحتى سنة 1980 بالتقريب .
أتصور أن في أغنيات الأطفال مساحات لجمالياتمحددة ، حيث يتم بث معنى ما ، أو وجهة نظر ، أو قيمة من تلك التي يحرص الآباءوالأمهات على تسريبها لجماعة الأطفال بشيء من التبسيط والبهجة والفرح.
غير أنه من الطبيعي أن تتجه أغنية الطفل لتلبيةاحتياجاته في اللعب ، مع وجود إيقاع راقص ، أو موسيقى تعمل على سرعة حفظ الكلمات ،وقد نجد في الأغنيات نوعا من التداعي اللفظي أو الصوتي ، كما توجد غرائبية فيتركيب الصورة ، وفي نماذج أخرى قد تقبل الأغنية قماشة السرد بدرجات . وعلينا أننذهب للتحليل دون أن نغلق باب الاجتهاد في ذلك الشأن (1 ).

* غرائبية العلاقات :
يعد يوم شم النسيم في رأيي ، أكبر كرنفال شعبيأقامته الجماعة الشعبية في مصر ، عبر سنوات طويلة ، وفيه يتم زف " الألمبي" ، وهو عبارة عن دمية من القماش ، محشوة بالقش ، يحملها الأطفال على أكتافهم، يدورون بها بين الشوارع والحارات قبل إحراقها بيوم ، والدمية تمثل شخصية مرفوضةأو كريهة لدى الناس. وفعل الحرق هو رمز للمقاومة ، تعالوا نستعرض الأغنية المصاحبةللزفة :
" يا ألمبي / يابن ألمبوحة / مين قالك / تتجوزتوحة /  وامراتك / حلوة وشرشوحة  (2) .
النداء يخص " الألمبي " الذي تزوج "توحة " متجاهلا وجود زوجة أخرى في عصمته. لكن عملية الزفة نفسها تشتمل على" تجريس " الدمية ، وأيا كان موقعها السياسي أو الاجتماعي فهناك فضح فيالعلن . أتصور أن الألمبي الذي كان يحمل وجه خصم سياسي مثل " بن جوريون" أو " موشي ديان " أو " جولدا مائير" أو "شارون" هو الذي يقع عليه فعل التجريس . هي عملية مقصود بها الإذلال والتعريةوالتنزيل من النظر ، لكن الأطفال بحسهم البسيط كانوا يحمِّلون الأغنية بعدااجتماعيا ، بالإشارة إلى تلك الزوجة القابعة في بيتها ، وقد تزوج عليها "الألمبي " امرأة أخرى ، رغم جمال الزوجة الأولى .
وفيما يخص الأغاني التي تستخدم السرد وتوظفه فيمقاطعها يمكننا أن نتوقف مع أغنية أخرى ترتبط بالمدينة " دمياط" ، وفيهاذكر للحدأة التي يراها البعض نذير شؤم . فهي لصيق فكرة الخراب ، ففي نعيقها ترديدلفكرة الموت . وتتسع القماشة لتجمع بين الحزن وبين النقيض رغم أن هناك حالة فقد:
" يا حداية / يا أم دواية / جوزكمات / في دمياط / زغرطوا لها / يا بنات /  بالعصايةوالكرباج "  ( 3) .
الأغنية التي صاحبت طفولتنا بها شق غرائبي يتجلىفي العلاقات الغير طبيعية بين العناصر؛ فهي تبدأ بنداء على الطائر المقيت "الحداية " ، ويقترن بها " الدواية" أي العين المدورة كدليل حسد ،ثم يخبرها الأطفال أن زوجها مات، بالتحديد في مدينة دمياط ، وبدلا من أن يعم الحزنبالبكاء ، يكون رد الفعل عكسيا ، بمطالبة البنات بإطلاق الزغرودة ، ثم يأتي الثأربشيئين متباعدين تماما : العصا والكرباج. وهذا معناه أن رد الفعل هو ضرب مبرح بمايقع في أيدي من يسمع الأغنية من أدوات ، وليكن " بالعصايا والكرباج " .
لا ينفك الطفل ينظر ببراءة لما حوله من مفردات كماسنرى في أغنية أخرى ؛ فيقيم بينها علاقات تدعو للدهشة ، فيمزج بين الجماد "ملاعق السفرة " وبين وجود العسكر في ليل المدن والقرى لحفظ الأمن ، ثم تطل الأم، وهي مرتبطة بكل شيء ممتع ولذيذ " قدحين السكر" ثم يلقي الطفل نظرةعابرة على " الفوطة " والتي يمسح الناس أيديهم فيها بعد غسلها ، وتبرزبنات الناس الطيبات ، وسوقهم رائج فهن " خمسة .. ستة " ، يلعب أولئكالبنات تحت الدكة ، وفيها يرقد شيخ العرب الذي يعتني بها ؛ مسحا وكنسا ، وفي آخرالليل ينام فيها :
" تلات ملاعق ع السفرة / واحدة تزن / وواحدةترن / وواحدة تقول يا عسكر / روح اسكر / هات لامك قدحين سكر / فى فوطة محطوطة / شاشعلى شاش/ يا ماحلا بنات الناس / بنات الناس خمسة ستة / ببلعبوا تحت الدكة / والدكةيا محلاها / شيخ العرب جواها /  يكنسها / يمسحها/ وآخر الليل ينام فيها " (4).
هذه الأغنية بالذات جمعتها من مصدرين. الجزءالثاني من " الدكة يا محلاها " جاءت من سيدة تعيش في دمياط ، وقالت أنهانسيت صدر الأغنية ، فنشرتها على " الفيس بوك" ، وطلبت من المهتمين أوالمهتمات مساعدتي في العثور على البداية . بعد يومين من النشر تكرمت سيدة من قنابإيراد الجزء الأول ومعها الأغنية مكتملة. وهذا معناه أن الأغنية المصرية تتجول فيشتى بقاع مصر فيضيف لها الطفل ما يعن له ، ويسقط ما يراه غريبا بالنسبة له ، وبذلكفكلمات الأغنية عرضة للتغيير الدائم لكن من يضيف إليها ، يلتزم دائما بالقالبالفني وبإيقاع الكلمات.
هذا الموقف ذاته تعرضت له عند جمع أغنية كنتأسمعها كطفل وسقطت من ذاكرتي ولكنني سمعتها غير مكتملة من سيدة دمياطية ، ثم أضاف زميللنا جزء أخير من محفوظاته بالرغم أنه يعيش في القاهرة . سنرى في هذه الأغنيةالتلاعب بالجمل مع وجود منطق سببي يربط الشيء بجذره ، لكنه يأتي في مفصل معين من فضاءالنص كي يتحرر من تلك العلاقة القاسية ، فيمزج خياله بسقف تطلعاته  : " الصراف عايز عصافير ، والعصافيرفي الجنة كتير " . إن الحل يأتي من خارج الواقع رغم أن ثمة سلسلة متماسكة من التداعياتالتي تبدو منطقية ، ونكتشف أن الكبار قد يتدخلون أحيانا لفرض نهايات اخرى كما سنثبتذلك في حينه :
" السلم عند النجار/ والنجارعايز مسمار/ والمسمار عند الحداد / والحداد عايز بيضة / والبيضة عند الفرخة /  والفرخة عايزة قمحة / والقمحة عند التاجر/ والتاجرعايز فلوس / والفلوس عند الصراف / والصراف عايز عصافير/ والعصافير في الجنة كتير"( 5) .
يختتم الطفل أغنيته بوصوله إلى الجنة ، حيث توجدعصافير كثيرة ، طلبها الصراف .  في دمياطالمدينة الحرفية الحريصة على قيمة العمل ، والتي لا تضيع حقوق الأسطوات  فيها بسهولة  ، لها رأي آخر ، نثبته هنا :
" القمحة عند التاجر / والتاجر عايز حنة / والحنةحنة جاوى / يارب تعمى عينيهم / اللى ما يجيبوا الفلوس اللى عليهم"  (6) .
البيت الأخير مكسور ، وهذا يشير إلى أن النهايةدخيلة ، وغالبا همس بها " معلم " أو " صاحب مصلحة " ، فهوتدخل قسري من عقل ينظر لمصلحته ونقوده حتى لا تضيع ، فيوجه الصغار ليدعو على مناقترض مالا ولم يرده . هذا الدعاء يردنا لحالة الفقر والمسغبة التي عاشها الحرفيونطوال سنوات الخمسينيات حتى النصف الأول من ستينيات القرن الماضي ؛ فقد كان مستوىالمعيشة مترديا ، وبنفسي رأيت قطاعات واسعة من الناس تمضي إلى أعمالها حفاة الأقدام، ولم يتحسن الحال إلا في النصف الثاني من الستينيات بعد بناء أكثر من ألف مصنع فيشتى بقاع المحروسة ، وغيرها من إصلاحات واسعة حسنت حال العامل الحرفي والفلاح علىحد سواء .

* الاشتباك مع الطبيعة :
عدد كبير من الأغنيات المرتبطة بالطفولة تشتبكمع مظاهر الطبيعة كالمطر والرياح والهواء ، وفيها تحضر صورة الجدة كحافظة ومنطقةأمان للأطفال ، وتتميز الأغنيات بقصرها وبكونها تعبر عن احتياج ملح للأمن في كتفالاسرة : الجدة والأم ، كما أن هناك مجموعة أغنيات تخص بيئة الساحل بما فيها منمراكب وبحر وأصداف ورمال ولجة زرقاء ، وغيرها من عناصر تضفي على التركيبة اللفظيةشيئا من الخصوصية:
" الدنيا بتشتي / وهاروح لستي / تعمل ليفطيرة / تحت الحصيرة / آخدها وأجري / أكلها وانام / ويا الحمام "
تمطر السماء ، وهنا ينبغي العودة للبيت ، ويكوناللجوء للجدة التي تسارع بعمل " فطيرة" وخوفا من أن يترصدها غريب فسوفتخبيء " نينة " أو الجدة فطيرتها تحت الحصيرة. والحصيرة تصنع من نبات البرديالذي يجتلب من ناحية البحيرة.
لكن المطر ـ خاصة عندما يأتي غزيرا ـ مظهر منمظاهر الفرحة ، لأنه يغير شكل الحياة ، لذا ارتبطت الأغنية بإيقاع سريع يعبر عنالفرحة وروح البهجة :
" علي يا أبو مخ / خلي الدنيا ترخ / علي ياأبومركب / خلى الدنيا تكركب ".
تم اختيار اسم " علي " وقد وجدناه فيأغنيات أخرى ، ربما لخفة النطق به ، ويسند إليه عملية إسقاط المطر لكونه يحمل عقلا" مخ" ، ثم يدعونه بصاحب المركب ، وعندما تحتك السحب ـ حسب ظنهم ـ فسيستمعونلصوت " الكركبة" التي يتبعها بريق ووميض هائل . وهو نشيد أقرب للابتهال، وبالتأكيد هناك تصور ما بوجود " علي "  بين السحب أو في السماء البعيدة.
وفي مثل تلك الجلسات الحميمة ترقبا للمطر ، يمددالأطفال أقدامهم في وضع الجلوس ، وتكون تلك الأغنية المرحة ، التي تلعبها الأمأحيانا مع أطفالها ، بحب وفرحة غامرة :
" فول فول / يا سوداني / ياللي مقلي / ع الصواني/ حتة بنتش / م اللي ينتش / حتة لحمة /  م الحتةدي ".
الفول السوداني ساخن ، فهو يحمص داخل الصواني ،ثم تمتد يد ماهرة كي تخطف " تنتش " حتة من لحم الطفل ؛ كأنها قطة شقيةومحبوبة . هي عملية توقع لخطف جزء من جسد الطفل ، الذي يداري المكان الذي يتوقع أنتتم منه عملية الخطف" حتة بنتش" أي جزء من اللحم" ذراع ، فم ، أذن، ساق، وهكذا " . هذه لعبة تصاحبها الأغنية أو أغنية تتبعها لعبة ، كحال عددكبير من الأغنيات الشعبية التي جمعناها ميدانيا .
وقريب منها لعبة للأطفال تحت سن الخامسة ، عن" البيضة " والغناء هذه المرة للأم التي تعلم الطفل أو الطفلة خطواتتجهيز البيضة للأكل:
" آدي البيضة / وآدي اللي سلقها / وآدياللي قشرها / وآدي اللي حمرها / وآدي اللي أكلها /  تاخد السكينة ، ولا المقص ؟ " .
يفرد الطفل أصابعه مع العد ، وبعد مرور خمسخطوات يكون السؤال الحاسم : السكينة ولاّ المقَص ؟
فإن قال الطفل : المقص . كان رد الأم   :   قص .. قص.. قص.
وإن وقع الاختيار على السكين ، كان الرد سريعا : سك . سك .. سك .
في كل الأحوال تمتد يد الأم أو الجدة ، الخالة أوالعمة  ل" زغزغة " الجسد الصغير،خاصة تحت إبطه ، والطفل  لا يملك سوى الضحكأو الكركرة ، فتكون في اللعبة عملية كشف وفكاهة وشيء من المرح المشترك .

* القطار ونداءاته:
يشغل القطار مساحة واسعة في وجدان الطفل المصريخلال سنوات الطفولة ، فهو وسيلة السفر الأساسية ، وصفارته تخترق الصمت ، وتجعلالتواصل مع الأحبة ممكنا ، لذلك يحضر كمفردة في أغنيات كثيرة يغنيها الطفل ،وكالعادة فإن الأغنية التي نقدمها هنا تتشكل في نسق سردي واضح :
"  كان فيه واحدة ست / عندها 12 بنت / في يوم قالوالها : يا ماما / ناكل توت يا ماما / جابت لهم " توتة " / والوابور بيقول: " توت" / وتوتة .. توتة .. توتة .. / فرغت الحدوتة " .
الحكاية دائرية ، فالمشهد يبدأ بوجود أم لديها12 بنتا ، يطلبون من أمهم أن تحضر لهم ثمار " التوت" اللذيذ ، فتحققالأم رغبتهم ؛ فيسعدون بذلك ، ويبتهجون ، مقلدين صفارة القطار" توت..توت" وبذلك يتقاطع بشكل ما ،  "التوت"  كثمرة لذيذة مع صوت القطار " توت" .يحدثهذا عبر إيقاع راقص .
يشغل " الوابور" مساحة أخرى ، فيأغنية مختلفة عبر حركة دائرية ، حيث يمسك كل طفل سترة الطفل الذي أمامه ليعمالغناء :  
 " ياوابور يا مولّع / حط الفحم / وأنا اقول لك ولّع /  حط الفحم " .
كانت القطارات القديمة تعمل بالفحم ، ويحاولالأطفال استخدام تلك المعلومة لتقليد حركة القطار في لعبة تمثيلية يصاحبها الغناء. وقد أدخل الأطفال " البسكليتة " أي الدراجة الهوائية أيضا في ألعابهمخاصة عندما يغنونها في توقيت عودة الأب من عمله. أغلب آباء أطفال مدينة دمياطكانوا يعملون بحرفة النجارة والحرف التابعة لها ، لذا كانت عودتهم ساعة المغرب ،في السادسة مساء تقريبا ، لذا انتشرت هذه الأغنية :
" بابا جاي أمتى ؟ / جاي الساعة ستة / راكبولا ماشي ؟ / راكب بسكليته / سمرا ولا بيضا ؟ / بيضا زي القشطة / وسعوا له السكة /واضربوا له سلام / العساكر ورا /  والضباطقدام ".
يبدو من لغة الأغنية أن مبدعها من المدينة فهوينطق " بابا " بدلا من " أبويا" ، والأب يعود للبيت راكبادراجته الهوائية ، ويضفي خيال الطفل لونا مميزا للدراجة فإذا بها بيضاء أي بلون" القشطة" ، واللون هنا يقترن بالسعادة ، فخيال الطفل أضفى على الدراجةهذا اللون الذي لا نجده في الواقع ، لأنه يراه وقتا مشحونا بالسعادة حيث رجوع الأببحنانه وهدياه ودفئه ، ويكون من واجب الطفل تأدية التحية للأب الراجع وهو ما يستدعيمنظر العساكر في مشيهم يتقدمهم الضباط. أي أننا إزاء تشريقة يحتل فيها الطفل بؤرةالمشهد ويتذيل العساكر والضباط الصورة فهم قد أتوا لتأدية التحية.
* مشاغبات مبكرة :
من الممكن أن نتعرف من خلال أغنيات الطفولة علىنمط شائع من المشاغبات اللطيفة التي تميز الصبية في تلك السن المبكرة ، حيث يلعبونويغنون ويرقصون أحيانا ، ويلقون ما يشبه " النكتة "  في صرة فنية واحدة . ربما كانت بعض الكلماتخادشة للحياء ، لكنها تسير في تيار أساسي للسياق الجمالي ، مع استثمار المفارقة ،فيبرزها الطفل عبر أبيات قصيرة ، مليئة بالمواقف الغريبة ، حيث يسود شيء من الخيالالجامح ، نجد انعكاسه في مثل هذا المقطع:
" شد ، وأنا أشد / تحت العمة قرد " .
فالعمة ـ أي العمامة ـ في تراثنا الشعبي ، يرتديهارجال الدين الإسلامي ، ولهم تقدير ومهابة ، لكن المقصود هنا طائفة ممن كانوايتعيشون على ترتيل القرآن الكريم في المناسبات المختلفة كالعزاء أو الفرح أو ختانالذكور.
من ذلك أغنية كانت شائعة في طفولتنا ـ ربما نبدلكلمة او أكثر لنخرج من حرج الكلمات المكشوفة، وسنتأكد من خفة ظل الأطفال وهم يغنونهابأعلى أصواتهم حين يقدم عليهم ريفيا ممن يقضون حوائجهم بزيارة المدينة :
" الله حي / " سعد" جي / ضرب البمبة/  في " رجل " العمدة / وهو جي" .
" سعد" هو الزعيم الوطني سعد زغلولالذي كان رمزا للوطنية المصرية خلال ثورة 1919 ، وسنجد له ذكر في أكثر من موقع ،كما سنجد ذكر ل" ستنا صفية" وهي صفية زعلول. ، عبر أغنيات تتسم بالعنفوانالوطني:
" احنا اولاد الكشافة  / أبونا سعد باشا / وأمنا ست صفية  / تحيا الأمة العربية  / يا مركب ياللي جاية / أنت نار ولا ماية ؟ /أنا الست المخطوفة / شعري ضاني ضاني / لفيته على حصاني " .
لقد وضع الصغار الزعيم الوطني في مقام الأبوجعلوا من " صفية زغلول" أمهم المحببة لقلوبهم   . قد يبلغ منك العجب منتهاه ، والأولاديتصرفون في ثقل كلمة " صفية " فيحولونها بلعبة لفظية إلى "صفصف" وهو تصغير عجيب ومدهش.
وقد لاحظت في أغاني الأطفال بروز اسم" علي" كاسم ظاهر في مجال الحديث عن موقف فكاهي ، أو استدعاء لشتيمة شخص غائب . سيكونهو " علي " الذي تلتصق به " التسمية":
"  علي يا علي / يا بتاع الزيت / " وشك"يا علي /  ملزوق ع الحيط " .
 وهيمسألة معايرة ، ويحضر " علي " أكثر من مرة مجهلا أو معرفا ، وتكونالسخرية منه علنية أو مستترة :
" علي عليوة / ياللي .. / ضرب الزميرة / ياللي.. / ضربها حربي / ياللي../ نطت في قلبي / ياللي .. " .
تأخذ الأغنية في أحيان كثيرة شكل الحدوتة التيتسلم فيها كل" شطرة" للشطرة التالية ، دون أي ترابط في الموضوع ، فهناكغرائبية في تشكيل المشهد ، كأنها " بنورة " سحرية تظهر مشاهد متناثرة ،قد تم استحضارها على عجل. قالت لي الدكتورة " هبة السركي " أن أصل هذهالأغنية ، أن جدا لها كان من أوائل من أدخلوا الطب إلى مصر، هو السركي باشا ، وقدكان طبيبا حاذقا ( 7) . لكن دعونا نتأمل الأغنية ثم نحللها بشيء من التفصيل:
" واحد اتنين .. سرجي مرجي / أنت حكيم ولاتمرجي؟ / أنا حكيم الصحية / العيان أدي له حقنة / والمسكين أدي له لقمة / نفسي أزورك يا نبي / يا للي بلادك بعيدة / فيهاأحمد وحميدة / وحميدة ولدت ولد / سميته عبدالصمد /  مشيته ع المشاية / خطفت راسه الحداية " .
تبدأ المسألة بالعد : 1 ، 2 .. وهي حيلة فنية كيلا يتم اقتحام الموضوع من خارجه ، إن المخيال الشعبي يبدأ بالعد لاستثارة الذهن.ثم يكون استدعاء " السرجي" الذي هو " الحكيم" وهو الاسمالشعبي للطبيب. يتحدث عن مهمته: فهو يعطي المريض حقنة ليشفى ، أما الجائع فله لقمةكي يشبع. يحدث الالتفاف بعد ذلك لذكر النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم . كان الخلقيركبون الجمال ويذهبون للحج في البلاد البعيدة " الحجاز" ـ ومن الزيارةيتم ذكر" أحمد" و" حميدة" . الأخيرة تنجب ولدا ، تطلق عليهاسم " عبدالصمد" ، تعلمه المشي وفجأة تخطف رأسه " الحداية "أي " الحدأة" التي رأيناها تحوم في أغنيات سابقة ، هي إذن رمز الشر كماأن " زيارة النبي" دلالة خير ، وهكذا تبرز في تلك الاغنيات شيء منالثنائيات الضدية ، وسنلاحظ كذلك فكرة اللعب الفني والانتقال بين أنساق معرفيةمختلفة : من العد بالأرقام ، مرورا بالحكيم " السركي " ، ثم تمني زيارةالنبي ، بعدها " حميدة" التي انجبت ولدا ، تسميه " عبدالصمد" ،ما تلبث الحدأة ـ الطائر الرهيب ـ أن يخطف الرأس ، وفي الحياة مثل هذه الفواجع ، وأكثر.

* جدل الحياة ، ألعاب وأغنيات :
اعتمدت أغنيات الأطفال على وجود ألعاب مكملةللكلمات ، بحيث يصعب الفصل بين اللعبة والأغنية ، وهذه من خصائص الأغنية الشعبية التيتؤدى غالبا في إطار جماعي ، وضمن منظومة لعب تعتمد الحركة وسرعة التصرف ، منهاأغنية تقدم عبر لعبة هي " ركبت خيولها" ، حيث ينقسم الأطفال لفريقالخيول وفريق الفرسان ، وكل يأتي دوره ليركب :
" ركبت خيولها؟ /  ـ ركبناها / عديتوا طيورها ؟ / ـ عديناها / كامطير؟ "
ينطق الفريق أ. العدد فإذا أخطأ حل مكان الخيولوهكذا.. وأغنية أخرى اقترنت بلعبة أشبه بشد الحبل بين فريقين:
" جمال .. يا جمال../  سرقونا الجِمال / والسيف تحت راسي/  ما اسمعشي الكلام "
ومن أجمل أغاني تلك المرحلة ، أغنية "الغول" وفيها صوت فردي ، وصوت جماعي ، وتغنى بأصوات مستعارة خاصة ما ينطق به" الغول" عبر مشهد تمثيلي في الغالب :
" يالله نلعب في الجنينة / قبل الغول ماييجي علينا / ـ غول .. غول../ ـ عايز أيه ؟ / ـ عايز أكلكم /  ـ اتفضل كلنا" .
يسارع " الغول" بإمساك أقرب طفل إليه  ، فإن نجح حل الممسوك محله ، وهكذا. تعتمد تلكاللعبة على خفة الحركة والجري بسرعة ، والمرونة ، كما أن الأطفال يغنون الكلماتبلحن مفرح ، لا يبدو فيه أثرا للخوف من" الغول".
أحيانا يقع الأطفال على مادة للسخرية من تكرارالكلام الموزون بلا فائدة. والأغنية التي سنذكرها حالا هي أقرب للعبث من أي شيءآخر وقد سمعتها في طفولتي من جماعة الأطفال وهم يلعبون بحركات تمثيلية ، وتتكررالثيمة بلا توقف:
" كان فيه واحد سقا / على عينه وردة زرقة /يشيلها ويحطها / أقولها من أولها ؟ ".
فإذا قال له زميله : قولها من أولها؟ .. تتكررالأغنية وهكذا. و لأن دمياط بلدة ساحلية فقد كان يكثر فيها القواقع والأصداف البحرية، ومنها " أم الخلول" وهي صدفة مغلقة، لكن القوقعة التي كان يلعب بها مننوع آخر يخرج جسدها الأحمر من الجزء الصلب:
"  يا أم الخلول .. أطلعي اطلعي / وأنا اجيب لكقدحين فول ".
هذه المناشدة تحاول مخاطبة الحيوان للخروج منالجسم الصلب ، وهذا يذكرنا بإطلاق الأطفال صفارات عالية لكي يكركر الديك الرومي.وكانت هناك نداءات ترتبط بإذكاء حماس الفرق المتبارية ، ومن أشهرها :
"  يا محني ديل العصفورة../ فرقتنا هي المنصورة" .
أما في إجراء القرعة فكانت هناك مقاطع مرحةتستخدم في الاختيار ، ومنها:
" حادي .. بادي / سيدي محمد البغدادي / شالوامن دي ../ وحطوا على دي "
تنتقل الأكف بسرعة بين كومين أو موقعين أو طرفينمن أطراف الملعب. وأحيانا يكون النداء كالتالي :
" حادي .. بادي /  كرنب .. زبادي / شالوا من ده /  وحطوا على آدي "
وأعتقد أن أشهر لعبة اقترنت بالأغنية الشعبية هيالتي يكون فيها الاطفال دائرة ، وجوههم بالداخل ، ويجري طفل خارج الدائرة ، ويضعمنديل مربوط خلف أحد الجالسين الذي عليه أن يلحق به ، ويمسه بطرف المنديل أو" يعجه" في ظهره بقبضة يده . ويغني الأطفال خلال اللعبة ، ذلك المقطع :
" التعلب فات فات.. / وف ديله سبع لفات".
على أن أغاني الأطفال لم تقتصر على تلك المرتبطةباللعب أو بسقوط المطر أو بالمشاركة في نشاط حرفي أو حقلي ، ففي عيد الأضحى كانالجزارون يزوقون الجاموسة أو البقرة بالزهور وأفرع الشجر ، فتكون الأغنية التالية:
ـ " م العال../ يالله السلامة / والقطة /خطفت سمانة " .
نعود لغرائبية المشهد ، فنرى الأطفال يسوقون" الجاموسة " للذبح ، وفي نفس اللحظة يقرنون ذلك بخطف القطة لسمانة شاردة، وهي من الطيور المهاجرة التي تمتليء بها شطوط البحر وسواحل البحيرة ، مثلها مثلالشرشير والبلبول والغر والخضير ، وكان البيع وقتذاك يتم ب" التورة " ،وهي  عبارة عن أربع " أفراد".
وفي عيد الأضحى يتقدم " الخروف "ليحتل صدارة المشهد فهو أضحية مباركة ، وعلى هدي وجوده بالسطح أو البدروم يلعبالاطفال ويغنون :
" سلطح .. ملطح / جالك ينطح / تدي له أيه؟/ تدي له بوكس.. / يسد عينيه " ( 8).
في ليالي رمضان يمسك الأطفال فوانيس مصنوعة منالصفيح والزجاج الملون بداخلها شمعة موقدة ، ترتفع الأصوات بأغنية تتكرر على مرالعصور :
 " حلويا حلو../ رمضان كريم يا حلو../ فك الكيس ../ وادينا بقشيش .. /  رمضان كريم يا حلو "
وفي شم النسيم ، يركب الأطفال فوق عربة يجرهاحمار أو جحش صغير ، الرحلة من أرض المولد وحتى الكوبري المعدني . يهدد الأطفالصاحب العربة الكارو حتى لا يستغفلهم ويختصر المسافة :
" ـ منين .. لفين؟ / ـ للكوبري. / ـ ياعربجي ../ ـ يا حرامي الميلم " .
كان " المليم" وقتها ـ أقصد فيالخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ـ وحدة شرائية معتمدة ، وكان لابد منالوصول إلى الكوبري ، ثم تستدير العربات عائدة لأرض المولد لنقل دفعة جديدة من الأطفالالمشتاقين لركوبة فخمة يجرها حمار مسكين .

* الدنيا عيد:
ثمة صياغات مختلفة لتعبير الأطفال عن فرحتهمبالعيد ، وهو ما يتجسد في اختيار الكلمات المشحونة بالفرح والأمل في أن يطل يوم سعيد، فيه كل ما حلموا به من ملابس جديدة ، وعيديات ، وفسح في الزوارق وركوب الأراجيح ،والذهاب أحيانا إلى شاطيء البحر . وهو ما يتبدى في أغنيات ذات طبيعة فرحة ومقتصدةغير أنها تكشف عن سعادة بالغة ، يشعر بها الطفل الصغير:
 " يابرتقان أحمر ، وجديد /  بكرة الوقفة ، وبعدهالعيد ..".
أتصور أنها صورة بالألوان حيث يتلون البرتقالبلون أحمر كأنه الفرحة في خدود البنات ، وتكون الوقفة بانتظار العيد الذي يحمل فيهالأقارب الهدايا للصغار. ويتم استحضار اسم شائع للاتكاء عليه كي يوجه الخطاب لفردبعينه ، لكن المقصود بالتأكيد ، الجماعة كلها :
" بكرة العيد .. ونعيّد../ وهندبح الشيخسيد .. /  بكرة العيد يا موسى../ وهندبحالجاموسة " .
وفي ذات العيد يتم السخرية ممن تلطخ وجههابالأصباغ كي تصبح حلوة :
" طمبل .. طمبل .. مزيكا / وش "ماريكا " أنتيكة ".
هو إذن العيد الكبير ، وفيه يخترع الأطفال ألعابمتنوعة ، ويظل الأطفال بوجوههم المألوفة وإلا أصبحوا مثالا للسخرية.
ليست " ماريكا" وحدها من يتم السخريةمنه ، فلدى البنات القدرة على تغيير الأسماء . لا مجال للحزن في الأعياد ولا فيغيرها. فالطفولة صفاء وكثيرا ما تغني البنات تلك الأغنية الحوارية:
" مالك يا ليلى / زعلانة ليه ؟ / ـ عروستيضاعت  / بقى لها يومين/ ـ اسمها أيه؟ / ـقمر الدين./ ـ اختاري واحدة .. م الواقفين " .
فتنطلق البنت التي فقدت العروسة للإمساك بطفلةمن صديقاتها وتستمر اللعبة . تتفنن البنات في تقليد حركات الممثلين أو الممثلات في" شكل " معين مع تلك الأغنية التي تحاول فيها كل طفلة رسم شخصية ما ،بالإيماء أو التعبير بالوجه ،  مع وضعالجسد في حالة ثبات ، ليتم اختيار أجمل تمثال :
" أجمل تماثيل اسكندرية../ يا بنات الشهابية../ستوديو مصر../ والتماثيل ما بتتحركش ".  
" الشهابية " حي من أحياء دمياطالقديمة ، وللأغنية أكثر من صيغة لكنها تعتمد على تشكيل حركة ما ، وتثبيتها كأنالطفلة " تمثالا".
في عيد الأضحى يذهب الحجاج لقضاء فريضة الحج ،وتكون فرصة كي تغني الأم لطفلها هذه الأغنية ، وهي مستلقية على ظهرها وطفلها فوقمشطي قدميها ، وهي تعني بفرح جلبا للبركة ، وساقاها يتحركان باهتزازة قوية :
" حج حجيج /  بيت الله / الكعبة / ورسول الله " 0 (9).
كما تلعب البنات لعبة ، تكون فيها طفلة داخلالحلقة وهن يغلقن أمامها كل منفذ للخروج حتى يتم الإيقاع بواحدة غيرها :
"  أفتحوا له الباب ده؟ / ـ لأ. الجاموسة والدة" .
أما الصبيان فهم حين يقسمون فريقين للعب الكرة ،وقد مرت الكرة بمراحل منها: الطُزة ، الكرة المخيشة ، الكرة شراب ، الكرة الجلة ، الكرةالكفر.. يتم مد الأيدي كل ثلاثة للاختيار وقلب اليد لظهر او لبطن:
"  كلوا بامية../ القطة العامية / السيسي بيسي / يالابسة قميصي" .
من الوهلة الأولى لا توجد علاقات منطقية بين" أكل البامية" و" القطة العامية" لكن الأطفال يتفاعلون معالجمل بأريحية باعتبار إنهم داخل لعبة، والأغنية تساهم في إجراء قرعة مقبولة ، ولايمكن إيجاد صلة بين" السيسي " الذي هو حصان صغير ، وبين" لبستقميصي" . لكننا اجتماعيا وخلال تلك الفترة من الطفولة نشير إلى أن مستوىمعيشة أغلب الأسر كان بسيطا جدا. وكان الأب يشتري للابن قميصا واحد ا وبنطلوناواحدا ،  مع بدء الدراسة  أما الحقيبة الجلدية ـ لو تيسر شراؤها ـ فربما يستمراستخدامها لعامين.
وقد دخلت سنوات الدراسة الابتدائية في صلب الأغنيةالشعبية التي يستخدمها الطفل ، فنسمع مثلا:
 " سنةأولى .. / ياكل فولة / ويتحلى بالزغلولة / سنة تانية / ياكل بامية../ يتحلا بالقطةالعامية " .
مرة أخرى تحضر" القطة العامية " لتحتلشيئا من المتن ، وتفسيري للعبارة ، أن أغلب البيوت القديمة التي عشنا فيها كان لها" مساقط" تعيش فيها القطط ، وتضع القطة صغارها ، فيبدون مغمضي الأعين .ووجود القطة بصغارها ، فيه شيء من الرحمة والشفقة عكس " الحدأة " التيتسيطر على الفضاء الشرير لمخيلة الطفل ، يتلوها القرد :
 " حديا حد../  يا راس القرد../ أنت ولد ولابنت؟! / أنت ولد زي القرد " .
وفي كل لعبة يصبح هناك مجالا للعد ، والسخرية من" الفشار" وهو نموذج للطفل الذي يصطنع أحداثا وهمية فيكون عقابه هوالتجريس:
" عشرة عشرين/ تلاتين أربعين / خمسين ستين/سبعين تمانين / تسعين مية / نط علينا الحرامية / يا فشار يا فشار / إدبح قطة وعلقفار / واستنى على باب الدار/ بالسكينة والمنشار " (10 ).

* ألعاب الاختفاء :
 فيالمرحلة المبكرة تتعدد ألعاب الاختفاء ، حيث يتم أحيانا عصب عيني طفل من المشاركينفي اللعبة ، ويختفي الأطفال ويفك الرباط بعد كلمة " خلاويص" التي هيتعديل غريب لكلمة " خلاص " أو " انتهى" لتبدأ رحلة البحث  عن المختفين ، لكنهم يهربون ، ويتوجهون باحتراسنحو " الأمة " ، وفي يقيني أنها لعبة مصنوعة بمهارة لتحقق للطفل متعةالكشف عن أشياء عبر محاولة اكتشاف مكان زميله. وتكون هناك " أمة" أيمنطقة إذا لمسها المتسابق لا يصح الإمساك به، ويصاحب تلك اللعبة أغنيات من بينها:
"  زغروغان.. زغروغان../ كل حي في مكان ".
وأحيانا يكون الغناء على هذه الصورة ، المعبرةعن الدقة في اختيار رمز " العصفور" الذي يختفي وراء القش في عش مكين:
" بين العش وبين الطار../ خبي ديلك ياعصفور..".
فإذا أمطرت السماء عاد الاطفال لاستدعاء أغنيةمن مخزونهم النغمي:
"  يا مطرة رخي رخي../ على قرعة بنت أختي../ بنتاختي عايزة تفرح../ والفرحة طايرة بعيدة " .
وأحيانا تختلف الأبيات التالية للمقدمة لتأخذمنحى آخر :
" بنت اختي قرعة قرعة../ خدها الديب وراحيرعى../ وداها عند الترعة " .
سقوط المطر دليل بهجة دائما ، لأن الطبيعة تغيرشكلها المعتاد ويمكن مد اليد وتلمس القطرات ، وأحيانا يغافل الصغار أمهاتهم ، فيخرجونللوقوف قليلا تحت المطر . تكاد تكون هذه من الأشياء المبكرة التي تعرف الطفل بسقوطمطر من السماء فإذا صاحب ذلك الرعد والبرق اكتملت الصورة ووثقت "المعرفة" .
تأخذ الأغنية أحيانا شكل الحوار المفتوح ، ففيأغنية " بريللا.. بريللا " ، توجد طفلة ، وأصحابها يريدون إرضائها بجلبكل ما تريد حتى ترضى ، لكنها تظل ترفض الهدية المقدمة إليها ، وبعد طول إلحاح تهزرأسها راضية ويحل غيرها محلها:
" بريللا .. بريللا . بريلللا../ ـ عاوزينمين؟ /ـ عاوزين " فلانة"../ ـ تجيبوا لها أيه؟ / ـ نجيب لها شنطة../ ـما تكفيهاشي. /  ـ طب السوق ماشي ". .
ولاشك أن " الجملة  الافتتاحية " تحمل موسيقى خفيفة ، شيقة ،فيمكن البناء عليها ، مع تحريك الأيدي لإحضار الطلبات من السوق.
ولما كان اسم " محمد" هو الاسم الاكثرشيوعا في أغلب المدن المصرية فقد تفتق ذهن الاطفال على تديليه :
 " حمادة..حمادة../ يا سكر زيادة..".
وفي الأسواق الشعبية ينادي البائع دائما على" ملابس حمادة " فكل ولد هو " حمادة " حتى يثبت العكس. كما أن" مصطفى " منتشر كثيرا في مدينة دمياط:
 " ياولد يا صاصا../ هنجيب لك مصاصة ".
أغنيات مرحة ، مشرقة ، فيها قدر من التفاؤل ، غيرأننا رصدنا عدة أغنيات تخدش الحياء ، وبها ألفاظ خارجة ، كان أبناء جيلنا يغنونهافي تجمعاتهم الخاصة ، ولن يكون من المفيد نشرها هنا  ، رغم أن تلك الأغنيات غنية جدا بالموسيقى ، وتظلفي الوجدان لطرافتها ولأسلوب التداعي اللفظي بين الأشياء المتباعدة كما هو شأنالأغنية الشعبية التي ينشدها الطفل.
يلعب الأطفال في مكانين أساسيين : الحديقةوشاطيء البحر ، ولتنبيه الحواس تبدأ الأغنية برنة الإبرة على البلاطة ثم يبدأاللعب:
" إبرة الخياطة / وقعت ع البلاطة / راحةفين يا سوسو ؟ / راحة الجنينة / تعملي أيه يا سوسو ؟  ألعب الكوتشينة / عسكر فوق وعسكر تحت/ يخرب بيتبتاع الكحك ".
لو أردت أن تقيم علاقة بين لعب " سوسو" في الحديقة ورؤية العساكر فوق وتحت ، وبين الدعوة لخراب بيت " بتاعالكحك" لوجدت صعوبة شديدة ، لكن الخط النغمي للأغنية ، ورغبة الأطفال  في عقد صلات ليست موجودة أصلا في الواقع ، تدفعهملتطويع الألفاظ لصنع دهشة ، تبدو ناجمة عن عبث أو فوضى في العلاقات .
هذا الحس الساخر يتكرر في أغنيات أخرى ، ولكن الأطفاليستخدمون أسماء حقيقية من المدينة أو القرية ، كما في تلك الأغنية التي جمعت منمدينة الزرقا :
" يا أبوالسعود / وقع كتاكيتك / ليموتوا /ولا حد يغيتك " ( 11).
بوقوع الكتاكيت يفقد الرجل رأس ماله ، لذافصيحات الأطفال بالرغم من أنها تحذيرية إلا أنها تحمل نبوءة بموت الكتاكيت ، وقدعاصرنا تلك الأزمنة حيث كانت " الشوطة " تفتك بالدواجن في غياب رعايةبيطرية قائمة على العلم .
الاستعانة بأسماء أشخاص من رقعة جغرافية محددةتتكرر في الأغاني القادمة من عمق الريف المصري ، وهنا نعود لوحدة العملة التيتناسب الأطفال وقتها ، وهي " المليم " ، ويبدو أن  المليم كان حافظا لمركزه بدليل أنه يشتري" حلوى" من عدة دكاكين ، وليس من دكان واحد :
" يا أبا غازي / هات مليم / أجيب به حلاوة/ من الدكاكين " (12).
وقد تبلغ الأغنية درجة من الفكاهة المرحة بألفاظصريحة لكنها تدعو للاستغراب ، من وضوحها وغموضها في آن:
" هزيها.. هزيها / يا صفيحة الجاز / ياتخينة / ولا لكش بزاز " (13) .

* أدوات في فضاء الأغنية:
لقد  استخدمت أدوات المنزل في الأغنيات ، ومنها :المقص ، السكين ، الإبرة ، المقشة ،  أماالطيور والحيوانات فلها الغلبة حيث يوجد العصفور والحدأة والقط والكلب والمعزة ،والقرد ، أما الكائنات الخرافية فهي موجودة بمقدار: الغول ، الجارية ، العفريت.وقد لاحظنا أن استدعاء هذه المفردات يأتي من منطلق توظيف " الصوتيات "  لكي يحدث انسجام نغمي. فمثلا قد يحضر "العنكبوت:
"  عم عنكب.. / شد واركب " .
وقد يحضر " المقص" وكان هو والسكينطرفا رهان. كانت المرأة الحامل يجرى لها اختبار ، فتخرج من الحجرة ، ويتم وضع سكينتحت وسادة على الأرض ، ومقص تحت وسادة أخرى ، وتتخير المرأة إحدى الوسادتين لتجلسفوقها ، فإن جلست على المقص فالتوقع هو أن الجنين ذكر ، وإن جلست على السكينفالجنين أنثى . هذا بالطبع قبل اختراع " السونار " ، وقد تبددت تلكالظواهر مع تقدم العلم . لكن بقيت بعض الأغنيات البسيطة ، الموحية بذلك المعنى :
" هنا مقص وهنا مقص../ وهنا عرايس بتترص../والعرسان ما بتترصش / هنا الدح الدح / وهنا الكخ الكخ " (14) .
وقد استخدم الكاتب صلاح عبد السيد تلك الجملةعنوانا لنص مسرحي من بواكير أعماله في مجال المسرح .ويبدو أن عناصر الطبيعة الرقيقةمثل " الزهور " مثلا ، كانت مجالا لأغنيات البنات أما العناصر الأكثرخشونة فكانت من نصيب الأولاد. تغني البنات :
 " فتحييا وردة../ قفلي يا وردة../ هنا وردة../ وهنا وردة../ هنا فيونكة../ وهنا فيونكة" .
في هذه الأغنية المصحوبة بوضع اليدين في الخصرينيتم التصفيق باليدين ثم معاودة الحركة المتوثبة. كان الأطفال يذهبون في رحلات للريفأو البحر ، فإن عادوا غنوا وهم فوق العربة الكارو:
"  سالمة يا سلامة../ رحنا وجينا بالسلامة " .
ربما في أوقات معينة يتم إغاظة الخصم والمنافس ،وذلك بوجود عنصر" القطة " من الحيوانات ، و" الفلفل " و"الشطة" من التوابل في خلطة غنائية واحدة ، والقطة ليست هذه المرة "القطة العامية" :
 " حطة يا بطة../ يا دقن القطة ../ جوة الشنطة .. فلفل .. شطة ".
على ان المدينة الساحلية ، الحرفية التي تتمتعبظهير بحري كبير كانت ترمي بصورها عند أعتاب البحر ، ولما كان اسم " حمادة "قد يرتبط بإجلال ما فقد تم الاستعانة ب" سوسو" وهي لفظ تدليل لولد مثلسعد أو بنت مثل سعاد. في كل الأحوال يجمل الماء المشهد:
 " سوسوفوق المية../ سوسو فوق البحر../ سوسو اصطاد عصفورة../ من ضمن العصافير../ اصطادهاوهي طايرة../ لكن منظرها جميل..".
ترتبط زرقة البحر ، بجمال شكل العصافير ، ويجتهد" سوسو "  لاصطياد هذا الطائر ،وثمة اعتذار ضمني بأن هذا السلوك ربما كان مجافيا لمقتضيات الرحمة فتوضع"لكن" للاستدراك قبل كل شيء.  وتقفزالقطة دائما في تلك الأغنيات لتمسك بعصفورة أو لتخطف جزءا من بطة ، ويتم الدفعب" سوسو" ليقع اللوم عليها.
أغنية ترصد إهمالا حدث مع البنت "سوسو" وكان عليها الحذر بدلا من أن توصف بالإهمال . الخطاب هنا موجه لكل بنتصغيرة قد تتناسى واجباتها. وما " سوسو" سوى الاسم الذي اختير لتمريرالخطاب:
" قطة مشمشية / حلوة بس شقية / نطت حتة نطة/ خطفت ورك البطة / سوس ليه زعلانة ؟ / هي اللي غلطانة / سابت النملية / مفتوحةشوية " (15)

* مخيلة الطفل :
يبدو أن أغلب الأغنيات التي جمعناها تحمل شيئامن غرائبية العلاقات بين عناصر متباعدة في الواقع غير أن الفن أعاد ترتيبها بشكليدعو للدهشة. وعلى الأرجح فإن مخيلة الطفل الطازجة لا تحدها حدود منطقية أو سببية :
"  يا طالع الشجرة / هات لي معاك بقرة / تحلبوتديني / بالمعلقة الصيني " .
وهي أغنية وظفها توفيق الحكيم في إحدى مسرحياته، وصنفت من " مسرح العبث". إن تحليل كلمات الأغنية تدعونا لتأملالعلاقات بهدوء . فالجملة الافتتاحية تبدأ بالنداء ، وهو موجه لمن يصعد "الشجرة " ، يطلب منه الطفل أن يأتي من فوق الشجرة ببقرة . وطالع الشجرة دائماما يكون هدفه جمع الثمار كالبلح أو الجوافة أو المانجو، وهي أشجار منتشرة في ريفدمياط كالسنانية . لكن الطلب هذه المرة أن يأتي ببقرة ، كي تحلب وتعطي لبنا ،وأداة تناول اللبن ليس الكوب بل ملعقة. وهي علاقات أبسط ما يقال عنها إنها غريبة ،لكن وجدان الطفل استساغها وغناها بمنتهى اللطف والانسجام.
ومثلما رأينا الحمام والعصافير والبومة والقطةفسوف نجد " الثعبان " وهو قليل الحضور في أغاني الطفل وقد يحضر للتخويفوالتحذير من خطره :
" منى يا منى.. يا امراة شعبان .. جوزك يامنى / قرصه التعبان " ( 16) .
وعلى ذكر " منى " فهي من أسماء البناتالتي تذكر في أغنيات الطفل لسهولة نطقها :
" منى يا منى .. كلي ملبسة ../  " رجلك "  توجعك.. / ما حدش ينفعك " .
لا صلة مطلقا بين أكل " الشكولاتة "أو الملبس وبين وجع القدم لكنها مخيلة الطفل التي تجيز كل شيء غريب، وإذا كان الأبقد رأيناه في أغنية سابقة عائدا بالبسكليته ، فمع خروج " الصنايعية "لدول النفط قد تغيرت وسيلة المواصلات ، وإن بقى التقشف متواصلا في تناول المسافر لطعامه:
" بابا فين ؟ / بابا في الطيارة .. / بياكلأيه؟ / عيش وخيارة " ( 17).
وفي المقابل هناك أغنيات للطفولة يغنيهاالمراكبي ، ويرد عليه الأطفال بكلمة واحدة مع التلوين في الآداء ، وهي شكل مختلفمن الغناء الشفاهي الذي يبدو منطقيا ، ومرتبا مع بعض التلوينات :
" يا أبو على.. يا صياد /  اصطاد وإدينى .. يا صياد / ده الرزق قليل.. يا صياد/ طب عبى وكيل.. يا صياد / وقية بركة.. يا صياد / الخير والبركة.. يا صياد / واضرب مجاديفك.. يا صياد / وبكتفك ميل.. يا صياد/ الريح أهى جاية.. يا صياد / من كل ناحية .. يا صياد / تاخد ماتخلى.. يا صياد / فىالصحة تملى.. يا صياد / ومدد ونظرة.. يا صياد / مدد يا سيدى.. يا صياد / ارفع يمينك..يا صياد / وشاورعلينا.. يا صياد / شاور و انتعنا.. يا صياد/ وحياة نبينا.. يا صياد(  18 ).
هذه الأغنية الطويلة نوعا ما ، جاءت بتلكالصياغة  لأنها تتماشى مع حركة جمع الشباك، وتدل كلمة " الكيلة " على وحدة موازين يعرفها باعة السمك . أماالمفردات مثل " المجاديف " و" الريح" فهي منتزعة من بيئةالساحل ، وفيها يكون " الرزق " بمقدار " البركة " التي تحلعلى الصيادين وبخاصة أن الشيخ " علي الصياد" ، واسمه الحقيقي الشيخعثمان الصياد ، وكنيته فخر الدين ..  "أحد أولياء الله الصالحين في محافظة دمياط، ربما يكون هو الشيخ الوحيد الذى له أغنية، تغنى بها الكبار والأطفال، في مولده وفى الأعياد، مقامه وزاويته يقعان في البر الغربي،على النيل مباشرة ، وكان يراهما السائر على البر الشرقي لمدينة دمياط، لقرون طويلة،رغم أشجار النخيل التي كانت تحيط بقبة المقام، وكان للمقام معدية، تنقل له الزائرينإليه، الراغبين في البركة والطامعين في الشفاء، والآملين في العفو، خاصة كل يوم أربعاء،موعد فيه الحضرة الأسبوعية، وتقاد فيها الشموع، ويقدم الطعام، وينشد المنشدون في حلقاتالذكر، وكان يوجد دف كبير فى المقام، يستخدم أثناء الحضرة، وكان يقام له مولد سنويلمدة يوم واحد فى 17من شعبان من كل عام " (19).
حين نعود لبنية الأغنية نجدها ترتكز على إيقاعواحد يتكرر ، ثم يعاود التصاعد ، حتى يصل لدعاء بالنبي الغالي وهو ذروة التنامياللحني والموضوعي لأغنية يرددها المراكبي أو صياد السمك مع صبية يكررون " ياصياد" ونلاحظ أن لفظ " علي " جاء مناسبا لهم  ، فيما تستخدم كلمة " انتعنا " بمعنىانقذنا ، وإن كانت لفظة مستخدمة في مناولة وتفريغ السردين في الطاولات الخشبية .
يشحذ الطفل مخيلته وهو يتأمل جسده ينمو ، فيماأسنانه اللبنية تتساقط ، وتحل محلها الإسنان الدائمة ، فبدلا من بكاء الطفل لفقد "سنة " ، تشجعه الأم على الغناء بشرط أن يلقي سنته المخلوعة في مسطح تسقط عليهأشعة الشمس :
" يا شمس يا شموسة / خدي سنة الجاموسة / وهاتسنة العروسة " ( 20) .
يستمر الأطفال في تأمل الطبيعة من حولهم ، وفيتعلم مظاهر فصول السنة ، وقد يمتد نظرهم للطلبة الكبار الذين يرتادون المدارسالدينية القديمة فيوسعونهم سخرية ، حيث كان كل من يلبس جبة وقفطانا يخضع لمراقبةمجتمعية قاسية ، فمن ينحرف عن جادة الصواب يلقون في طريقه بكلامهم الجارح:
" يا متابلي / عمتك راحت / في السَلََطة /والفول النابت " (21).
عاصرنا الزمن الذي كان الفتيان فيه يرتادون" المدرسة المتبولية " (22) في حي رابع ، وكان معروفا عنهم حبهم للطعام، وقد أطلق عليهم " المتابلية " ، والصورة توضح أن العمامة قد سقطت فيطبق الفول النابت ، وهو طعام البسطاء حينذاك. وفي الأغنية قدر من المرح واللطف ،يتماشى مع ما عرف عن أبناء هذا الجيل من حب الفكاهة .
* رياح التهجير . العز واحد:
تعرضت مصر لكثير من الحروب ، وفي العصر الحديثحدثت عمليات تهجير أبناء مدن القناة بعد حربين ، الأولى : العدوان الثلاثي سنة1956 ، والثانية : بعد حرب 1967 وما تلاها من حرب الاستنزاف ( 1969 ـ 1970) ،ونتيجة لذلك استقبلت بعض المدن المصرية المهجرين من المدن الثلاث : بورسعيد ،الإسماعيلية ، السويس . كان من نصيب دمياط عدد لا يستهان به من أبناء مدينة بورسعيدالباسلة ، وهو ما انعكس على الأغاني التي كان ينشدها الاطفال في ذلك الحين :
" طفي النور يا ولية.. أحنا عساكر دورية" (23) .
كانت تلك ترديدات الأطفال أثناء الغارة الجويةتخوفا من قنابل الطائرات الإسرائيلية ، وفي سياق الأغاني التي كان يرددها الأطفالالمهجرون ، ما كان يصاحب خسوف القمر من نداءات مبتهلة ، حيث تخرج جماعات منالأطفال ، تطوف بالشوارع ، وهي تمسك الأواني النحاسية لتطرقها بقوة :
" يا سيدنا يا عمر.. فك خنقة القمر".. " يا سيدنا يا بلال.. فك خنقة الهلال" .. " يا بنات الحور..القمر بيدور" (24)
ولما كان الأطفال أشقياء فقد كانوا يتعرضونللعقاب والضرب من أهل الحارة ، فنسمع هذه الشكوى على هيئة حوار بين الأم وأولادها:
" يا اولاداتي ./ ـ  نعم يا امه؟ / مين ضربكوا؟ / ـ الشيخ عبدالله /ضربه ف إيده / ـ عدوك يا امه )  (25) .
لدى الاطفال استعداد للسخرية من البنت التي لاتعتني بنظافتها ، وهي نظرة نقدية استخدمها الصغار لرفض من لا تعتني بجمالها .وربما بدت نظرة انتقادية ممكن أن تبدأ من شوارع بورسعيد ، والتي عرف أهلها بنقدهملما لا يحبونه :
" يا أم الشعر الكتكت / لاينام ولا يرقد /إلا بالخرزان / فاكرة نفسك أوسة / وأنت كالعصعوصة / وأنا كده حيران / فاكرة نفسكحلوة / وأنت شبه البلوة / شايفاني زعلان" (26).
لكننا نجد مثل هذه النظرة الانتقادية في ريفدمياط أيضا ، فهي ليست قاصرة على مكان دون آخر :
. " تك .. تك.. تك / مين هناك يا بت /أبوكي الفلاح / بيبيع التفاح / الخمسة بقرش / عيب عليك يا ست"  (27) .
لم تكن القرى المصرية تعرف التفاح بشكل واسع ،والأرجح انه التفاح الأخضر الصغير الذي كان يباع بوضع قطعة حلوى حمراء على الثمرةويسمى" خد الجميل ".
ولعل إشارة بسيطة تدعم هذا الرأي حين نسمع فيتلك القرى مثل هذا النداء :
" يا بنات .. يا بنات.. يا بنات / يابناتالطرح والفلايات " (28) .
تأخذ الأغنية أحيانا صيغة الوعظ والإرشاد ، ولكنبحس انتقادي ساخر ، خاصة عندما يكون الحديث موجها من الصغير إلى الكبير :
" يا أبو زعيزع قم صلي .. يا للي مراتكتراللي " (29).
وكلمة " تراللي " معناها الخبل ، تنطقمع وضع اليد بجوار الرأس ، وهزها مرات .
لا يخلو الريف من رقة وجمال كما نجد في سبوعالمولود ، حين تحمل الخالة او العمة او الجدة الطفل المولود وتتصاعد الأهازيجالمرحة :
" الصلا عليه .. الصلا عليه / جبنا المولود.. واسم الله عليه /  يا رب يا ربنا / يكبرويبقى قدنا " ( 30).
وقد تحضر " الغولة ، التي تندس في ثناياالحكايات ؛ لتعبر عن خوف قديم قد استقر في قلوب الأطفال :
" أمنا الغولة.. طقطقي الفولة ".
وفي  بعضحالات السخرية من الأصدقاء ، سمعنا في طفولتنا هذا " التلقيح " المثيرللاستغراب ، مع مسحة من التفكه:
" أحم أحم / مناخيرك تتلحم / عند السنكري /برغيف طري " (31).
وهكذا تترد الأهازيج والأغنيات لتتسق مع تيارالحياة ، محملة بالكثير من الأدبيات الشعبية التي تربط الفرد بالجماعة في إطاراجتماعي ، يتخطى كل عوامل القهر أو الفقر أو دوافع النكد والتنغيص.  تظل الأغنية الشعبية ذكية ، متجددة ، متغيرة ،تكتسب في كل دورة من دورات الزمن شيئا من الخصوصية وقدرا من الجمال الرائق.

* ملاحظات حول طبيعة أغنيات الطفل في الفترةالتي أشرنا إليها:
قمنا بدراسة وتحليل تلك الأغنيات الشعبية الخاصةبالطفل ، وقد لاحظنا وجود بعض الخصائص التي تميز الأهازيج ، والأغنيات ، والجملالمسجوعة لتتبلور الملامح الأساسية التالية :
1ـ اتساع مساحة الأغنيات لتشمل كل مناحي نشاط الأطفالفي سنواتهم الأولى سواء في البيت أو الحارة أو الشارع.
2ـ تقدم تلك الأغاني في الغالب داخل مجموعة ،لأطفال في سن متقارب.
3ـ يقوم الأطفال خلال الغناء بألعاب أو رقصاتبسيطة لكن هناك أغنيات أخرى تلقى بدون ذلك.
4ـ غرائبية العلاقات بين عناصر الأغنية ، وهذايرجع لجموح خيال الطفل في مراحل النمو الأولى.
5 ـ تنتشر الأغنية من مكان إلى آخر ، قد تبدأبجملة افتتاحية وتقوم كل جماعة بتطويع الكلمات لمعارفها ومعلوماتها  .
6 ـ يقوم الأطفال بتحوير كلمات الأغنية ، أوبتعديلها من وقت لآخر ، وقد يحذفون مقطعا لثقل الغناء أو لغير ذلك من أسباب.
7ـ تنتقل أغنية الطفل الشعبية من جيل إلى جيل ،وقد يقدم الجيل الأحدث على تعديل جملة أو جملتين مع المحافظة على الإيقاع .
8 ـ أنسنة الطيور والحيوانات ، فهي تتحدث بلغةبسيطة ، وتدخل في علاقات حية مع الأطفال.
9ـ الأغاني قصيرة جدا ، لكن بعضها قد يطول ، وفيهذه الحالة يوجد توزيع للمقاطع عبر حوار ما.
10 ـ توجد أسماء شائعة تدخل في بنية الأغنية ،منها " علي " و" حمادة " و" سمسم" للأولاد ،و" منى" و" سوسو" للبنات. أتصور أن سبب ذلك خفة النطق.
11 ـ تؤدى الأغنية الشعبية بصوت عال ، وعبرإيقاع شهير ، وأحيانا يستخدم التوقيع بالأيدي لضبط الإيقاع.
12 ـ هناك طائفة من أغاني الاطفال تحمل ألفاظا" خادشة للحياء " ، وقد فضلنا استبعادها غير أنه تم الإشارة إلى قليلمنها مع وضع علامتي تنصيص حول اللفظ الذي وضع بديلا للمستبعد .
13 ـ الاعتماد الكامل على الصوتيات التي تجعل الألفاظصافية موسيقا ، أما ما يتعارض مع النقاء الموسيقي يتم استبعاده والإتيان ببديل له.
14ـ لكل جيل ( نقدره بحوالي 30 عاما ) أغانيهالخاصة به ، وسماته الجمالية . وهذا لا يمنع من امتداد بعض الأغنيات عبر أجيال قدتمتد لتسعين عاما مثلا .
15 ـ أغلب تلك الأغنيات تنتقل عبر الجدات ثمالأمهات ثم رفقاء الطفولة ممن يكبرونهم سنا .

* الهوامش :
1 ـ جميع هذه النصوص من جمع الباحث باستثناء تلك التي سنشير إليها في حينها.
2ـ ناصر السيد البشوتي ، مواليد 29 /7/1961 ،مدينة دمياط ، مدرس لغة إنجليزية ، وممثل مسرحي.
3ـ محمد علي علوش ، مواليد 1951 ، مدينة دمياط ،مدير شئون الطلبة بالتربية والتعليم سابقا ، شاعر عامية.
4ـ بدأتها غادة عبدالسلام ، مواليد مدينة دمياط في1/4/ 1973 ، مشرفة موسيقى ومسرح ثقافة الطفل ، قصر ثقافة دمياط ، وأكملتها : مها جمالنصاري ،  مواليد محافظة قنا 1967 ، ليسانس آدابلغة انجليزية، موجهة لغة انجليزية بالأزهر ، شاعرة ومترجمة .
 5ـ عطياتسليمان الإمام ، مواليد 22 / 8/ 1964 بدمياط ، مدير قصر ثقافة الطفل بدمياط . 
6ـ مهندس عبدالسلام عبدالرازق ، مواليد 23 أبريل1953 شارع عبدالرحمن بمدينة دمياط ، صاحب ومدير شركة صناعية بالقاهرة.
7ـ  هبه اللهيسرى مأمون السركى ، مواليد 7 يناير 1960 ، تخرجت من كلية طب القصر العينى عام 1986. تقول حول النص : " الأغنية فلكلورشعبى قيل فى جدى لأبى الدكتور مأمون حسن السركى .. وهو طبيب بشرى .. أظنه كان رئيساللقومسيون الطبى العام ، وكان يمتلك مستشفى وعيادات في منطقة السيدة زينب ، وله محالكثيرة فى خان الخليلى .. ( وقف كتخده دريان ).. لذلك كان غنيا فخصص يومين في الأسبوعللعلاج المجاني لغير القادرين  ".
8ـ توفيق عيسى فودة ، مواليد دمياط في 15 / 2/ 1959 ، ملحن.
9ـ عبدالله عبدالوهاب أبوالنصر ، مواليددمياط  2 / 8/1969 ، مخرج مسرحي .
10 ـ أمل رجب بركات ، مواليد 20 / 6/ 1968  ، رئيس إدارة الشئون الثقافية بفرع ثقافةدمياط.
11 ـ محمد عبدالمنعم إبراهيم ، مواليد 3 / 4 /1944 ، الزرقا ، وكيل وزارة الثقافة الأسبق.
12 ـ المصدر السابق .
13 ـ المصدر السابق .
14ـ أمل رجب بركات ، مصدر سابق.
15 ـ عطيات سليمان الإمام ، مصدر سابق .
16 ـ هشام عبدالصمد الخميسي ، مواليد 19 يونيو1965 ، شرباص ، مركز فارسكور ، أعمال حرة ، كاتب قصة.
17 ـ المصدر السابق.
18ـ حلمي السيد ياسن ، صحافي وقاص ، مواليد 16/11/ 1958 ، حارة البركة بمدينة دمياط.
19 ـ من تحقيق صحفي نشره حلمي ياسين ، كما توجدمعلومات استقاها ياسين من كتاب " صرخة ضريح " للباحث محمد أبو قمر.
20ـ  عبدالله عبد الوهاب أبوالنصر، مصدر سابق.
21ـ مهندس عبدالسلام عبدالرازق ، مصدر سابق .
22ـ نسبة إلى العارف بالله الشيخ إبراهيمالمتبولي ، وقد جددت غام 1815 م في إطار الإصلاحات التي عني بها محمد علي ، وفيعام 1895 م ، في زمن الخديوي عباس حلمي الثاني ضمت إليها مدرسة ومكتبة جامع البحرتحت اسم جديد هو معهد دمياط الديني . دمياط من فيض غلى فيض . ( مقال) ، د.عبدالحميد حامد سليمان ، ذاكرة مصر ، يوليو 2013 ، ص14.
23ـ سهام السيد صالح ، 9/2/1958، بورفؤاد ـبورسعيد ، دبلوم تجارة 1977. تعمل حاليا في إحدى مدارس مدينة دمياط .
24ـ المصدر السابق .
25ـ المصدر السابق .
26ـ المصدر السابق .
27 ـ فجر السيد صقر ، 12 /2/ 1964، قريةالحوارني ، مركز فارسكور ، بكالوريوس تجارة 1986.
28 ـ المصدر السابق .
29ـ المصدر السابق.
30ـ المصدر السابق .
31 ـ إيفلين عشم الله ، فنانة تشكيلية ، أوردتهاعلى صفحتها في الفيس بوك بتاريخ 7 أبريل 2015 ، وقد سمعت الأغنية الساخرة في مدينةدمياط منذ أكثر من نصف قرن.
  ( شكر واجب :  يشكر الباحث الزملاء والزميلات الذي راجعوا معه نص الأغنيات الشعبيةالقديمة ، ومنهم : الأستاذة سلوى محمود ، الأستاذة نجلاء البطة ، الأستاذة يسريةالقواص، الأستاذ عبدالحليم البش، وبفضلهم تمكننا من إنجاز هذا البحث ) .

هناك تعليق واحد: