لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الاثنين، 18 يوليو، 2016

"النملة الصغيرة والصرصار"قصة للأطفال بقلم: طلال حسن



النملة الصغيرة والصرصار
قصة : طلال حسن
     " 1 "
ــــــــــــــــــــ
     بدأ الليل يخيم على الغابة ، بأستاره السوداء القاتمة ، عندما أقبلت العاصفة من بعيد ، وراحت تعدو معولة بين الأشجار : هووووو .
فركض القنفذ مسرعاً ، وهو يقول : أوه ، جاء الشتاء ، فلأسرع إلى بيتي .
وأحكم السنجاب اغلاق باب بيته ، وقال : يا للبرد ، لن أفتح الباب قبل مجيء الربيع .
وصاحت النملة الصغيرة : ماما ، إنني خائفة .
فردت أمها قائلة : لا داعي للخوف ، يا عزيزتي ، نحن هنا في مأمن من العاصفة .
وأوى الأرنب إلى جحره الدافىء ، وقال في نفسه : يقول جدي ، مهما تطل العاصفة ، فلابدّ أن تشرق الشمس في النهاية .
أما الصرصار ، الذي كان يحلم بليالي الصيف ، عندما فاجأته العاصفة ، فقد وقف يتمتم حائراً : آه .. ستقتلني هذه العاصفة .. الجميع الآن في بيوتهم ، ينعمون بالدفء والشبع .. ما العمل ؟
والتمعت في ذهنه فكرة ، فأسرع قائلاً : من الأفضل أن أذهب إلى صديقي السنجاب .
وطرق الصرصار باب بيت السنجاب ، وهو يصيح ، والعاصفة تعول حوله : أيها السنجاب ، افتح الباب ، أنا صديقك الصرصار .
واعتدل النسجاب ، وقال في نفسه : الصرصار ! ترى ماذا يفعل هذا المجنون ، في هذه العاصفة ؟ لن أفتح الباب قبل مجيء الربيع .
وكفّ الصرصار عن طرق الباب ، ثم قال بصوت منكسر : يبدو أن صديقي السنجاب ليس في البيت ، فلأذهب إلى صديقي الأرنب .
وأسرع إلى بيت الأرنب ، ووقف أمام الباب ، وراح يصيح بأعلى صوته : أيها الأرنب ، افتح الباب ، أنا صديقك الصرصار .
وأنصت الأرنب ، وهو في داخل بيته ، ثم قال في نفسه : قال جدي ، لا تأمن صوتاً في العاصفة .
وصمت الصرصار لحظة ، ثم صاح بصوت أعلى : ألا تسمعني ؟ سأموت من البرد ، أرجوك ، آوني في بيتك ، هذه الليلة العاصفة فقط .
فردّ الأرنب قائلاً : ابقَ بالباب ، يا صديقي ، وغنّ لي ، إنني أحب غناءك مع عزف العاصفة .
وتراجع الصرصار ، ثم مضى بخطوات متعبة ، وهو يقول : الأرنب يسخر مني ، فلأذهب إلى صديقي القنفذ ، إنه لن يردني .
وأخذ الصرصار يطرق باب بيت القنفذ ، وهو يصيح : يا صديقي القنفذ ، افتح لي الباب ، أنا الصرصار .. الصرصار .. الصرصار .
وأنصت القنفذ ملياً ، ثم قال في نفسه : الصرصار ! ترى ماذا يفعل في هذه العاصفة ؟ من يدري ، لعله يغني ، المجنون .
وتوقف الصرصار عن طرق الباب ، ثم قال منهاراً : لن يفتح القنفذ الباب لي ، آه لقد تخلى الجميع عني ، في هذه الليلة العاصفة .
وتلفت حوله حائراً ، ثم مضى يسير بخطى مترددة ، وهو يقول في نفسه : ترى إلى أين أذهب ؟ لقد طرقت أبواب جميع الأصدقاء ، عدا النملة .
وتوقف متعباً ، يكاد يتهاوى على الأرض ، وقال : كلا ، لن تفتح لي ، لقد سمعتها مرة تقول لصغيرتها ، سيندم الصرصار يوماً ، ويدفع غالياً ثمن لهوه .
واشتدّ عويل العاصفة : هووووو .
فاستأنف الصرصار سيره قائلاً : العاصفة تشتدّ ، فلأذهب إلى النملة ، إنها أملي الأخير ، من يدري ، قد تشفق عليّ ، وتفتح لي باب بيتها .

     " 2 "
ـــــــــــــــــــــ
    وصل الصرصار بيت النملة ، وتهاوى عند الباب ، وصاح : أيتها النملة .
لم تجبه النملة ، فصاح ثانية : عزيزتي .. النملة..
وفتحت النملة الصغيرة عينيها ، وأصغت قليلاً ، ثم قالت : ماما ، اصغي ، أتسمعين ؟ يبدو  أنّ هناك أحداً يطرق الباب .
فردت النملة ، دون أن تفتح عينيها : نامي ، يا بنيتي ، إنه صوت العاصفة .
وصاح الصرصار بصوت واهن ، ناحب : أرجوكِ ، يا صديقتي ، أكاد أموت من البرد والجوع ، افتحي لي باب بيتكِ ، وساعديني .
واعتدلت النملة الصغيرة ، ورفعت رأسها ، وصاحت : ماما ، إنه الصرصار .
ثم التفتت إلى أمها ، وقالت مترجية : افتحي له الباب ، يا ماما .
فردت النملة بحزم : كلا ، لن افتح الباب .
واحتجت النملة الصغيرة قائلة : لكنه سيموت في الخارج ، من البرد والجوع .
وقالت النملة : دعيه ، لقد كان يلهو ويعبث طول أشهر الصيف .
واحتجت النملة الصغيرة ثانية ، وقالت : كلا ياماما ، لم يكن يعبث ، كان يغني .
فردت النملة ساخرة : يغني ! فليغنّ إذن في العاصفة .
ومع عويل الريح ، جاء صوت الصرصار ضعيفاً ، يائساً : أرجوكِ ، يا صديقتي ، ساعديني ، ساعديني ، ساعديني .
وقالت النملة الصغيرة بصوت باكٍ : ماما ، سيموت المسكين ، إن لم تساعديه .
وهزت النملة رأسها قائلة : لقد تعبتُ طول الصيف في جمع قوتي ، ولن اقدمه الآن لصرصار كسول .
وتمددت في مكانها ، وقالت : هيا ، نامي .
وتمددت النملة الصغيرة متأوهة ، فقالت النملة بلهجة مصالحة : عزيزتي ، سأقصّ عليكِ قصة ذات مغزى ، اسمها الصرصار الكسول والنملة ..
وأشاحت النملة الصغيرة برأسها ، وقالت : كلا ، لقد قصتها جدتي عليّ مراراً ، إنني لا أحبّ هذه القصة .
وأغمضت النملة الصغيرة عينيها الدامعتين ، وصوت الصرصار يغرق في العاصفة ، ومن خلال دموعها ، انبثقت من أعماقها ، أطياف الصيف الزاهية ، والليالي المقمرة ، والأنسام العذبة ، وشذى الورود ، و .. وأغاني الصرصار ، التي لا تنسى .
ورغم تحذير أمها ، أعجبت بالصرصار ، وأحبت أغانيه ، وذات ليلة ، سمعته يغني ، فتسللت من البيت ، وجلست تصغي إليه ، وفجأة .. انقض عليه عنكبوت ضخم ، فصاح بأعلى صوته : النجدة .. النجدة ..
وفتحت النملة الصغيرة عينيها ، وقلبها يخفق بشدة ، وأنصتت لعلها تسمع صوت الصرصار ، لكنها لم تسمع سوى صوت العاصفة تعول : هووووو .

     " 3 "
ـــــــــــــــــــــ
    التفتت النملة الصغيرة إلى أمها ، ورأتها تغط في نوم عميق ، فتسللت من مكانها ، وفتحت الباب بهدوء ، ومن العتمة تناهت إليها استغاثة الصرصار : النجدة .. النجدة .. النجدة .
وتلفتت متسائلة : أين أنت ؟
فرد الصرصار بصوت واهن : إنني هنا .. أرجوكِ .. ساعديني .
وأسرعت النملة الصغيرة إليه ، وأمسكت بيديه الباردتين ، وقالت : يا إلهي ، تكاد تتجمد .
ورفع الصرصار عينيه الخامدتين إليها ، وقال : عزيزتي .. أنتِ صغيرة .. ولن تقوي على مساعدتي .. عودي إلى فراشكِ .. أخشى عليكِ من البرد .
فردت النملة الصغيرة : لن أدعك وحدكَ هنا ، مهما كلف الأمر .وحاولت عبثاً أن تسحبه ، فقال بصوت يائس : أرجوكِ .. لا فائدة .. دعيني وحدي .
وصمت لحظة ، ثم قال : آه .. غنيتُ للجميع طول الصيف .. وها هم يتركونني .. أموت وحيداً في العاصفة .
واحتضنته النملة الصغيرة ، وراحت تسحبه بصعوبة إلى الداخل ، وهي تقول : لن تموت .. لن تموت .. سأنقذك .
واستيقظت النملة ، واتسعت عيناها في ذهول ، وهي ترى صغيرتها تسحب الصرصار إلى الداخل ، وقالت : يا إلهي ، هذه بنيتي المجنونة .
وهبت إليها قائلة : ماذا تفعلين هنا ! سيجمدنا البرد ، تعالي واغلقي الباب .
فردت النملة الصغيرة بصوت دامع : لن أدع  الصرصار في العاصفة ، يجب أن أنقذه .
وحدقت النملة في الصرصار ، ثم قالت : إنه ميت .
فصاحت النملة الصغيرة : كلا ، لن يموت ، ساعديني .
وخفت النملة لمساعدتها ، وسحبتا الصرصار إلى الداخل ، ثم مضت إلى الباب ، وأغلقته ، ولما عادت إليها ، رأتها تتطلع إلى الصرصار ، والدموع تبلل وجنتيها ، فقالت بصوت متحشرج : لقد مات الصرصار ، يا بنيتي .
وبغضب مكتوم ، قالت النملة الصغيرة : أنتِ قتلته .
فردت النملة قائلة : كلا ، لقد قتله كسله .
ورفعت النملة الصغيرة عينيها الدامعتين إلى أمها ، وقالت : إنه ليس كسولاً ، لقد أسعدنا بغنائه طول الصيف ، وحين هبت العاصفة ، تركناه وحيداً في العراء .
ولاذت النملة بالصمت ، وأطرقت رأسها بحزن ، وأغمضت النملة الصغيرة عينيها الغارقتين بالدموع ، والعاصفة تعول في الخارج .
ومن خلال دموعها ، انبثقت من أعماقها ثانية ، أطياف الصيف الزاهية ، الليالي المقمرة ، والأنسام العذبة ، وشذى الورود ، وأغاني الصرصار ..
وفجأة سمعت أمها تصيح : بنيتي بصوت متحشرج :  انظري ، إنه حيّ .
وعلى الفور ، نظرت النملة الصغيرة إلى الصرصار ، وإذا هو يفتح عينيه ، ثم يتساءل : أين أنا !
فانحنت النملة الصغيرة عليه ، وقالت : أنت هنا ، في بيتنا ، اطمئن ، لقد نجوت .
وابتسمت النملة فرحة ، وقالت للنملة الصغيرة : اقي إلى جانبه ، سأعد له شيئاً من الطعام .
وتطلعت النملة الصغيرة إليها ، ثم قالت : ماما ، سامحيني ، أنتِ أم طيبة .
فردت النملة قائلة : الطيبة أنتِ ، يا بنيتي .
وبصوت تبلله دموع الفرح ، قالت النملة الصغيرة : لقد أنقذناه ، يا أمي ، أنقذناه .
ومضت النملة مسرعة ، تعدّ للصرصار شيئاً من الطعام ، ومدت النملة الصغيرة يديها ، واحتضنت يدي الصرصار ، وقالت : كيف حالكَ الآن ، يا عزيزي ؟
فابتسم الصرصار قائلاً : إنني الآن أفضل ، أشكركِ ، لولاكِ لمت في العاصفة .
وشدت على يديه في حنان ، وقالت : هذه العاصفة ستنتهي ، ويمضي الشتاء ، ويأتي الصيف ثانية ..
وأغمضت النملة الصغيرة عينيها ، وهي تتنهد بارتياح ، ومن أعماقها انبثقت أطياف الصيف الزاهية ، الليالي المقمرة ، والأنسام العذبة ، وشذى الورود ، و .. الصرصار يغني .. يغني .. يغني .

ليست هناك تعليقات: