لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الخميس، 13 أكتوبر، 2011

"سر الزهرة الحمراء " قصة للأطفال بقلم أحمد طوسون

سر الزهرة الحمراء
أحمد طوسون
 (1) كذبة بيضاء صغيرة
  تنهدَ باسم بحسرةٍ ومسحَ عنْ عينيه دمعةً ساخنة ، تطّلعَ إلى الفرحةِ التي تتقافز في عيون أصحابِه وأطرَّقَ برأسِه إلى الأرضِ حزيناً .
 وهمسَ لنفسِه قائلاً :
( لن يكتفيَّ والديّ برسوبي في الامتحانِ بل سيوبخاننّي ويتهماني بعدمِ المذاكرةِ والتقصيرِ في أداءِ واجبي .
ما أقسى هذا الظلمُ ؟! ) .
واستدارَ بدراجتِه تاركاً مدرستَه وأصحابَه ، بينما كانت الدراجةُ تتمايلُ بجسدِها النحيلِ على أسفلت الطريقِ دهشةً وترددُ في نفسِها :
-      يا له من ولدٍ لا يريد أن يعترفَ بأخطائه !
قادَ باسم دراجتَه بينما رأسه تتزاحمُ بالأفكارِ السيئة ، يطرحُ على نفسِه الأسئلةَ ويعودُ ويجيبُ عليها في نفسِ الوقتِ :
-      هل سيسمحُ أبي أنْ أذهبَ إلى المصيفِ واستمتعَ بالسباحةِ في البحرِ ؟
-      بالطبعِ لا .
-      وهل ستقضي أجازةَ الصيفِ كلَّها بالبيتِ ؟
-      بالطبعِ .. هل أنتَ غبيٌّ
  لابُدَّ أن ينزلَ أبي بكَ عقاباً ما .
  لن يسمحَ لك بلعبِ الكرةِ أو مشاهدةِ أفلامِ الكرتون الجميلةِ التي تحبها أو ممارسةِ ألعابِ الفيديو جيم .
-      إذن ستكون أجازة مملة جداً وسخيفة .
-      بالطبعِ ، فهو أمرٌ منطقيٌ جداً .
وكانت الأشجارُ على جانبي الطريقِ تتمايلُ أغصانُها وتهزُ أوراقَها ، والرياحُ تطلقُ صافراتٍ صغيرةً في أذنيه وتقولُ :
-      حتى وهو راسبٌ في الامتحانِ لا يفكر إلا في اللعبِ والاستمتاعِ بالأجازةِ .
وتسألُ نفسَها باستغرابٍ :
-      كيف سيعودُ هذا الولدُ إلى الطريقِ الصحيح ؟
لكن باسمَ لم يسمعْ كلمةً مما قالته ، كان مشغولاً فيما يجبُ أن يقولَه لوالديه ، هل يستطيعُ أن يحجبَ الحقيقةَ عنهما ؟
 ويعودُ ويسفُه نفسَه ويقولُ :
-      بالطبعِ لا ..
 بالتأكيدِ سيتصلان بمُدرِّسةِ الفصلِ وستخبرُهمَا بالنتيجةِ
 إنْ لم يكونا عَلِّمَا بها الآن وينتظرانه بلهفةٍ ليقرظاه بالكلماتِ التي تلسعُ أكثرَ من ضرباتِ عصا غليظة .
-      إذن لابُدَّ أن تفكرَ في وسيلةٍ تجعلُهما يتعاطفان معك ولا يحرمانك من السباحةِ في البحرِ .
-      هل جننت يا باسم
   وهل يمكنهما أن يتعاطفا معك بعد ما حدثَ ؟
-      ربما ..
-      وكيف سيحدثُ ذلك ؟
-       ربما ..
      ربما بكذبةٍ صغيرة .
-      كذبةٌ صغيرةٌ ؟
-      .........................
-      لكن الكذبَ حرامٌ
-      بالطبعِ أنا أعرفُ أنَّ الكذبَ حرامٌ ولا يجب أن نكذبَ
    لكنَّها ستكون أخرَ مرةٍ .
لا يُرضيك أنَّ الأجازةَ التي أظل انتظرُها طوالَ العامِ تضيعُ لمجردِ رسوبي في الامتحانِ وأبقى حبيساً بين جدرانِ البيتِ .  
-      آه .. معكَ حقٌ .
 وستكون أخرَ كذبةٍ تكذبُها .
 الشمسُ التي كانت تتأهبُ للرحيلِ إلى بيتِها البعيدِ خلفَ التلِ  كانت تستمعُ إلى حواره مع نفسِه وتسخرُ مِنْهُ وتقولُ :
-      يا له من ولدٍ اعتادَ دائماً أن يقولَّ إنها ستكون أخر مرةٍ
   ويعودُ ويكذبُ من جديدٍ .
  أما الدراجةُ التي كان يقسو عليها ويقودُها بسرعةٍ مجنونة ، صدرُّها كان يصفرُ من التعبِ بعد المسافةِ الطويلةِ التي قطعَتها فوق الإسفلتِ الساخنِ دون أن تعرفَ إلى أين يقودُها ، أنَّتْ وقالَتْ :
-      سوف يُهلك إطاراتي الروماتيزم بسببِ هذا الاستخدامِ السيئ
  إلى أين تقودُنا يا باسم
 ها هو الإسفلتُ ينقطعُ ولم أَعُدْ قادرةً على السيرِ في هذه الأرضِ الوعرة .
  لكن باسمَ لم ينتبه لكلامِ دراجتِهِ ،كما لم ينتبه إلى أن الطريقَ الذي سلكَه لم يكن الطريقَ المؤدي إلى بيته وواصلَ طريقَه بسرعةٍ مجنونة .
  لم تستطعْ الدراجةُ المقاومةَ .
وحين لم ينتبه باسم واصطدما بصخرةٍ سقطا معاً من التعبِ على الأرضِ دون أن يستطيعا أن يحركا ساكناً . 
 (2) عندما يخاف الأسد!
   في منطقةٍ بعيدةٍ عن بيوتِ الحيواناتِ وحظائرِّ الطيورِ اعتادَ الأسدُ ضرغام ممارسةَ الرياضة .
   يبدأُ بالجريّ لمسافاتٍ طويلة ، ثم يمارسُ بعض التمارينِ كفردِ الذراعين وضمِهما أو الوثبِ العالي والقفزِ فوق الصخورِ الرماديةِ أو تمارين البطنِ والضغط ، ثم يسترخي تحت ظلِّ شجرةٍ بعض الوقتِ ويعودُ إلى مملكتِه ليمارسَ عملَه في حكمِ الغابةِ بهمةٍ ونشاط .
 بالقربِ من أحدِ الصخورِ المرتفعةِ شاهدَ كائناً غريباً نائماً على الأرضِ أثارَ انتباهَه .
 طائرٌ صغيرٌ كان يحلِّقُ في السماءِ شاهدَ الملكَ وحراسَه يتوجهون ناحيةَ الولدِ الصغير ، نبضَ قلبُه بعنفٍ وظل يزقزقُ بعصبيةٍ ويدعو الله أنْ يُسلِّمَ الولدَ من أنيابِ الأسدِ ويقولُ :
-      ألطفْ يا ربُ .
كذلك فعلَتْ الشمسُ والريحُ والصخرةُ الرماديةُ الكبيرةُ التي اصطدمَ بها باسمُ ودراجتُه .
 كلُّ الكائناتِ والمخلوقات التي رأت الأسدَ يتقدمُ من باسم كانت قلقةً ومرعوبة وخائفةً على الصغيرِ الذي سيلتهمُه الأسدُ لا محالة .
 ولم يعلمْ أحدٌ أو يتوقع أنَّ الأسدَ هو الذي كان خائفاً ، بينما فَقَدَ باسمُ وعيَّه بعد أن اصطدمَ بالصخرةِ الكبيرةِ ولم يشعرْ بشيءٍ مما يحدث حوله .
أعرفُ ما تقولونه في أنفسِكم الآن ..
 هل سيصدقُ أحدٌ أنَّ الأسدَ ملكَ الغابةِ يخافُ من ولدٍ صغيرٍ لا حول له ولا قوة وفاقد لوعيه .
 إنَّه حتى لن يستطيعَ المقاومةَ !!!
هل سنصدقُ قصةً يخافُ فيها الأسدُ أقوى الحيواناتِ وملكُ الغابةِ من ولدٍٍ صغيرٍٍ وضعيف ..
 يا لها من قصةٍ سخيفة ؟!
................................
لكن هذه كانت الحقيقة .
  فبمجرد أن راودَ الشكُ الأسدَ ضرغام أن يكون المخلوقُ الراقدُ أمامَه من بني الإنسانِ الذي حكَتْ جدتُه اللبؤةُ الحكيمةُ قصصاً كثيرة عنه أصابَه الخوفُ والقلقُ .
  فقد تَعلمَ منها أن المخلوقَ الذي يبدو للبعض ضعيفاً لا يمكن لشيءٍ أنْ يهزمَه مهما كانت قوته .
 وبذلك أصبح سيداً للمخلوقاتِ كافةً على كوكبِ الأرضِ .
   تقدمَ ضرغامُ بحذرٍ وقالَ لنفسِه :
    ( مهما كانت المخاطرُ لا بُدَّ أن أصحبَ ذلك الكائنَ معي ، لو صدقَ حدسي وكان هو الإنسان الذي انتظره منذ زمان لن أُهدرَ الفرصةَ التي لاحَتْ لي أخيراً) .
 وأمرَّ الحراسَ أن يحملوا الكائنَ الغريبَ ودراجتَه إلى قصرِ المملكةِ .
(3) كائن غريب في قفص الحيوانات!
 ألقى الحراسُ بالكائنِ الغريبِ في قفصِ الحجزِ وأغلقوا البابَ عليه .
  أما ملكُ الغابةِ فلم يُغمضْ له جفنٌ ، ظل مستيقظاً يبحثُ عن صورةٍ قديمةٍ أعطتها له جدتُه – وقالت إنها للمخلوقِ العجيبِ المسمى بالإنسان ، احتفظَ بها بين أشيائه الخاصةِ وجاءَ أوانُ استخراجها .
  حين وجدَها نفضَ عنها الغبارَ ومسحَها ببعض الوبرِ ، لكنها كانت باهتةً وضاعت ملامحُها تقريباً .
رغم ذلك فرحَ بها الأسدُ وحدقَّ فيها وقالَ لنفسِه :
-      إنَّها لم تزلْ بحالةٍ جيدة .
ثم أعادها بين أشيائه وظل يقطعُ عرينَه ذهاباً وإياباً ، يُحدثُ نفسَه ويقولُ :
-      أخيراً وجدتُه .. أخيراً وجدته !
-      ..........................
-      إنه يشبهُ الصورةَ تماماً .
وكان الأسدُ مخطئاً في هذا لأن الصورةَ لم تكن تشبهُ باسمَ في شيءٍ .
***
مع سقوطِ النورِ كخيطٍ رفيعٍ من السماءِ على الغابةِ انتبهَ الديكُ ذو العرفِ الأحمرِ الكبيرِ وصعدَ فوق التلِ وظل يصيحُ :
-      كوكو  .. كوكو  .
تثاءبَتْ الشمسُ ونفضَتْ عن عينيها الوسنَ وألقت بالضياءِ وبشعاعٍ بأجنحةٍ فضيةٍ مضيئةٍ تسّابقُ في الوصولِ إلى الغابةِ وحيواناتِها ، لكن النسيمَ الباردَ بأجنحتِه الخضراءِ سبقَهم وداعبَ الوجوهَ فاستيقظَتْ بنشاطٍ .
انتشرَ خبرُ الكائنِ الغريبِ بين سكانِ الغابةِ وأسرعَتْ الحيواناتُ لتلقيَّ نظرةً عليه داخلَ قفصِه الحديدي ، وتتساءلَ فيما بينها عن جنسِ الكائنِ الغريب .
هل هو كائنٌ فضائيٌّ سقطَ من الكواكبِ والمجراتِ البعيدةِ أم جاءَ من أرضِ الخيالاتِ والأحلامِ وألقَتْ به الساحراتُ الشريراتُ فوق غابتِنا ؟.
 الفيلُ فلافيلو أدخلَ زلومتَه من بين حديدِ القفصِ وتشممَه بحذرٍ ، ثم تراجعَ بعيداً .
 أما القردُ المهذارُ فألقى نظرةً عليه وجرى ناحيةَ عينِ النبعِ وتفحصَ وجهَه بصفحةِ الماءِ جيداً وعادَ سريعاً إلى الحيواناتِ وقالَ :
-      يبدو إنَّه ينتمي إلى فصيلةٍ نادرةٍ من القرودِ انقرضَتْ منذ آلاف السنين ! .
 ثم قفزَ فوق سطحِ القفصِ الحديدي وألقى نظرةً طويلةً على باسمِ ، والحيواناتُ تتابعُه بلهفةٍ .
  بعدها أعتدلَ بوجهِه ناحيةَ الحيواناتِ وأمسكَ بذيلِه ثم تركَه وهرشَ رأسَه وصدرَه وقالَ :
-      أكيد .. أكيد .
-      ربما كنا قديماً بمثل ملامحِه قبل أنْ نتطورَ ونصبح بالصورةِ الجميلةِ التي تبدو القرودُ عليها الآن !.
  ضحكَت الحيواناتُ وأطلقَت صفيراً عالياً بدا كسخريةٍ من كلامِ القردِ المهذارِ- ومعها حقٌ فالإنسانُ أرقى المخلوقاتِ وخلقَه الله على هذه الصورةِ الجميلةِ وليس للقرودِ التي تنتمي إلى جنسِ الحيواناتِ أيَّ علاقةٍ أو صلةٍ بجنسِ البشرِ .
  لكن هكذا كان يفكرُ القردُ المهذارُ ، فقفزَ من فوق القفصِ وهبطَ بين الحيواناتِ وظل يرقصُ وسطَ طبولِهم وصفيرِهم ويرددُ بلا توقف :
-      بالطبعِ .. بالطبعِ نحن الآن أجملَّ ..
شكراً .. شكراً على الإطراءِ .
 (4) الحيوانات تتعرف على باسم
أفاقَ باسمُ بعد أن تناهى إلى سمعِه أصواتُ الحيواناتِ حوله ، فنسيَّ ما يعانيه من آلامٍ نتيجةَ اصطدامِه بالصخورِ وجفلَ فزعاً وعركَ عينيه وفتحَهما وقالَ متلعثماً :
-      أين أنا ؟!!
وانكمشَ في نفسِه .
لكن أحداً من الحيواناتِ لم يسمعْهُ .
الدراجةُ التي هوت متعبةً إلى جوارِه نظرَت بأسى إلى عجلاتِها التي تفككَتْ وقالَتْ دون أن يسمعَها :
-      انظرْ إلى المأزقِ الذي أوقعتَنا فيه بتصرفاتِك الطائشةِ .
 بينما خطرَ في بالِ باسم إنه لن يستطيعَ الخروجَ من هذا الموقفِ أبداً ، لذلك سقطَتْ الدموعُ الحارةُ على خديه وظل يرددُ وصوته يرتجفُ قلقاً :
-      أنا تائهٌ .. أنا وحيدٌ وفاشل .
    ماذا أستطيعُ أن أفعلَ ؟
أما الأسدُ فكان يرقبُ الحيواناتِ ويستمعُ إلى حديثِهم واختلافِهم حول جنسِ الكائنِ الغريبِ .
 فقاطعَهم وقالَ :
-      لا هذا ولا ذاك .
إنه ينتمي إلى بني الإنسانِ .
-      الإنسانُ ؟!
تساءلَتْ الحيواناتُ باستغرابٍٍ واستنكارٍ .
ثعلوبُ المكارُ انكمشَ على نفسِه وهمسَ قائلاً : ( لم يكن ينقصني إلا وجودَ الإنسانِ هو الآخر بالغابةِ  - ذلك المشهورُ بصناعةِ الفخاخِ لعشيرتي من الثعالبِ !) .
وأنصَتْ بترقبٍ ولهفةٍ إلى حديثِ الحيواناتِ .
رفعَ الفيلُ زلومتَه عالياً بمعنى إنه غاضبٌ وقالَ :
-      وما الذي أتى بالإنسانِ إلى غابتِنا ؟
قالَ الأسدُ :
-      وجدته عند أطرافِ الغابةِ وأمرت الحراسَ أن يحملوه إلى هنا .
اعترضَ الفيلُ وقالَ :
-      وهل يُحضرُ أحدٌ عدوَّه إلى بيتِه .. إننا في غنى عن تعريضِ أنفسنا للخطرِ ؟!
الحيواناتُ هزهَا الخوفُ ، تقلّبَت غيظاً وهمهمَت فيما بينها ورددت :
-      عدونا؟
-      هذا صحيحٌ .
-      لقد أسرَّ الكثيرَ من الحيواناتِ وحبسَها في أقفاصٍ بحدائقِ الحيوان .
-      وأساءَ معاملةَ الحيواناتِ الأليفةِ التي تتفانى في خدمتِه ولم يدفعْ مقابلاً لعملِها إلا الزهيدَ من الطعامِ .
خارت بقرةٌ ونهقَ حمارٌ وهزا رأسيهما تأييداً للجملةِ الأخيرةِ .
-  قتلَ كثيراً من الحيواناتِ دون ذنبٍ ليكتسيَّ بجلودِها وليحصلَ على عاجِها أو فراءِها ليستخدمَها في ملابسِه وزينتِه .
وقالَ الثعلبُ المكارُ :
-      ولم يستطعْ أحدٌ من السباعِ أو الوحوشِ المفترسةِ هزيمته .
وسكَت قليلاً ثم أضافَ بصوتٍ مختلفٍ فيه تحذيرٌ ووعيدٌ للحيواناتِ :
-  إن شرَّ الإنسانِ لا حدود له .. لقد سمعت من الحيواناتِ التي جاءَت من خلفِ تخومِ المملكةِ إنَّه يقتلُ المئات والآلاف من بني جنسه في الحروبِ التي يشنُها كلَّ يومٍ .
     إنه يعشقُ القتلَ والدمَ ويكرهُ الحياةَ ..
ولو عرفَ طريقَ غابتِنا سيقضي على مملكتِنا .
 القردُ المهذارُ قفزَ من مكانِه وصعدَ إلى ظهرِ الفيلِ وأمسكَ بإحدى أذنيه الكبيرتين وقالَ :
-      لا مكان للإنسانِ بيننا .
أزاحَ الفيلُ القردَ المهذارَ عن ظهرِه وأسقطَه على الأرضِ ، ثم مالَ برأسِه ووضعَ وجهَه في مواجهةِ وجهِ القردِ وقالَ :
-      ها ها  .. يا خفيف الظلِ ..
   لماذا تزعقُ بوجهِي وأذني ..
   ابتعدْ عني ، لقد أجفلتني وأخفتني .
جرجرَ الأسدُ قدميه وسارَ متمهلاً بين الحيواناتِ وأشارَ إلى أن بعض البشرِ سيئين ، يقتلون ، ويدمرون ، ويغتصبون حقوقَ الغيرِ ، لكن الكثير منهم نافعين للحياةِ ولا يتوقفون عن السعي للارتقاءِ بالحياةِ وتحسينها .
وأشارَ إلى أن جدتَه كانت تكررُ الجملةَ الأخيرةَ دائماً .
الحمامةُ الوديعةُ آمنّت على كلامِ ملكِ الغابةِ وقالَت :
-  إذا كان بعض البشرِ يسيئون معاملةَ الحيواناتِ فقد رأيت في رحلاتي كثيراً منهم يحبون الحيواناتِ والطيورَ ويتعاملون معهم برفقٍ .
فليس كلَّ البشرِ من الصيادين وتجارِ العاجِ والفراءِ .
ثم أضافَتْ :
-  ويكفي للإنسانِ شرفاً أن ينتسبَ إليه نبيُ الرحمةِ سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وكان أرحمَ الخلقِ بكافةِ المخلوقاتِ .
-      عليه الصلاةُ والسلام .
هكذا رددت الحيواناتُ بخشوعٍ .
  لكن الثعلبَ المكارَ الذي لم يعجبه الحوارَ السابقَ ، فهزَ رأسَه بمعنى إنه غير موافقٍ وقالَ  :
-      إن الخطرَ الأعظمَ الذي يهددنا أن يعيشَ الإنسانُ بيننا .
ثم صمَت برهةً وأردفَ :
-      وإذا بقي بيننا لن تحظَّ الغابةُ بعد اليومِ بالأمانِ .
الأسدُ أشارَ إلى ثعلوبِ المكارِ وقالَ :
-      هونْ عليك الأمر يا ثعلوب ..
إنه مجردُ ولدٍ صغيرٍ ، ولا يوجد خطرٌ من الأطفالِ .
امتصَ الفيلُ قلقَه وقالَ :
-      وما حاجتنا إلى الإنسانِ يا مولاي الملك ؟
-      ربما استطاعَ أن يفيدَنا أو يفيدَ وطنَنا الغابةَ .
كان باسمُ يستمعُ إلى حوارِ الحيواناتِ ويمسكُ رأسَه بكفيه ويرددُ في نفسِه :
( كيف سأفيدهم وأنا لا أستطيع أن أفيدَ نفسي وأخلصها مما هي فيه .. قصيرُ النظرِ لا يرى أبعدَّ من قدميه )
وكان يقصدُ الأسدَ بالجملةِ الأخيرةِ ، لكنه لم يكن يعرفُ إنها تنطبقُ عليه هو الآخر .
في الوقتِ عينه طردَ الهواجسَ المخيفةَ عن نفسِه وقالَ :
-      على الأقل يريدونني حياً ! .
 نهقَ الحمارُ وقالَ :
-      لكنه قد يغضبُ ويؤذينا جميعاً .
لكن الأسدَ طمأنَّه وقالَ :
   - طالما كنا يداً واحدةً لا يستطيع أحدٌ أن يؤذينا .
الدبُ الكسولُ أشاحَ بيدِه في وجهِ الحيواناتِ وقالَ :
-      وكيف سيفيدنا الإنسانُ ولست أرى له أنياباً أو مخالبَ أو قرون ؟!
أما نمورُ الشرس فقالَ :
-      سمعت كثيراً عن الإنسانِ ..
  يقولون إن لحمَه شهيٌّ وطيبُ المذاقِ ويشفي كثيراً من الأمراضِ العضال .
حينها تخيل باسمُ نفسَه داخل سندوتش من العجائنِ يتأهبُ النمرُ لالتهامِه ، فوضعَ كفيه على عينيه وأغمضَهما وصاحَ :
-      يا للبشاعةِ !!!!!!!!!!!
زأرَ الأسدُ في وجهِ نمور غاضباً وقالَ :
-      حذار يا نمور أن تمسَه بسوءٍ .
  إنه هنا لأمرٍ يهمُ الحيواناتُ ولصالحها ،وليس ليصبح وجبةً على مائدتِك النهمةِ.
ولما كان من الأفضلِّ للولدِ أن يعيشَ بين الحيواناتِ بدلاً من أن يصبحَ وجبةً بين أضراسِ نمورِ الشرسِ فقد تقبلَ الأمرَ .
القردُ المهذارُ قالَ بتكبرٍ واستعلاء :
-      وماذا يملك الإنسان ليقدمَه لنا ؟
ابتسمَ الملكُ وقالَ :
-      يمتلك العقل الذي يميزه عن باقي المخلوقات .
-      وما هو العقلُ ؟
هرشَ الأسدُ رأسَه وهزها بعد تفكيرٍ وعقب قائلاً :
-      لا أعرف .
-      ..................
-  جدتي كانت ترددُ دائماً أن الإنسانَ يمتلك العقل ، وأن العقلَ شيءٌ ثمينٌ جداً جعلَه ينتصرُ على الطبيعةِ الصعبةِ ويروضُها لصالحِه ويهزمُ أقوى الحيواناتِ ويقهرُها حتى صار سيداً للمخلوقاتِ كلِّها .
ولما كان من الواضحِ أن الحيواناتِ استجابَت لرغبةِ الأسدِ انسحبَ الثعلبُ المكارُ غاضباً وصاحَ وهو يغادرُ الحيواناتِ :
-      لقد حذرتكم ولم يستمعْ أحدٌ لنصيحتي .
بينما كان يحجلُ بخطواتِه ويُحدثُ نفسَه ويقولُ بصوتٍ هامسٍ : ( سنرى أيها الإنسان من منا الذي يمتلك العقل ومن سينتصر على الآخر؟ ) .
وكان مخطئاً في هذا لأن الإنسانَ وحده من بين المخلوقاتِ الذي يمتلك العقل .
أما باسمُ فكان يستمعُ إلى كلامِ الأسدِ عن رأي جدته في الإنسانِ ويقولُ في نفسِه :
( يا لسذاجةِ تلك الجدة الطيبة .. من الواضح إنني سأصبح ضحيةَ فلسفتِها وحكمتها الساذجة ) .
(6) ملك طيب يفكر في مصلحة الغابة
في صباحِ اليومِ التالي أحضرَ الحراسُ باسمَ إلى الأسدِ في عرينِه .
الأسدُ مدَ يدَه وصافحَه وقالَ :
-      اسمي ضرغام ملكُ الغابةِ ..
وهؤلاء قومي وشعبي .
وأشارَ إلى الحيواناتِ الملتفةِ حوله .
 تنهدَ باسمُ وقالَ :
-      وأنا اسمي باسم .
الأسدُ لفظَ شيئاً من بقايا طعامٍ بفمِه إلى الأرضِ فأثار استهجانَ باسم لأنه لم يكن سلوكاً متحضراً ولأنه لم يغسلْ أسنانَه بالفرشاةِ بعد الطعامِ ، أما الحيواناتُ فلم ترَّ في الأمرِ شيئاً غريباً .
تحدثَ الملكُ فسادَ صمتٌ مطبق وسكونٌ تام ، وقالَ :
-  منذ توليت حكمَ الغابةِ وأنا أريدُ أن أقدمَ لشعبي شيئاً ، فلا معنى لوجود ملكٍ أو حاكمٍ لا يفعل شيئاً لشعبِه .
ويوماً بعد يومٍ تتكاثرُ الحيواناتُ ويزدادُ عددُها ويقلُ الطعامُ والغذاء .
 و الحيواناتُ أصابَها داءٌ غريبٌ جعلَها باتت أكثَّرَ كسلاً ولا تعرف أن تقومَ بعملٍ مفيدٍ لها أو للغابةِ .
ولا أحدٌ يستطيع وحده أن يفعلَ كلَّ شيءٍ .
وعندما وجدتك عند أطرافِ الغابةِ وعرفت إنك تنتمي إلى بني الإنسانِ عرفت ساعتها أنني أستطيع أن أقدمَ لهم الكثيرَ عندما أصطحبك لتعيشَ معنا في غابةِ الحيوانِ .
  تعاطفَ باسمُ مع الأسدِ ، فقد كان من الواضحِ إنه يتكلمُ بصدقٍ وحبٍ لشعبِه من الحيواناتِ ، وحين يكون أحدٌ صادقٌ في كلامِه فإننا نشعر بصدقِه ، لكن باسمَ في الوقتِ ذاته كان يشتاقُ إلى بيتِه وإلى أبيه وأمِه وأصحابِه .
 قالَ باسمُ :
-      لكنني أريدُ أن أعودَ إلى بيتي .
قالَ الأسدُ :
-  بالتأكيدِ سنتركُكَ تعودُ إلى بيتِك ولكن بعد أن تعلمَنا شيئاً مما تعرف ، وتساعدنا في معرفةِ السببِ الذي جعلَ الحيواناتِ كسولةً ومهملةً ، وتساعدنا في علاجِ المرضِ الذي أصابَها .
الولدُ قالَ لنفسِه : ( هل أنا طبيبٌ لأعالجَ أمراضَهم ؟! ) .
الشمسُ الطيبةُ نظرَتْ إلى سحابةٍ عابرةٍ وقالَتْ باطمئنان :
-      الحمد لله إنه لا يفكر بأذيته ..
يبدو إنه ملكٌ طيبٌ للغايةِ .
وأزاحَتْ الظلَ بعيداً وزحفَت شعاعاتُها الدافئةُ نحوَهم بسعادةٍ .
فكرَ باسمُ في كلامِ الأسدِ وقالَ :
-      وماذا أستطيعُ أن أعلمَكم ؟
  وكان يفكرُ ويقولُ في نفسِه :
  ( هل يستطيعُ ولدٌ رسبَ في الامتحانِ أن يعلمَ أحداً ؟ ) .
-      تستطيعُ أن تعلمَنا كلَّ شيءٍ تعلمته .
هكذا أجابَ الملكُ وهو ينظرُ إلى الحيواناتِ حوله .
مرَ باسمُ براحةِ يده فوق جبهتِه وصمتَ للحظاتٍ استدعى فيها الأشياءَ التي كان يستطيعُ القيامَ بها بشكلٍ صحيحٍ والأشياءَ التي ظن أنها كانت مفيدةً له وللآخرين حوله ووجدها قليلة جداً .
وفكرَ بنفسِه على إنه يشبهُ كرةً بلاستيكية تتدحرجُ دائماً بعيداً عن الهدفِ .
 لكن فجأة تداعت على رأسِه أفكارٌ حماسيةُ فصاحَ قائلاً :
-      أستطيعُ أن أعلمَكم أشياءَ كثيرة ..
أنا بارعٌ في لعبِ الكرةِ ، وأستطيعُ أن أعلمَكم لعبَ المساكةِ وألعابَ الفيديو جيم .
إنها ألعابٌ مسليةٌ جداً .
الشمسُ التي كانت تستمعُ إلى حديثِهم أشاحَتْ بوجهِها بعيداً و توارت  خلفَ سحابةِ بيضاء وحيدةٍ وقالَتْ باستسلامٍ :
-      لا يوجد أملٌ في ذلك الولدِ الغريب ..
    إنه لا يفكر في شيءٍ غير اللعبِ والمرحِ !
  أما الحيواناتُ فكانت تنصتُ إلى الحوارِ وقد حبسَت أنفاسَها ، لكنها لم تكن بحاجةٍ لأحدٍ يعلمُها لعبَ الكرةِ ، فكثيراً ما استخدمت ثمارَ جوزِ الهندِ ككرةٍ كبيرةٍ ولعبَت بها ، كما إنه لا أحد يستطيع مجاراتها في لعبِ المساكةِ .
 لكن لم يعرفْ أحدٌ من الحيواناتِ ماذا يقصدُ الولدُ بألعابِ الفيديو جيم  .
 القردُ المهذارُ نزعَ عن عينيه نظارتَه الشمسيةَ وأشاحَ بها في وجهِ باسم وسألَه باهتمامٍ :
-      ماذا تقصد بالفيديو جيم ..
    هل يشبهُ التعلقَ بشجرةٍ ؟!
اندهشَ باسمُ وقالَ لنفسِه : ( هل يوجدُ أحدٌ لا يعرف ألعابَ الفيديو جيم ؟ .. للأسفِ بهذا الشكلِ لن أستطيعَ مساعدتَهم بشيءٍ ) .
وسألَ مستفسراً :
-      ألا يوجد عندكم كمبيوتر أو أتاري ؟
هرشَ الأسدُ رأسَه ورأى أحلاماً جميلةً - تنتظرُ الغابة على يدي هذا الولد - تطيرُ أمامَ عينيه ويكادُ يمسكُ بها .
 انتشى سعيداً وقالَ في نفسِه : ( هذا الولد يعرفُ الكثيرَ ولابُدَّ أن نستفيدَ منه ويعلمنا أشياء كثيرة لم نعرفها من قبل ) .
وهزَ رأسَه وقالَ :
-      من اليومِ ستصبح معلماً بالغابةِ تعلمُ الحيواناتِ العلومَ والحسابَ والأشياءَ الرائعةَ التي تعرفها .
وستجدُ معنا صحبةً لطيفةً وأصدقاء .
  طافَ باسمُ بنظراتِه في المكانِ .. لم يكن يعجبُه أن يقضيَّ الأجازةَ حبيساً بالمنزلِ ، والآن كُتِبَ عليه أن يقضيها في هذا المكانِ الذي لا يوجد به كمبيوتر أو تلفزيون أو مدن الملاهي التي يحب ركوبَ سياراتِها المشدودةِ بسلكٍ والتناطح مع باقي السائقين .
 خفضَ رأسَه ونظرَ إلى الأرضِ ورددَ بغضبٍ :
-      يا لحظي العسر .
وعندما رفعَ رأسَه وجدَ الثعلبَ يحدقُ فيه بعينين حمراوين .
ولم يكن باسمُ يحبُ أن يحدقَ فيه أحدٌ بهذه الصورةِ ، ووردت على رأسِه قصصٌ كثيرةٌ عن الثعالبِ ومكرِها ، فقالَ وهو يقصدُ بكلامِه الثعلبَ المكارَ : إن من يهمل واجباته قد يتعرض لجزاءٍ شديدٍ قد يصل إلى حبسِه في حجرةِ الفئران .
لكن الحيواناتِ لم تنزعجْ وقالَتْ باستغرابٍ :
-      وما العقاب في ذلك .
فالفئرانُ طيبةٌ بأيةِ حالٍ ولا تشكل عقاباً لأحدٍ ؟
تأهبت الحيواناتُ لتنصرفَ وتذهب إلى مزارعِ الغابةِ لتتناولَ إفطارَها من زهرةِ الحقلِ الحمراءِ وترتوي من عينِ النبعِ .
لكن الأسدَ تذكرَ شيئاً فأشارَ إلى الحيواناتِ وسألَها :
-      مالي لا أرى الديكَ ذا العرف الأحمر بينكم
ولِمَ لـمْ يصحْ اليوم كعادته ويوقظني ؟
الطاووسُ جارُه في الحظيرةِ قالَ بأسى :
-      أعذره يا مولانا الملك ..
فبالأمسِ اختفت دجاجةٌ من الحظيرةِ ولم يعرفْ أحدٌ طريقَها ، ولابُدَّ أن الحزنَ والتعبَ غلباه فلم يستيقظْ مبكراً ويؤذن كعادته كلّ فجرٍ .
شعرت الحيواناتُ بالأسى والأسفِ لاختفاءِ الدجاجةِ الودودة ، بينما صاحَ الثعلبُ المكارُ وقالَ :
-      يا للمسكينةِ .. لم تبخلْ عليَّ يوماً بمعونةٍ .
ألم أقل لكم أن الغابةَ لن تحظى بأمانٍ وأحد من بني الإنسانِ بيننا ؟!
وكان يقصدُ أن يستفزَ الحيواناتِ على الولدِ .
 لكن أحداً لم يلتفتْ إلى كلامِ الثعلبِ المكارِ عن الولدِ الذي يعيشُ معهم بالغابةِ لأنه لم يغادرْ قفصَه منذ أحضره الحراسُ .
فما ذنبُ الإنسان في اختفاءِ دجاجةٍ من حظيرةِ الدجاج ؟
(6) الدرس الأول حكاية جميلة
غسلَتْ الشمسُ الغابةَ بنورِها بعد أن صلت فرضَها ورفعَتْ كفَها إلى السماءِ ودعت ربها وقالَتْ :
-      يا رب أعدْ الولدَ سالماً إلى أهلِه .
 فلا يتصور أحدٌ المرارةَ التي يسببها غيابُ أحدٍ عن بيتِه .
وكان باسمُ يجلسُ بحضنِ شجرتِه المورقةِ التي اتخذها بيتاً وأطلقت الحيواناتُ عليها اسمَ مدرسة .
إلى جوارِه ترقدُ دراجتُه التي لفت عجلاتَها ببعض أوراق الشجر حتى تلتئمَ جراحُها وشردَتْ بنظراتِها بعيداً تسترجعُ ذكرياتِها الجميلةَ في الجري والتسابقِ بالشوارعِ والطرقِ النظيفةِ المرصوفةِ .
هبت الحيواناتُ من نومِها واجتمعَتْ عند الشجرةِ التي سموها المدرسة وضربَتْ الأرضَ بحوافرِها محدثة ضجة كبيرة .
 القردُ المهذارُ حملَ بوقاً ونفخَ فيه ، والضفادعُ الطيبةُ اصطفَت في طابورٍ طويلٍ وبدأت تعزفُ نشيدَ فرقةِ الضفادعِ الموسيقيةِ الذي تشتهرُ به ، بينما شاركَت الحيواناتُ بالرقصِ والغناءِ والتهليل .
 حين انتهت من عزفِها وتوقفت الحيواناتُ عن الغناءِ كان على باسم أن يقولَ شيئاً .. فكرَ للحظاتٍ وخطرَ في بالِه إن استطاعَ أن يفعلَ شيئاً مفيداً فلِمَ لا يفعله ؟ .
ألتفَتَ إلى الحيواناتِ وقالَ :
-      ما رأيكم أن أحكيَّ لكم حكايةً ؟.
هزَّ الأسدُ رأسَه وهمسَ لنفسِه :
-      لم تكفْ جدتي أبداً عن روايةِ الحكاياتِ ..
لقد كانت بحقٍ أعظمَ مُدرسةٍ في حياتي .
ظلت الحيواناتُ صامتة تترقبُ ، ولم يعرفْ الولدُ هل عليه فعلاً أن يحكيَّ حكايةً أم يعتذرَ لهم ويقولُ إنه لا يستطيعَ أن يعلمَهم شيئاً.
 لكنه وجدَ نفسَه يرددُ عليهم حكايةً أعتادَ أن يسمعَها من أبويه واعتادا أن يقولا له إن الحكايةَ بإمكانِها أن تساعدَ في إصلاحِ حالِ إنسانٍ وتغييرِه إلى الأفضلِ .
لكنه لم يكن يعرفُ ماذا يقصدان بكلامِهما ويكتفي بالاستمتاعِ بالحكايةِ .
   وفكرَ إنها ربما راقَتْ للحيواناتِ واستمتعوا بها فقررَ أن يحكيَّها لهم وقالَ :
 ( أرادَ ولدٌ أن يتعلمَ من شيخٍ عجوز معنى الحياةِ .
 الشمسُ كانت تجزُ على أسنانِها وتهمسُ في أذنيه : ( جاءَ ليتعلمَ من رجلّ حكيمٍ يسكنُ قصرَ الحكمةِ معنى السعادةِ وكيف يمكنه أن يحصلَ عليها ؟ ) .
 لكنه لم ينتبه لها وواصلَ حكايتَه وقالَ : وكان الشيخُ العجوزُ يجمعُ أهلَ قريتِه حوله ، يلعبون الألعابَ الجميلةَ المسليةَِ ويحكون القصصَ الشيقةَ مثل حكايةِ السندباد وحكايةِ علاء الدين ومصباحه السحري .
 ثم صمَتَ لحظةً وأردفَ قائلاً :
-      واوو .. لا يوجد أجمل من حكايةِ الجني وعلاء الدين
  أنهما يقومان بأشياءٍ خارقةٍ لا يستطيع غيرهما القيام بها .
   هل أحكيها لكم أولاً .. أنا واثقٌ إنها ستعجبكم ؟
ألتفتَتْ الشمسُ إلى السحابةِ البيضاءِ وهزت رأسَها وقالَتْ بأسفٍ :
-      إنَّه لا يجيد أن ينهيَّ شيئاً بدأَه كما يجب .
السحابةُ البيضاءُ قالَتْ للشمسِ باستغرابٍ :
-      هوني عليكِ .. إنَّه مجردُ ولدٍ صغيرٍ ويقولُ أشياءً جميلةً بأيةِ حال .
أما الأسدُ فكان يفكرُ بالشيخِ العجوزِ على إنَّه يشبهُ جدتَه التي كانت تجمعُ الحيواناتِ حولها وتحكي لهم القصصَ المسليةَ عن الإنسانِ ، وأشارَ لباسم وقالَ :
-      لا .. نريدك أن تكملَ حكايةَ الشيخِ والولدِ أولاً .
احتجَ باسمُ وقالَ إنها ليست حكايةَ الشيخِ والولدِ إن اسمَها حكايةَ ملعقةِ الزيتِ .
شعرَ الأسدُ كأن أحداً مزقَ ملابسَه أمامَ الحيواناتِ وأحسَ بالخجلِ لأن ولداً صغيراً يصححُ له أخطاءَه ويسخرُ منه أمامَ شعبِه ، فنكسَ رأسَه ومسحَ على شعرِه الذي لصقَه وصففَه بعنايةٍ وأنصتَ دون أن يحاولَ التعقيبَ ثانية .
أما باسم فلم يشعرْ أن ما قاله فيه إحراج لأحدٍ فواصلَ حكايته وأردفَ قائلاً : 
ذهبَ الولدُ إلى الشيخِ العجوز لكنه لم يستطعْ أن يصلَ إليه بسببِ ازدحامِ الناسِ حول مجلسِه ووقفَ بعيداً ينتظرُ أن يقومَ أحدٌ أو يستطيعَ أن يشقَ طريقاً إليه .
الشيخُ العجوزُ شاهدَه يقفُ في أخرِ مجلسِه فأشارَ له وسألَه :
-      هل تريدُ شيئاً أيها الولد ؟
-      جئتُ إليكَ لتعلمَني معنى الحياة ..
أو معنى السعادةِ .
 فلا يوجد فارقٌ كبيرٌ بين السؤالين ، لا أتذكر تماماً ماذا قالَ فأنا لم أكن معهما .
هكذا قالَ باسمُ .
هزَّ الفيلُ زلومته مؤيداً لكلامِ الولدِ وقالَ :
-      حقاً لا يوجد فارقٌ .
تعلقَ القردُ المهذارُ بغصنِ شجرةٍ وقالَ :
-      المهم ماذا قالَ الشيخُ العجوز ؟
لم يقلْ شيئاً .. وضعً إصبعَه خلفَ إحدى أذنيه وفتحَها جيداً وقالَ :
-      شيخٌ هرِّمٌ مثلي لا يمكن أن يسمعَ صوتاً بعيداً وضعيفاً .
وأشارَ للولدِ ليقتربَ وجعلَ الناسَ يفسحون له طريقاً إليه .
الولدُ من جانبِه اقتربَ من أذنِه وزعقَ قائلاً :
-      جئتُ إليكَ لتعلمَني معنى الحياةِ ..
   الشيخُ الهرِّمُ مسحَ على لحيتِه البيضاء وقالَ إنه يحتاجُ الكثيرَ من الوقتِ ليستطيعَ أن يعلمَه معنى السعادةِ وكيف يحصلُ عليها .
 إنه كما يرى مشغولاً مع أهل قريته دائما .
 ولكن حتى يجدَ الوقتَ المناسبَ لاستقبالِه أعطاه ملعقةً ووضعَ بها زيتاً وقالَ له :
-      خذْ الملعقةَ وأمسكْها بيدِكَ واذهبْ إلى القريةِ وفي أخرِ النهارِ عُدْ وقلْ لي ماذا شاهدت .
الولدُ أخذَ ملعقةَ الزيتِ وذهبَ إلى القريةِ وعادَ في المساءِ وقالَ إنَّه رأى تلالاً خضراءَ تكسوها غاباتٌ وكرومٌ وبينها شيدت بيوتٌ وعمائرُ وقصور ورأى الشمسَ مشرقةً تغني والسماءَ زرقاءَ في زرقةِ أزهارِ الحنطةِ والنهرَ تنسابُ موجاتُه بناتُ البحرِ رائقةً والأشجارَ خضراءَ يانعةً تطرزُها عصافيرُ ملونةٌ تغردُ ورأى الأزهارَ متفتحةً والفراشاتِ بألوانِها الزاهيةِ ترفُّ .
 لكن الشيخَ نظرَ إلى الملعقةِ التي سقطَ منها الزيتُ وقالَ :
-      ما قيمة أن تشاهدَ كلَّ ما رأيت وقد سقطَ الزيتُ منك ؟
من المهمِ وأنت تستمتعُ بالحياةِ ألا تجعل الأشياءَ الهامةَ التي تمتلكها تسقطُ منك في الطريقِ .
***
انصرفَتْ الحيواناتُ منتشيةً بالحكايةِ الجميلةِ وبعضها كان يحاولُ ترديدها بين نفسِه من جديدٍ ، ولم يلحظْ أحدٌ أن العنزةَ الطيبةَ لم تحضرْ إلى المدرسةِ .
أما الثعلبُ الذي بدا أنه استحمَ وغسلَ معطفَه وجففَه فتأخرَ عن باقي الحيواناتِ ووقفَ إلى جوارِ الأسدِ وسألَه :
-      هل وجدَ أحدٌ الدجاجةَ التي اختفت ؟
الأسدُ طأطأَ رأسَه إلى الأرضِ وقالَ بأسفٍ :
-      لم يتوصلْ أحدٌ إلى شيءٍ بشأنِ اختفائِها .
في هذه الأثناءِ حطَّ غرابٌ بالقربِ منهما وقالَ :
-      يا مولاي الأسد ..
أحدُ صغارِ العنزةِ الطيبةِ اختفى ، ووجِدَت آثارٌ لدماءٍ بالقربِ من وادي الماعزِ والخرافِ .
ونخشى يا مولاي أن يكون أصابَه مكروه .
الأسدُ بدا منزعجاً من حوادثِ الاختفاءِ التي بدأت تتكررُ بكثرةٍ في الآونةِ الأخيرةِ .
كما ظهرَتْ عليه ملامحُ الغضبِ والحزنِ وحدقَ طويلاً في وجهِ الثعلبِ الذي كان يعضُ على شفتيه .
تراجعَ الثعلبُ المكارُ خطوةً إلى الوراءِ وانحنى برأسِه لملكِ الغابةِ وقالَ مفتعلاً الأسى :
-      أنا في غايةِ الأسفِ لما حدثَ للعنزةِ الطيبة .
كلنا نحبُ العنزةَ ونتعاطفُ معها ..
ولم تكن تستحقُ أبداً ما حدثَ لصغيرِها .
وفجأة أطفأت الشمسُ نورَها وتوارت خلفَ غمامةٍ رماديةٍ ورددت بغضبٍ :
-      كم هي بارعةٌ الثعالبُ في ترديدِ الأكاذيبِ ؟!
 (7) حيوانات كسولة لا تحب اللعب!
 أمسكَ باسمُ بمكنسةٍ لينظفَ مكانَه .
 وأصبح يشغلُه أن يتركَ لدى الحيواناتِ ذكرى طيبةً عن الإنسانِ ، مثل إنه يحبُ أن يعيشَ في مكانٍ نظيفٍ ومرتبٍ وألا يتكاسل في واجبٍ عليه القيام به ، ليمسحَ جانبَ الصورةِ الشريرَ الذي رسمته الحيواناتُ للإنسانِ في رأسِها .
  أما الحيواناتُ فلم يعدْ لها حديث إلا الحديث عن الحوادثِ التي جرت بحظيرةِ الدجاجِ وبوادي الماعز .
  والثعلبُ المكارُ كعادته قالَ إنَّ هذه الحوادثَ لم تتكاثرْ إلا منذ عاشَ الإنسانُ بيننا ، ولم يملْ من تكرارِ أقواله السخيفة وترديدها في كلِّ وقتٍ .
  لكن الحيواناتِ لم تتأثرْ بما يقولُ ، وكانت تتعاملُ مع باسم برقةٍ وذوقٍ وحبٍ ، ولم تشكْ أبداً بوجودِ علاقةٍ بين وجودِ الولدِ بالغابةِ وبين الحوادثِ التي جرت ، رغم قناعتها الراسخة بأن الشرَ والإنسانَ متلازمان ، لكن ليس مع ولدٍ كباسم .
 وفاجأت الحيواناتُ باسمَ في الصباحِ ، وحضرَ كلُّ حيوانٍ يحملُ في يده ملعقةً ويسيرُ بها .
البعض كان يضعُ في ملعقتِه زيتاً والبعض الأخرُ حين لم يجدْ زيتاً وضعَ فيها الماءَ من عينِ النبعِ .
وآخرون حملوا ملاعقَهم دون أن يضعوا فيها شيئاً .
الأسدُ الممسكُ بملعقتِه تقدمَ إلى الولدِ وقالَ :
-      لا أستطيع أن أعبرَ عما استفدت من قصةِ الأمسِ ، لكنني استمتعتُ بها كالأشياءِ التي كانت تقولُها جدتي .
  واعتقدَتُ بعد سماعِها أن هناك أشياءَ كثيرةً حولنا يجبُ أن نتأملَها باهتمامٍ .
ولم يكن ما قاله الأسدُ كلَّ ما قصدَته القصةُ ، لكنَّه من الجيدِ إنه فكرَ بالقصةِ واستخرجَ منها الأشياءَ التي علقَتْ بقلبِه وأفكارِه .
ابتسمَ الولدُ ولم يعرفْ ماذا عليه أن يفعلَ مع الحيواناتِ التي اصطفَتْ أمامَه في طابورٍ طويلٍ وفي يد كلِّ واحدٍ منها ملعقة .
 لكنه عادَ وقالَ :
-      يمكننا أن نضعَ الملاعقَ هنا ونحصي عددَها معاً .
وأشارَ إلى حفرةٍ صغيرةٍ بالأرضِ وقالَ :
-      وهذا سيكون درسَ الحسابِ الأولَ عن الأرقامِ وعددها .
وضعَ الأسدُ ملعقتَه في الحفرةِ وقالَ : واحد .
 ثم مدَ الفيلُ زلومته ووضعَ الملعقةَ وقالَ : اثنان .
 الضفدعُ الكبيرُ قائدُ فرقةِ موسيقى الضفادعِ قالَ : ثلاثة .
 السلحفاةُ الطيبةُ قالَتْ : أربعة .
القردُ المهذارُ قامَ بحركةٍ بهلوانيةٍ وقالَ : خمسة .
حتى نمورُ الشرس تقدمَ بملعقتِه وقالَ : ستة .
وتوالت الحيواناتُ حتى وصلَ العددُ إلى الرقمِ ثلاثين .
  ومثلما أحبَتْ الحيواناتُ باسمَ ، أحبَها هو الآخر وأصبح يشاركُهم لعبَهم ومغامراتَهم ، ووجدَهم أكثرَ حماسةٍ ليتعلموا شيئاً جديداً ، فيلوم نفسَه لأنه أضاعَ أياماً كثيرةً بعيداً عن دروسِه ودون أن يقومَ بعملٍ نافعٍ أو يؤدي واجبَه بإتقانٍ .
لكنه سرعان ما يعود للاستمتاعِ باللعبِ ..
 يصنعُ من أغصانِ الشجرِ أرجوحةً ويطيرُ حتى يلامسَ السحاباتِ البيضاءَ ويداعبُ الشمسَ الغاضبةَ فتلسعُه بشعاعاتِها فيعودُ إلى البساطِ الأخضرِ يغازلُ الزهراتِ الملونةَ ويمتطي ظهرَ الفيلِ فلافيلو ويداعبُ صغارَه ويلاحقُ الغزلانَ ويتعلقُ بغصنِ شجرةٍ مقلداً القرد المهذار ويطاردُ ظلالَ الأشجارِ التي بدت كأشباحٍ خرافيةٍ تتجسسُ على الغابةِ وحيواناتِها .
 وعندما يشتدُ اللعبُ حماسةً تتوقفُ الحيواناتُ فجأةً وتقولُ إنها جاعَتْ وستذهبُ إلى الحقلِ لتتناولَ طعامَها وتعود لتكملَ اللعبَ .
 ينتظرُ باسمُ وحيداً .
لكنَّ انتظارَه يطولُ دون أن تعودَ الحيواناتُ وتستكمل لعبَها .
ينفعلُ باسمُ انفعالاً شديداً ويرجعُ إلى مكانِه بالغابةِ ويرددُ بصوتٍ غاضبٍ :
-      يا لها من حيواناتٍ كسولةٍ حتى في اللعبِ .
لقد كان الأسدُ محقاً في كلِّ ما قالَ .
(8) حلم جميل قد يغير الحياة
  جلسَتْ الحيواناتُ حول باسمِ وانتظرَت أن يحكيَّ لها قصةً جميلةً أو يعلمَها شيئاً جديداً .
وكانت نسماتُ الصباحِ المنعشةُ والزهورُ العطرةُ تهبُ عليهم وتحلقُ بأجنحتِها وروائحِها حولهم .
لكن باسمَ لم يقلْ شيئاً ، وطلبَ من كلِّ واحدٍ أن يبحثَ في قلبِه عن حلمٍ جميلٍ يريدُ أن يحققَه ويحكيه لهم .
في البدايةِ تبادلَت الحيواناتُ النظرَ إلى بعضِها البعض وغطَّتْ وجوهَها الدهشةُ ، وسألَتْ نفسَها هل فكرَ أحدُهم في حلمِه الجميلِ الذي يتمنى تحقيقَه من قبل ؟.
ولم يجبْ أحدٌ .
لكن السلحفاةَ قطعَتْ الصمتَ بصوتٍ واهنٍ ونظرَتْ إلى الأرضِ وتساءلَت بخجلٍ :
-      هل يمكنني حقاً أن أحكيَّ لكم حلمي ؟
-      بالتأكيد ..
  نحن نشتاقُ إلى سماعِ حلمِكِ .
هكذا قالَ باسمُ مشجعاً .
تدحرجَتْ النظراتُ كلّها ناحيةَ السلحفاةِ الخجولةِ التي مسحَت عرقاً خفيفاً عن وجهِها وقالَت إنها تعيشُ حزينةً منذ اكْتَشَفَتْ أنَّها لا تَسْتَطيعُ المَشْيَ بسرعةٍ أو الجريَ والتسابقَ مِثْلَ باقي الحيواناتِ وإنها تحلمُ أن تصبح لها أجنحةٌ وتستطيع أن تحلقَ وتطيرَ مِثْلَ الطيورِ ، وتطوفُ بالدنيا الواسعةِ الفسيحةِ للأبدِ .
ثم أردفَتْ بصوتٍ مفعمٍ بالخيالِ :
-      هل يمكن أن تتخيلوا ما يعنيه التحليقُ ؟!.
وتنهدَت برضا وعمقٍ شديدٍ .
لكِنَّ الحيواناتِ أَخَذَتْ تَضْحَكُ مِنْهِا، فقد كان مَنْظَرَاً غَرِيباً لم يتخيله أحدٌ من قبل ، سلحفاةٌ بأجنحةِ طائرٍ تحلقُ في سماءِ الغابةِ .
القردُ المهذارُ قهقهَ عالياً وضربَ كفيه ببعضِهما وقالَ :
-      هل سمعتم عن سلحفاةٍ تطيرُ من قبل ..
كم سيكون منظراً مدهشاً ؟
والديكُ ذو العرفِ الأحمر قالَ باستهزاءٍ :
    - خُذي جُزءاً من ريشي إذا شِئْتِ .
توارت السلحفاةُ داخلَ بيتِها الخشبي خجلاً من نظراتِ الحيواناتِ وضحكاتِهم .
أما باسم فانتظرَ حتى هدأَت الحيواناتُ ثم قالَ :
-      ليس في الأمر ما يدعو للضحكِ ، الأشياءُ العظيمةُ غالباً ما تبدأ بحلمٍ قد يبدو صعباً أو مضحكاً في وقته.
   هكذا كانت تقولُ مُدرسةُ الفصلِ لنا .
ثم أردفَ قائلاً :
-      والإنسانُ صنعَ الطائرةَ بحلمٍ مِثْلَ حلمِ السلحفاةِ .
تعجبت الحيواناتُ وتساءلَت باندهاشٍ :
-      كيف حدثَ ذلك ؟
- كان حكيمُ الأندلسِ العالمُ المسلمُ عباسُ بن فرناس يحلمُ بمحاكاةِ الطيورِ والطيرانِ والتحليقِ مثلها وامتلكَه الحلمُ فظل يدرسُ الفلكَ والرياضياتِ ويشرحُ للناسِ حلمَه بالطيرانِ حتى كسا نفسَه بالريشِ وحاولَ تقليدَ الطيورِ لكن محاولتَه فشلَتْ ، ثم تبعَه أبو العباس الجوهري العالمُ اللغوي الذي صنعَ جناحين من خشبٍ وربطَهما بحبلٍ وحاولَ الطيرانَ لكنه سقطَ شهيداً للعلمِ والتجربةِ .
 ولم ينقطعْ حلمُ الإنسانِ ومحاولاتُه الطيران حتى تمكن الأخوان أورفيل ويلبار من الطيرانِ بالطيرانِ الآلي .
      فمع الحلم والعملِ والاجتهادِ لا يوجد مستحيلٌٌ .
ثم ربت باسمُ على ظهرِ السلحفاةِ وقالَ :
-      يا عزيزتي لا يجب عليكِ أن تخجلي من طبيعتكِ
       فلا أحد غيرك من الحيواناتِ يستطيعُ أن يحملَ بيتَه فوق ظهرِه ويسيرُ به مثلك .
الشمسُ كانت تستمعُ باستغرابٍ وتقولُ لنفسِها :
-      ما الذي غير هذا الولدَ وجعلَه يتكلمُ كحكيمٍ ؟!
أما باسمُ فلم يكن يقصدُ أن يتحدثَ كحكيمٍ  ، لكنه تعاطفَ مع السلحفاةِ وحلمِها وأرادَ أن يجعلَ حلمَها حياً داخلها .
الحيواناتُ فكرَتْ في كلامِ باسمِ وشردت مع السحاباتِ البيضاءِ التي طرزت السماءَ تبحثُ عن حلمٍ كبيرٍ وواسعٍ .
الأسدُ ملكُ الغابةِ قالَ إنه أيضاً يملك حلماً .
باسمُ قالَ بلا تردد :
-      هيا قلْه لنا بسرعةٍ .
بينما كان يتعجبُ من نفسِه أنه لم يفكرْ من قبل في حلمٍ جميلٍ يسعى لتحقيقِه .
الأسدُ قالَ :
-      أحلمُ دائماً بأن تكون لنا مدرسةٌ تتعلمُ فيها الحيواناتُ كالمدارسِ التي يتعلمُ فيها الأطفالُ من بني الإنسانِ .
فلن تتقدم الغابةُ إلا بالعلمِ ، والعلمُ يوجدُ بالمدرسةِ .
فكر باسمُ وقال لنفسه : ( يبدو إنني كنت مخطئاً حينما كنت أهملُ دروسيَّ وواجباتي ، من الواضحِ أن هناك كثيرين يتمنوا أن تُتاحَ لهم فرصةُ التعلمِ والالتحاقِ بالمدرسةِ ولا يجدوها ) .
وخطرَ في بالِه إن استطاعَ أن يفعلَ شيئاً مفيداً أو يقدمَ مساعدةً لأحدٍ فلِمَ لا يفعل ، وقالَ لنفسِه إنه مضطرٌ على كلِّ حالٍ للبقاءِ بالغابةِ حتى يأتيَّ أحدٌ من أهلِه ويعيدَه إلى بيتِه .
 ثم نظرَ إلى الأسدِ وقالَ بحماسٍ :
-      وما المانع ؟
من اليوم سنبدأُ في تحقيقِ حلمك وبناءِ المدرسةِ .
 (9) لماذا تتكاسل الحيوانات عن بناء المدرسة؟
-      ما أعجب حال حيواناتِ الغابةِ ؟
  هكذا قالَ باسمُ لملكِ الغابةِ بعد أن اعتقدَ إنه بذلَ كلَّ ما يستطيع مع الحيواناتِ لحثِها على العملِ .
  وهو لا يعرفُ السببَ الذي يجعلُ حيواناتِها تعيشُ متكاسلةً لا تريدُ أن تفعلَ شيئاً مفيداً وتكتفي أن تستلقيَّ على بطونِها تحت ظلِّ الأشجارِ الوارفةِ طيلةَ النهارِ .
فقد تحمسَتْ الحيواناتُ لفكرةِ بناءِ المدرسةِ وذهبَت لتتناولَ إفطارَها لتكون قادرةً على العملِ الذي ينتظرُها من تقطيعِ الأشجارِ وحملِها إلى المكانِ المخصصِ لبناءِ المدرسةِ وصناعةِ الحبالِ التي سيربطون بها جذوعَ الأشجارِ وإحضارِ الصخورِ التي ستستخدمُ كمقاعد وغيرها من المهامِ التي كلفها باسمُ بها .
 لكن باسمَ والأسدَ ظلا ينتظران دون أن تأتيَّ الحيواناتُ أو تقومَ بعملٍ مما اتفقوا عليه حتى ارتسمَتْ علاماتُ اليأسِ على ملامحِهما.
الأسدُ انفعلَ انفعالاً شديداً وأخرجَ منديلَه من جيبِه ونظفَ عينيه ومسحَ العرقَ عن جبهتِه وعقبَ قائلاً :
-      إنه لأمر عجيب حقاً جعلَ الغابةَ تعاني من المشاكلِ .
فحيواناتُ الغابةِ لا تستطيعُ القيامَ بعملٍ مفيدٍ لصالحِ الجماعةِ ، ونمورُ الشرس لا هم له إلا اصطياد فرائسه والتهامها لإشباعِ بطنه التي لا تشبع .
تساءلَ باسمُ باندهاشٍ :
-      وهل كان هذا حالهم دائماً ؟
-  لا بالتأكيدِ وإلا لماتت من الجوعِ .. الحيواناتُ كانت تعملُ بجدٍ ونشاطٍ في شقِ الترعِ وحرثِ الأرضِ وزراعتها وريها .. كلُّ حيوان كان يقومُ بعملِه على أكمل وجهٍ ولم يكن أحدٌ يتكاسلُ عن عملِه وواجبِه .
-      وماذا حدث ليتغيرَ حالها ؟
-      لا أحد يعرفُ بالتحديدِ ما حدثَ ..
منذ عدةِ شهورٍ تبدلَ حالهُا ولم يعدْ لأحدٍ رغبةٌ في العملِ وأهملَ كلٌّ منهم عملَه حتى أصبحت الغابةُ كما ترى ، بارت الأرضُ ونفدَ الطعامُ وانتشرت الأوبئةُ والأمراضُ .
 وأخشى على الحيواناتِ من مجاعة تهدد حياتنا جميعا .
 كان حالُ الحيواناتِ غريباً حقاً ، ما أن تنتهي من دروسِ الصباحِ حتى يراها باسمُ تترنحُ بين الأشجارِ وترقدُ منهكةً من التعبِ .
الدراجةُ التي تماثلَتْ للشفاءِ قالَتْ لباسم إنها فرصةٌ ذهبيةٌ لنتركَ الغابةَ ونعود إلى بيتِنا ، لكن الولدَ قالَ :
-      ليس بإمكاننا أن نرى أحداً بحاجةٍ إلى مساعدتِنا ونتركَه دون مساعدةٍ .
ولم تكن الدراجةُ تتخيلُ ما الذي يستطيعُ أن يفعلَه باسمُ للغابةِ وحيواناتِها ، إذا كانت الحيواناتُ لا تمتلك الرغبةَ في تغييرِ نفسِها لتصبحَ نافعةً للغابةِ ومجتمعِها ، ولم يكن باسمُ نفسه يعرفُ ماذا سيفعلُ ؟ .
 عندئذٍ واتت باسمَ فكرةٌ جديدةٌ وقالَ للأسدِ أن بإمكانِهما أن يبدءا العملَ معاً .. وبمساعدةِ الدراجةِ يمكنهما حمل بعض الأشجارِ ورصها ، وأضافَ بحماسٍ :
-      إذا كنا نؤمنُ بفكرةٍ لابُدَّ أن نقاتلَ لنجاحِها .
الدراجةُ أمسكَتْ بظهرِها ومسحَتْ على إطاراتِها وقالَتْ :
-      آهٍ .. كم تؤلمني آلامُ الروماتيزم التي تعاودني من جديد .
ليتني كنت أستطيعُ حقاً مساعدتَكما !
لكن باسمَ لم يُعر لكلامِها اهتماماً ، فقد كان يعرفُ إنها تحاولُ التهربَ من حملِ أشجارِ الغابةِ فوقَ ظهرِها .
الثعلبُ المكارُ كان يراقبُ من بعيدٍ الدراجةَ وهي تحملُ الأشجارَ فوق ظهرِها ، وعلى وجهِه ترتسمُ ملامحُ غيظٍ وقالَ :
-      لم ينقصْ الغابةَ إلا المدرسةُ ..
هل عُدنا صغاراً لنتعلمَ وندخلَ المدرسةَ ؟!
ولم يكن يعلمُ أن التعليمَ لا يتوقفُ على سنٍ أو عمرٍ ويجبُ على الإنسانِ أن يُعلِمَ نفسَه كلَّ جديدٍ مهما كان عمره .
 نمورُ الشرس كان يهيمُ على وجهِه ولمحَ الثعلبَ يتتبعُ الأسدَ وباسمَ وهما يعملان ، فدفعَه في ظهرِه وأسقطَه على وجهِه وقالَ :
-      بدلاً من أن تتجسسَ مِثْلَ اللصوصِ اذهبْ وساعدْهما .
  تصنعَ الثعلبُ النهوضَ بصعوبةٍ ورسمَ ابتسامةً صفراءَ على وجهِه وحجلَ بقدميه وقالَ :
-      للأسفِ يا صديقي لقد سقطت بأحدِ الفخاخِ بغابةٍ قريبةٍ وأصيبَتْ قدمي بجرحٍ غائرٍ .
 ونمورُ الشرس تركَه وذهبَ لمعاونتِهما في حملِّ بعضِ جذورِ الأشجارِ والحبالِ والصخورِ .
 وفي أثناءِ عملِه لم يتوقفْ باسمُ عن التفكيرِ في حلٍّ يُخرجُ الحيوانات من كسلِها ويعيدُ إليها نشاطها والشمسُ ترقبُه من بعيدٍ وتتعجبُ في نفسِها وتقولُ :
-      هل يستطيعُ ولدٌ صغيرٌ أن يغيرَ العالمَ ويُصلحَ حال الغابةِ ؟!
والولدُ يقولُ لنفسِه : ( لا يوجد شيءٌ بدونِ سببٍ .. وإنْ عرفت السببَ الذي أدى إلى تكاسلِ الحيواناتِ وتفشي الأمراضِ بينها أستطيعُ أن أصلَ إلى العلاجِ . ) .
  وبينما كان يسيرُ في الغابةِ وجدَ القردَ المهذارَ يقفُ عند ضفافِ بحيرةِ الغابةِ الزلقةِ ويمسكُ بسمكةٍ عامَتْ على السطحِ ويحاولُ إخراجَها من الماءِ .
 تعجبَ باسمُ وسألَه :
-      ماذا تفعلُ أيها القرد المهذار بالسمكةِ ؟
ترنحَ القردُ وكادَ يسقطُ في البحيرةِ وقالَ :
-      أحاولُ إنقاذَها من الغرقِ .
-      لكن السمكةَ تعيشُ في الماءِ ولم نسمعْ من قبل عن سمكةٍ تغرقُ في البحرِ !.
-      لا .. لا يا صديقي لا تصدقَ مِثْلَ هذه الشائعاتِ .. لقد شاهدتها تصرخُ وتستنجدُ لأنقذها من الغرقِ .
وبالطبعِ لم يكن ما يقوله القردُ صحيحاً والسمكةُ المسكينةُ كانت تصرخُ وتستغيثُ ليعيدَها أحدٌ إلى الماءِ من جديدٍ .
-      ولم لا تحضر وتساعدنا في بناءِ المدرسةِ ؟
-      إنني أشعرُ أنني خائرُ القوى ، بالكاد أستطيعُ أن أحملَ نفسي .
تقدمَ باسمُ وأخذَ السمكةَ وأعادَها إلى الماءِ وأخذَ القردَ بعيداً عن البحيرةِ خوفاً من أن تنزلقَ قدماه فيسقطُ فيها ويغرق .
  فقد كان من الواضحِ إنَّه لا يعي ما يفعل .
 (10) سر الأقدام الغريبة!
انتهى باسمُ بمعاونةِ الأسدِ وأصحابِه من بناءِ المدرسةِ التي كانت عبارةً عن حجرةٍ من جذوعِ الأشجارِ التي تم ربطها بالحبالِ جيداً وتعريشها بسعفِ النخيلِ وغصونِ الأشجارِ .
  واجتمعَتْ الحيواناتُ ليروا ماذا سيفعلون في افتتاحِ المدرسةِ الجديدةِ .. الفيلُ فلافيلو قالَ :
-      نقيمُ حفلاً كبيراً تحييه فرقةُ الضفادعِ الموسيقية .
أضافَ الدبُّ :
-      ونعلقُ الزيناتِ من الأزهارِ الملونةِ الجميلةِ .
 ورغم أن حيواناتٍ كثيرةً لم تشاركْ في بناءِ المدرسةِ إلا أن الجميعَ فرحَ بالمدرسةِ الجديدةِ ، وظلت الحيواناتُ تخططُ للاحتفالِ بيومٍ لن تنساه الغابةُ .
 بينما كان أرنوبُ يبحثُ عن طعامٍ بأطرافِ الغابةِ ورأى آثارَ أقدامٍ غريبةٍ - لم تكن لأقدامِ أو حوافرِ أحدٍ من حيواناتِ الغابةِ - في طينِ أحدِ الحقولِ .
وقفَ أرنوبُ على قدميه الخلفيتين وظل يتفحصُ الآثارَ جيداً ويقولُ :
-      يا ألهي .. ألطفْ يا رب
  إنها أثارُ تشبهُ آثارَ أقدامِ باسم .
 ولا بُدَّ إنَّها آثارُ أقدامٍ لبشرٍ أتوا إلى الغابةِ .
ووقفَ يفكرُ قليلاً ثم أضافَ :
-      لقد كان الثعلبُ محقاً ..
لابُدَّ أنَّ الإنسانَ كان وراءَ الحوادثِ التي وقعَتْ بالغابةِ .
وقررَ أن يجري مسرعاً ليخبرَ ملكَ الغابةِ .
   وقفَ أرنوب أمامَ الأسدِ لاهثاً تتلاحقُ أنفاسُه ، فقد كان من الواضحِ أن الأمرَ خطيرٌ ولا يحتاجُ إلى تأخيرٍ وأخبرَه أنه وجدَ آثارَ لأقدامٍ بشريةٍ بأحدِ الحقولِ عند أطرافِ الغابةِ .
قالَتْ الحيواناتُ بدهشةٍ :
-      آثارُ أقدامٍ لإنسان بالغابةِ !
مدَ الثعلبُ المكارُ رأسَه وتمايلَ مزهواً بنفسِه وقالَ :
     - ألم أقلْ لكم ولم تصدقوا ؟ .
-      وما الغريبُ في ذلك ربما كانت آثاراً لأقدامِ باسم .
هكذا قالَ القردُ المهذارُ .
لكن أرنوب قالَ بانزعاجٍ :
-      ليست آثاراً لقدمِ إنسان واحدٍ ..
   بل إنها آثارٌ لمجموعةٍ من الناسِ .
قالَ الحمارُ باستغرابٍ :
-      وماذا يفعلُ الناسُ بغابتِنا التي لم يعرفْ طريقَها صيادٌ من قبلِ ؟
قالَ الثعلبُ بعد أنْ خلعَ نظارتَه وظل يمسحُ عدساتِها بمنديلٍ في يده :
-      كم أنت غبيٌ أيها الحمار ..
جاؤوا ليصطادوا الحيواناتِ ويقتلوها ،كما فعلوا بالدجاجةِ المسكينةِ وبصغيرِ العنزةِ الطيبةِ .
-      لابُدَّ إنهم عرفوا طريقَنا
ولن يتركونا في حالِنا بعد اليومِ .
سادَ القلقُ والخوفُ بين الحيواناتِ وحاولَ الأسدُ طمأنةَ الحيواناتِ وقالَ :
-      لا بُدَّ أولاً أن نتأكدَ أن أرنوبَ ليس مخطئاً .
لكن الفيلَ فلافيلو رفعَ زلومته غاضباً وقالَ :
-      أرنوب ليس مخطئاً
  منذ أحضرَ الأسدُ الولدَ إلى غابتِنا وأنا لا استبشرُ خيراً .
  ولا بُدَّ أن أهله من بني الإنسان يبحثون عنه وعرفوا إنه بغابتِنا .
ووقفَ أحدُ الغزلانِ وقالَ :
-      من اليومِ لن يغادرَ أحدٌ واديَّه .
-      حتى لو بقينا في أوديتِنا من يضمنُ ألا يهاجمنا الإنسانُ ببنادقِه ورشاشاتِه التي لا قِبَّل لنا بها .
في هذا الوقتِ كان باسمُ قد حضرَ إلى اجتماعِ الحيواناتِ وسمعَ حديثَهم ، وخاطبَ نفسَه بأنه يخطئُ في حقِ الحيواناتِ التي قضى معها وقتاً ممتعاً إنْ بقيَّ لوقتٍ أطول وسوف يعرضُها للخطرِ ، فقاطعَ حديثَهم وقالَ :
-      فلافيلو معه حقٌ
لا بُدَّ أن أهليَّ قلقون عليّ ويبحثون عني
وطالما وصلوا إلى الغابةِ فإنَّهم سيجدونني ومن الأفضلِّ أن أعودَ إليهم قبل أن يصلوا إلى الغابةِ ويؤذوا حيواناتِها .
 نست الحيواناتُ جزعَها وخوفَها وارتسمَتْ على أساريرِها علاماتُ حزنٍ عميقٍ وقالَتْ :
-      لكننا نحبُكَ يا باسمَ ونريدُكَ أن تبقى معنا.
-      ابق معنا وقتاً أطولَ .
-      وأنا أيضاً أحبُكم ، وأحبُ أهلي ومدرستي ..
ومن الأفضلِ أن أعودَ الآن قبل أن يهاجمَ الصيادون الغابةَ .
 خفضَ الأسدُ رأسَه وتطلعَ إلى الأرضِ ، فقد كان يتمنى أن يبقى الولدُ بالغابةِ لوقتٍ أطول ، لكنه في الوقتِ نفسِه يشعرُ بالقلقِ على الغابةِ ويخشى عليها من هجومِ الصيادين ، فاقتربَ من باسمِ و احتضنَه و قالَ وهو يحاولُ أن يمنعَ الدموعَ عن عينيه :
    - على الأقل لا ترحلْ قبل أن تحضرَ معنا الاحتفالَ بافتتاحِ المدرسةِ .
الشمسُ الغاربةُ مسحَتْ عن عينيها دمعةً وقالَت وهي تغالبُ دموعَها :
-      يا له من مشهدٍ مؤثرٍ مشهد الفراقِ .




(11) الزهرة الحمراء تكشف ملعوب ثعلوب!
   يا له من يومٍ لم تشهدْ الغابةُ مثله من قبلِ .
  نست الغابةُ أحزانَها على الحيواناتِ التي تغيبت ونست الخطرَ الذي يتهددُها بوصولِ الإنسانِ إلى الغابةِ وارتدَّت ثيابَها المزركشةَ وغمرَها العشبُ الأخضرُ وازدانَت بالورودِ والأزهارِ .
اصطفت الحيواناتُ في طوابيرٍ منتظمةٍ وارتدَّت أزهى ثيابها وأجملها .
الأشجارُ غسلَتْ أوراقَها فبدت خضراءَ يانعةً ، والطيورُ حلقَت بأجنحتِها الملونةِ ، السناجبُ تتسلقُ الأشجارَ العاليةَ والفراشاتَ ترفُّ والنحلُ يئزُ بين الأزهارِ .
 أهازيجٌ وغناء واحتفالاتٌ يترددُ صداها بين سهولِ ووديانِ الغابةِ .
 أما الثعلبُ المكارُ فكان يكتمُ مشاعرَه الغاضبةَ ويرسمُ على وجهِه ابتسامةً صفراءَ مفتعلةً كلما لاحظَه أحدُ الحيواناتِ ويقولُ لنفسِه : ( تمالكْ نفسَك يا ثعلوب ، سيرحلُ الولدُ ولن يتهددَك خطرٌ بعد الآن وستصبح الحيواناتُ لعبةً في يديك ) .
 بينما ارتدى الأسدُ حُلةَ الحكمِ التي تتلألأ على صدرِها نجومُ الملكِ وخرجَ إلى الحيواناتِ ممسكاً بصولجانِ الملكِ مزهواً كقائدٍ انتصرَ في معركةٍ .
 الفيلُ فلافيلو أمسكَ بوسادةٍ صُنعَت من ريشِ النعامِ خصيصاً للمناسبةِ ووضعَ فوقها مقصاً ليقصَ الملكُ شريطَ الأزهارِ الذي وُضِعَ بمدخلِ المدرسةِ ويعلنَ افتتاحَها رسمياً .
الأسدُ نادى على باسمِ ليشاركَه قصَ الشريطِ بينما أطلقَتْ الحيواناتُ زغاريدَ الفرحِ وهللت سعيدةً .
بمجردِ أنْ قصَ الملكُ الشريطَ قرعَتْ فرقةُ الضفادعِ الموسيقية طبولَها وعزفَتْ موسيقَاها وأنشدَّت الأغنيةَ التي أعدتها خصيصاً لهذا الاحتفالِ وغنَّت معها الحيواناتُ :
ما أحلى الأوطان
وغابة الحيوان
في أزهى أوان
بالعلم والأيمان
***
 بعد انتهاءِ الحفلِ ودعت الحيواناتُ باسمَ الذي تأثرَ كثيراً بالكلماتِ الجميلةِ والصادقةِ التي قالتها الحيواناتُ في وداعِه وفاضت عيناه بالدموعِ وقالَ :
-      سأعودُ يوماً ما لأثبتَ لكم أن الإنسانَ ليس بالشريرِ الذي تعتقدونه ، وليس الأطفالُ وحدهم من بني الإنسانِ الذين يحملون الخيرَ في قلوبهم .
    لو عرفتم أمي وأبي ومدرستي وجيراني لغيرتم رأيكم .
 مالت الحيواناتُ برأسِها ونظرَتْ إلى الأرضِ ولم تعرفْ بِمَ تردُ على باسمِ ، فلم يكن بإمكانها أن تصدقَ باسمَ وتكذبَ الحوادثَ التي جرت بالغابةِ ، كما لم يكن يهمُها إن كان الإنسانُ خيراً حقاً كما يقولُ باسمُ أم شريراً كما تعتقدُ وتظن .. المهم عندها أنها أحبَتْ باسمَ ولم تكن تريدُ فراقَه لكنها تخشى هجومَ الصيادين على الغابةِ ، فرفعَتْ كفوفَها ولوحَت بحرارةٍ وقالَتْ :
     - مع السلامةِ أيها الصديق .
القردُ المهذارُ صحبَ باسمَ ليقومَ بتوصيلِه إلى أطرافِ الغابةِ ويدلَه على الطريقِ .
الدراجةُ تنهدت بارتياحٍ وقالَتْ :
-      أخيراً ..
عما قريب تلامسُ إطاراتي المطاطيةُ أسفلتَ الطريقِ .
 أما باسمُ والقردُ اللذان سارا بصحبتِها فلم يجدا الكلامَ المناسبَ ليتبادلا الحديثَ بعد أن أصابتهما مشاعرُ الفراقِ بغصةٍ في القلبِ .
وضعَ القردُ المهذارُ يدَه في جيبِ معطفِه وأخرجَ زهرتين حمراوين وأعطى أحداهما لباسم دون أن يقولَ شيئاً .
 باسمُ لم يكن يتحملُ المشاعرَ المتناقضةَ التي تتحركُ في قلبِه ولم يكن يتحملُ المزيدَ من المشاعرِ الرقيقةِ المؤثرةِ .
أمسكَ بالزهرةِ الحمراءِ بين يديه ووقفَ عند حافةِ أحدِ الأشجارِ وعيناه تلمعان بالدموعِ وقالَ :
-      يا صديقي لا أجدُ ما أقوله ..
لا يوجدُ أجمل من الزهورِ تعبيراً عن المشاعرِ الطيبةِ .
سأحتفظُ بهديتِكَ لتذكرَني بكَ وبغابةِ الحيوانِ دائماً .
القردُ المهذارُ شعرَ بخجلٍ شديدٍ لأنه لم يقصدْ أن يعطيَّه الزهرةَ كهديةٍ تعبر عن المشاعرِ الطيبةِ وقالَ :
-      إنَّ الزهرةَ الحمراءَ طعامُنا المفضل .
وقد اعتقدت أن أمامَك سفراً طويلاً ولابُدَّ أنْ تأكلَ شيئاً .
ابتسمَ باسمُ وربت على كتفِ صاحبِه القردِ وقالَ :
-      لا عليك يا صديقي ، إنها مشاعرٌ جميلةُ بأيةِ حال .
لكنه كان متردداً رغمَ شعورِه بالجوعِ أيأكلُ الزهرةَ أم لا ، فلم يسبقْ له أن رأى الزهرةَ الحمراءَ أو عرفَ طعمَها .
لاحظَ القردُ المهذارُ ترددَه فقالَ :
-      ذقْها .. إنَّ لها مذاقاً جميلاً لا يقاوم .
منذ زرعَ ثعلوبُ الزهرةَ الحمراءَ بالحقلِ أصبحت طعامَنا المفضل .
 تشجعَ باسمُ وتذوقَ الزهرةَ ليختبرَها ورغم أن طعمَها لم يكن شهياً إلا إنه أكلَها ليسدَ جوعَه ثم تناولَ زمزميةَ الماءِ التي يحملُها وشربَ حتى ارتوى .
 بعدها شعرَ باسمُ إنَّه خائرُ القوى ولا يقدرُ أنْ يحملَ جسدَه وشعرَ إنَّه ربما لو واصلَ السير لسقطَ في الطريقِ ، فأسندَ ظهرَه إلى جذعِ الشجرةِ وقالَ :
-      سنبقى قليلاً لنحصلَ على بعضِ الراحةِ ثم نواصل الطريقَ .
***
لم يدرِّ باسمُ كم مرَ عليه من الوقتِ وهو نائم ، لكنه حين استيقظَ ووجدَ القردَ نائماً إلى جوارِه أيقظَه وتساءلَ باندهاشٍ :
-      ماذا حدثَ ؟!
القردُ المهذارُ فتحَ عينيه بصعوبةٍ وقالَ :
-      يبدو أننا غفونا قليلاً .
أما الدراجةُ فنظرَتْ إليهما وهزت رأسَها عجباً وقالَتْ :
-      لقد أضعتما أغلبَ النهارِ في النومِ دون أن تشعرا .
أخذَ باسمُ يتذكرُ ويجمعُ الأفكارَ التي تناثرت برأسِه ثم قالَ :
-      لابُدَّ إنها الزهرةُ الحمراء .
ثم أخذَ يستعيدُ أحداثَ الأيامِ التي قضاها بالغابةِ والحوادثَ التي حدثَتْ فيها والكلامَ الذي قاله القردُ عن الزهرةِ الحمراءِ ويربطُ بعضَها ببعضٍ وقالَ :
-      الآن بدأت أفهم ..
الزهرةُ الحمراءُ نباتٌ مخدرٌ ومن الطبيعي عندما تتناولُه الحيواناتُ لا تستطيعُ أن تقومَ بعملٍ مفيدٍ وأن تصيبَها الأمراضُ والأوبئةُ .
والثعلبُ المكارُ من مصلحتِه ألا تدري الحيواناتُ بما يحدث حولها حتى يرتكبَ جرائمَه ضد الحيواناتِ ولا يكتشفُه أحدٌ ، لذلك تعمدَ زراعةَ هذه الزهرةَ بالغابةِ .
ثم أضافَ :
-      ولأن الأسدَ والنمرَ لا يأكلان النبات لم يصيبهما الكسلُ والخمولُ .
والتفت إلى القردِ المهذارِ ثم أردفَ قائلاً :
-  لابُدَّ أن نرجعَ سريعاً إلى الأسدِ لنخبَره بالحقيقةِ ، ونمنعَ المعركةَ التي قد تنشب بين الحيواناتِ والصيادين الذين جاؤوا ليبحثوا عني .
 (12) النهاية
-      انجدنا يا باسم .
 هكذا قالَ الحمارُ لباسمِ  بمجردِ أن رآه .
 باسمُ حاولَ أن يفهمَ  من الحمارِ ماذا حدثَ ، لكن الحمارَ كان قلبُه يدقُ بعنفٍ ومنعَه الخوفُ من أن يتكلمَ بطلاقةٍ .
  بعد عناءٍ عرفَ باسمُ أن الثعلوبَ المكارَ أخبرَ الأسدَ والحيواناتِ أنَّه شاهدَ الصيادين من بني الإنسانِ يهجمون على الحظائرِ المتاخمةِ لأطرافِ الغابةِ ويصطادون طيورَها وحيواناتِها .
  لكن باسمَ والقردَ المهذارَ كانا يعرفان أن الثعلبَ المكارَ لا يقولُ الحقيقةَ ، وإذا كان يوجدُ أحدٌ بأطرافِ الغابةِ فلا بُدَّ إنَّهم من الشرطةِ وقد أتوا ليبحثوا عن باسم ويعيدوه إلى أهلِه .
   وحاولَ باسمُ والقردُ تهدئةَ الحمار فحكيا له ما عرفاه من ألاعيبِ الثعلبِ المكارِ وإنَّه هو الذي ارتكبَ الجرائمَ الغريبةَ التي حدثَتْ بالغابةِ .
 في ذلك الوقتِ كان الثعلبُ المكارُ يختبئُ بين أغصانِ الأشجارِ الكثيفةِ وسمعَ ما قاله الولدُ والقردُ للحمارِ .
  دقَ قلبُ الثعلوبِ المكارِ بعنفٍ وقالَ لنفسِه وهو يتسللُ من بين الأشجارِ بصوتٍ هامسٍ :
-      يبدو إنني مضطرٌ للهروبِ من الغابةِ قبل أن تقبضَ الحيواناتُ عليَّ وتلقي بي في الحبسِ .
وحين أطمأنَ بأنَّه ابتعدَ المسافةَ المناسبةَ خلعَ معطفَه وألقاه على الأرضِ وركضَ بسرعةٍ مجنونةٍ حتى لا يلحق به أحدٌ .
 أما باسمُ فقالَ للحمارِ :
-      لا وقت لدينا الآن ..
   أين الأسد وباقي الحيواناتِ ؟
الحمارُ أجابَ وقلبه يخفقُ بشدةٍ :
       ـ ذهبوا ليدافعوا عن الغابةِ ويصدوا هجومَ الصيادين ؟
كان القلبُ الصغيرُ في صدرِ باسم يتناوله الفرحُ والخوفُ .. الفرحُ باقترابِ عودتِه إلي بيتِه وأهلِه بعد أن عرفوا طريقَه وببراءةِ الإنسانِ من الجرائمِ التي حدثَتْ بالغابةِ .. والخوفُ أن يهجمَ الأسدُ وأصحابُه على الشرطةِ فتضطر الشرطةُ إلى إطلاقِ النارِ على الحيواناتِ وتصيبها بالأذى .
  إلا أن أملاً خفيفاً بقي يداعبُ قلبَه ويشدُه نحو أطرافِ الغابةِ ليلحقَ بالشرطةِ والحيواناتِ قبل أن يلتقيا و يُصاب أحدٌ من الطرفين بأذى .
  هبَ باسمُ للحاقِ بأصحابِه من الحيواناتِ وراحَ يبحثُ عن الأسدِ في ربوعِ الغابةِ أو يجدُ الشرطةَ والصيادين فيشرحَ لهم ويعودُ بهم قبل أن يُلحقوا الأذى بأحدٍ .
 لكن الغبارَ والدخانَ منعاه من أن يرى شيئاً ، وأصابَه الفزعُ حين التقطَتْ أذنُه الصغيرةُ صرخةَ الأسدِ التي اهتزَّت لها الغابةُ كلّها .
 ركضَ باسمُ بكلِّ ما يملك من قوةٍ .. وحين وصلَ إلى أطرافِ الغابةِ بدأ الدخانُ والغبارُ ينحسران .
   ورأى رجالَ الشرطةِ والصيادين يصوبون فوهاتِ بنادقِهم تجاه الحيواناتِ التي تجمعَتْ ووقفَتْ في مكانِها ترقبُ الأسدَ الذي نزفَ بشدةٍ بعد أن أصيبَ بجرحٍ في موضعِ القلبِ .
 اندفعَ باسمُ ناحيةَ الأسدِ وأمسكَ به ، فبدأ الأسدُ يتهاوى بين يدي صاحبِه .
احتضنَه باسمُ وظل يصيح باكياً :
-      لا تمتْ يا صديقي
         أرجوكَ لا تمتْ     ..
رفعَ الأسدُ رأسَه شامخاً وقالَ :
-      ما أحلى الموت يا صديقي دفاعاً عن الوطنِ . 
 حاولَ باسمُ أنْ يشرحَ للأسدِ إنَّ الشرطةَ لم تأتِّ إلا لتبحثَ عنه ، وأنَّ الثعلبَ المكارَ هو صاحبُ الجرائمِ التي حدثَتْ بالغابةِ وإنَّه كان يحاولُ الإيقاعَ بين الحيواناتِ وبين الإنسانِ ليعتديَّ على حيواناتِ الغابةِ دون أن يشعرَ به أحدٌ ويظل بعيداً عن الأنظارِ .
كما حاولَ أن يخبرَه أنَّه عرفَ السببَ الذي يجعلُ الحيواناتِ متكاسلةً ولا تقدمُ على العملِ بنشاطٍ لكن الأسدَ أغمضَ عينيه ولم يسمعْ شيئاً .
صرخَ باسمُ صرخةً قويةً أوقعَتْ الرعبَ في قلبِ أمِه وأبيه ،فجريا إلى حجرتِه ليوقظاه .
 واحتضنَته أمُه إلى صدرِها وقالَتْ :
-      استيقظْ يا باسم ..لا تخفْ ..
    إنَّه مجردُ حلمٍ .
    لقد تأخرَت في النومِ وأخشى أن تتأخرَ عن الامتحانِ .
فتحَ باسمُ عينيه بصعوبةٍ وأرخى رأسَه على جنبِ أمِه ولم يكن يصدقُ إنَّه كان يحلمُ وقالَ باندهاشٍ :
-      هل كنتُ أحلمُ ؟
-  بالطبعِ يا باسم .. وستحكي لي حلمَك بالتأكيدِ .. ولكن بعد أن تذهبَ إلى مدرستِكِ وتنجحَ بتفوقٍ كعادتك في الامتحانِ .
 تركَ باسمُ أمَه وأباه ليتوضأَ ويصليَّ ويرتدي ملابسَه ليلحقَ بالامتحانِ .
 لكن صورةَ حيواناتِ الغابةِ لم تكن تفارقُه وأخذَ يفكرُ فيما عاشَه بغابةِ الحيوانِ وظل لسانه يرددُ هامساً : (العلمُ .. العملُ .. حبُ الوطنِ ) .
  وقد ازدادَ حبُ المدرسةِ في قلبِه .
                                              
http://alhayatlilatfal.net/full.php?ID=2193

ليست هناك تعليقات: