لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



السبت، 22 أكتوبر، 2011

"رسام الحيطان" قصة للأطفال بقلم أحمد هيبي

رسّام الحيطان
يوميات نعيم الصغير

أحمد هيبي
موجة الرسم التي هجمت عليّ فجأة، قوبلت من أهلي بالرفض والاستنكار. لم يقدّر أحد فنّي. ولا اعترفوا بي كرسّام. في البداية شجّعني أبي. ومن مدينة "جنين" أحضر لي علبة دهان مائية وفرشاة. 
نضع الفرشاة في الماء ونفركها بقمع اللون الذي نختاره ونلوّن أي شكل نريد بأزهى الالوان. 
ومن المكتبة الاسلامية في القرية اشترى لي علبة أصابع من الألوان الجافّة وكُراسا من الاوراق البيضاء الكبيرة. 
أختي "ميّ" تكرّمت عليّ ببعض الأوراق من الربطة الكبيرة التي اشتراها لها أبي.

المشكلة بدأت حين صارت مواهبي في الرسم تتفتح.
أحببت الرسم كثيرا. 
في البداية بدأت الوّن أوراق الكُرّاس. فلما خلص الكراس، انتقلت الى أوراق أختي. ومن هناك أطلقت لخيالي العنان. وما الذي لم أرسمه؟ رسمت دورا كبيرة بأشكال مربعة ومستطيلة، وجوامع بقباب، رسمت أبوابا وشبابيك للدور. ورأيت ان ذلك حسن. وتفننت في رسم الاشجار أمام البيوت، وبرعت في رسم الطرق المؤدية من الباب الى الشارع. وعلى الشارع رسمت قططا وكلابا. ورسمت اشجار زيتون وأناسا يقطفون حب الزيتون بالعصي والفلاّت. رسمت تفاحا وبرتقالا وسيارات وحيوانات وطيورا من كل الاجناس. ورأيت ان ذلك حسن أيضا.

مشكلة عويصة كانت في الاوراق. لم تعد تكفيني الأوراق. أختي خبأت ما عندها وقالت "خلصت من عندي الأوراق". ولما لم يكن أبي في البيت، فان صراخي لم ينفع معها ولا بكائي.

وبعد أن هدأتُ، ومسحت دموعي، نظرت فرأيت ان الجدران بيضاء بحاجة الى الوان. أخذت الواني الجافة وبدأت أرسم على الحيطان. وكانت هذه تجربة جديدة عليّ . رسمت خطوطا طويلة وزخارف، وبحرا كبيرا، لأن المكان كان بصراحة يتسع لكل هذه الأشياء. رسمت زهورا وأطفالا ذاهبين الى المدرسة او عائدين منها. رسمت باصات وعربات تجرها الخيول كما في الاعياد, ورسمت الاشياء الطويلة التي لا تستطيع ان تتسع لها الأوراق. وقد كنت سعيدا في عملي، مستغرقا فيه، حتى أنه مرت ساعات وانا لا أحس بمرور الوقت. رسمت على حيطان المطبخ, وحيطان الصالون. وكل بقعة بيضاء كانت تغريني بطمسها بالألوان.

وعندما تناقصت المساحات البيضاء داخل البيت, ورأيت أن ما صنعته كان جميلا جدا, وأن أهلي ينبغي أن يكونوا فخورين بي. وخصوصا أبي، الذي يقضي الساعات في الكتابة وتسويد الأوراق, انتقلت الى الخارج. فتحت الباب ورأيت مساحات شاسعة من البياض عند مطلع الدرج لا تزال. فبدأت ارسم بحرية، وأتأمّل ما أرسمه. رسمت أولادا وبنات. ورسمت كرات يلعب بها الأولاد.

ثم انتقلت للرسم على جدران الحديقة. وكان الرسم هناك أكثر متعة. لأن بعض الأولاد اقتربوا مني، واندهشوا مما أفعل, ورغبوا في الانضمام اليّ ، زاعمين أني تعبت من الرسم, أو انهم يرسمون أحسن مما أرسم. أو يقترحون علي رسومات لم تخطر على بالي.

ولكن فرحتي لم تدم. ولم يمر ذلك اليوم على خير. وما رأيته جميلا كفنان, رآه أهلي رجسا من عمل الشيطان. ولما اكتشفوا أعمالي الفنية في كل مكان، بدأوا يصرخون ويولولون. وكنت اظن في البداية انها صرخات الاعجاب. ولكن أمّي بدأت تضرب كفا بكف. واختي نادت أبي بالتلفون. ولو هدمت الدار على رؤوس هؤلاء، لكان أهون عليهم من أن يولد في هذه الدار فنان.

حتى أبي الذي كان يعتز بلوحاتي القديمة, ويعلقها في مكتبه، وهي مجرد خطوط ودوائر، ولا شيء بالنسبة لما أبدعته الآن, وقف مذهولا أمام الجدران , ونظر اليّ كأنه ينظر الى عفريت أحرق المكان.

أختي اكتشفت أيضا اني رسمت على كنبات الجلد في غرفة الضيوف. في البداية لم أعترف. فأنا لم أرسم على الكنبات. ولكني سرعان ما عرفت ما حدث. ف"ميّ" هي السبب. لقد أعطتني أوراقا شفافة. وهذه "طبعت" ألوانها على الجلد، عندما كنت أتكيء على الكنبة لأرسم هناك.

أنكرت طبعا، ولم يفدني الانكار. وقد جاء الاولاد الذين رأوني أرسم يشهدون ضدّي. انقلبوا عليّ بعد ان كانوا معجبين بي. لم يضربني أحد، ولكن نظراتهم اليّ وحقدهم عليّ ، كان أصعب من كل عقاب. والتحقيق معي لم يستمر طويلا لحسن الحظ. فالتهمة "لابستني لبس"، لا مجال فيها للأنكار، كما قال أبي. ولم يتأخر العقاب في المجيء. أخذت أختي مني الأوراق، وانتزع أبي مني الألوان. ولم تعد أمي تتكلم معي، أو تنظر ناحيتي ساعات.

وصدقوني أني لم اكره الرسم كما كرهته يومها. حتى لم اعد أطيق النظر الى الحيطان. ولم ارتح الا عندما جاء ابي بصديقه الدهان "أبو نضال" لينظف – كما قال – البيت من هذه "الخرابيش". وكان هذا يحمل سطلا من الدهان، وفرشاة كبيرة لم أر مثلها في حياتي. وبدأ يدهن باللون الابيض جميع الحيطان.

كان الدهان يقول لأبي ساخرا:
- ابنك هذا سوف يطلع رساما.
وسمعته يقول أيضا:
- الرسم على الجدران هو أرقى أنواع الرسم!
أبي هز رأسه, وقال:
- هذه خرابيش دجاج!
ولكن الدهان أفهمه أن بيكاسو أيضا بدأ بخرابيش دجاج. ثم صار يبيع اللوحة بملايين الدولارات. وقال أن جميع الرسامين الكبار يرسمون على الجدران لكي يثيروا اهتمام الناس. والدولة تدفع للفنانين من اجل انجاز اعمالهم في الساحات والميادين.
وارتحت لهذا الكلام. فأخيرا هناك من من يقدّر ما قمت به من جليل الاعمال. وظننت ان الدهان يريد ان يجبر بخاطري الى ان قال:
- خربش يا نعيم على الحيطان. خلّي ابوك يدفع. وأنا بلاقي شغل كمان.

شيئا فشيئا نسيت هذا الكلام. وبقيت اتأمل يد الرجل كيف تمسك الفرشاة, وكيف تصنع الخطوط العريضة والانحناءات العجيبة. ورأيت كيف يلائم كمية الدهان التي يسحبها من السطل، وبين المساحة التي يدهنها أمامه..

وودت لو اني أستطيع ان أفعل مثله. ولو لم يكن أبي حاضرا، لطلبت منه ان يمسكني الفرشاة لأصنع مثله. ورغبت لو يعلمني الرجل طريقته في الدهان. ووددت لو أصبح دهانا عندما أكبر. وصممت أن أطلب من أبي أن يشتري لي فرشاة كبيرة كهذه الفرشاة، عندما يأتي ليقبلني وينام الى جانبي في المساء.

ليست هناك تعليقات: