لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الأحد، 7 ديسمبر 2014

"حلم الدراجة "قصة للأطفال بقلم: زوزان صالح اليوسفي

حلم الدراجة
   زوزان صالح اليوسفي
 
أمامَ محل بيع لعب الأطفال وقفَ صبيان صغيران، يبدو مِن خلال مَلابسهما المُهترئة، ووجهيهما اللذان أكتساها الأتربة والأوساخ بأنهما مِن الطبقةِ المُتسولة في الشوارع، أخذا ينظران إلى اللعبِ المعروضةِ مِن خلال زجاج نافذة المَحل ويؤشران إلى الألعابِ، وهما يتداولان الحديث بين الجدال والنقاش، يبدو كأنهما يتقاسمان الألعاب فيما بينهما.
في هذهِ اللحظة خرجَ صاحبُ المَحل وبين يديهِ دراجة هوائية مَطلية بعدةِ ألوان، ومُزينة بأنواع مِن المصابيح والأعلام المُزركشة وجرسين فضيين موضوعين على جانبي دفتيِّ قيادة الدراجة، وبينما كان صاحبُ المَحل مَشغولاً بوضع الدراجةِ في مكان مُناسب أمام محلهِ، كدعاية لجذبِ المُشترين إليها, أخذ الصبيان ينظران بإعجاب ولهفة إلى تلك الدراجة المعروضة بألوانها الجذابة ومَصابيحها المُلونة!، وأعلامِها التي ترفرف بأزهى الألوان؛ حتى والدراجة في حالةِ سكون!، تعجبَ الصبيان بتلك الدراجة الهوائية أشدَ إعجاب، وتناسوا كل الألعاب المَعروضة مِن خلال نافذةِ المحل، والتي كانوا قبل قليل يتقاسمونها فيما بينهما.
وما أن رآهما صاحب المَحل حتى صاح عليهما بغضب قائلاً: أبتعدا عن المحل أيُّها المُتسولان، إذا لم ترحلا حالاً سوف أجلب لكم الشرطة خلال ثواني، هيا أبتعدا ( وأخذ ينظرُ إليهما بنظراتٍ تملؤها الغضب والشر).
خافَ الصبيان مِن ملامح وجهِ صاحب المَحل وغضبهِ وما أن سَمعا أسم الشرطة؛ حتى أبتعدا عن المَحل.
وما أن دخل صاحب المَحل إلى حانوتهِ؛ حتى تقدم الصبيان مرة آخرى وهما يختلسان النظر إلى تلك الدراجة الهوائية، وبعد صمتٍ قصير صاحَ أحدُ صبيين بحماس قائلا: آه، يا إلهي لم أرى بحياتي مثل هذه الدراجة المُدهشة!! ليتني أمتلكُ مثلها.
فأجاب الصبيُّ الثاني وقد جحظت عيناهُ مِن شدةِ الإعجاب وهو ينظر إلى الدراجة وأخذ يتلعثم قائلا: أأأجل، والله لم أرى مثلها بحياتي، أنظر إلى ألوانها!، فيها كل الألوان مثل القوس والقزح!، أنظر إلى الجرسين الفضيين، ليتني أسمع رنينهما!، أنظر، أنظر إلى مَصابيحها ( أخذا يعدُها بإنبهار ) واحد، أثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، أو يا إلهي ثلاثة مصابيح في الأمام وإثنان في الخلف! حقاً دراجة عجيبة!!
فردَّ الصبيُّ الأول بإستهزاء قائلاً: ليسوا خمسة مَصابيح أيَّها الغبي أنظر إلى دواليب عجلاتِها!، فهناك مَصابيح صغيرة مُلونة حول دواليب كل عجلة!، آه.. يا إلهي كم ستبدو رائعة تلك المَصابيح وهي تشعُ بأنوارها في الليل حينما يلفُ بها راكبها بين الشوارع المُظلمة؟!!
قاطعهُ الصبيُّ الثاني بإعجاب قائلاً: حقاً ستبدو مثل الألعاب النارية وهي تشع بأنوارها من خلال دواليب العجلات!، أما في النهار فيا لجمالِ أعلامها المُزركشة وهي ترفرف!، تبدو وكأنها أعلام الدول؟!
فأجابهُ الصبيُّ الأول مرة أخرى بإستهزاء قائلاً: أجل أيُّها الغبي آلا ترى علم العراق بينهم.
فردَّ الصبيُّ الثاني بإستهزاء أيضاً قائلاً: وهل تعرف غير علم العراق؟ أتحداك إذا كنت تعرف باقي أعلام الدول يا ذكي؟
تهربَ الصبيُّ الأول مِن السؤال مُردداً قائلا: لا تهمني الأعلام بقدر إهتمامي بمَصابيحها، سوف أتسولُ ليلاً ونهاراً، وسوف أشتغلُ بأيِّ عمل لأجمع النقود، وعندما أجمعُ المَبلغ الكافي سوف أشتري هذه الدراجة، وحينما أملكها سوف أركبها وأطوف بها كل شوارع الحارة وحتى الحارات القريبة، بل وسوف أسافر بها إلى كل المُدن ودول العالم.
فأجابهُ الصبيُّ الثاني بتحدي وغضب قائلاً: لا أنا سأشتريها قبلك فلديَّ بعض النقود التي جمعتها مِن التسول وسأجمع قريباً ما تبقى، وحينما يُجهز المَبلغ سأبادر على الفور لشرائِها.
فأجاب الأول بصوتٍ عالي والغضبُ يكتسي وجههُ مُتحدياً زميلهُ قائلاً: لا أنا سأشتريها قبلك أيُّها الغبي، وإذا لم تسكت سأشبعك ضرباً مُبرحاً.
فتحداهُ الثاني بعنادٍ وإصرار قائلاً: لا أنا سأشتريها قبلك، وسترى قريباً، كيف سأركب تلك الدراجة وألف بها الشوارع.
تحول الجدال والتحدي في ثواني إلى الشِجار والسبِ وأنتهى بالضرب بينهما، فأخذا يضربان بعضهما وتبادلوا الركلاتِ واللكماتِ، وأطاحا بعضهما أرضاً؛ حتى أدمت وجهيهما مِن شدة اللكمات.
وفجأة سادَ الهدوء بينهما وهما يسمعا جرس الدراجة ترنُ برنينها العذب، فأخذا ينظران نحو مَصدر صوت الجرس وإذا بهما يتفاجئا بصبي راكباً تلك الدراجة بصحبةِ والدهِ الذي أشتراهُ لهُ، وغادرا المَحل، ورنينُ جرس الدراجة يملأ صداهُ الحي بين الحين والآخر، فظل الصبيان ينظران إليهما؛ حتى غاب الصبيُّ بدراجتهِ عن ناظريِّهما في الطريق، وأختفى معهما رنين الجرس، الذي ظل صداهُ يرنُ في أذن الصبيان.
نظرَ الصبيان لبعضهما بحزن وأسى، وساعدا بعضهما على النهوض مِن الأرض التي كانت قبل ثواني حلبة صراع بينهما، ونفضا ملابسهما مِن التراب والغبار ومسحا بكميِّ قميصِهما وجهيهما مِن الدماء، ثم أبتسما إلى بعضهما وأسترسلا في الضحك، كأنهما أستفاقا مِن حلم الدراجة، ثم وضعا أيديهما فوق كتفيِّ بعضهما وغادرا المكان وهما يصفران على نفس نغمات رنين جرس الدراجة، وأدركا بأن صداقتهما أقوى مِن حلم الدراجة.
 
* حازت القصة على الجائزة الثالثة في مسابقة النور السادسة للإبداع لأدب الطفل 2014
 

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

" شيخ الحكماء" قصة للأطفال من اقتباس: روضة السالمي

Village%20health%20worker%20trains%20community%20members_Hesperian%20drawing.jpeg
شيخ الحكماء
 
اقتباس: روضة السالمي

هل سمعتم يا أعزائي حكاية الملك عبّاس وشيخ الحكماء وراعية الأغنام سلمى؟ لم تسمعوا بها بعد؟ هيا معي إذن لأقصّها عليكم، وأنصتوا جيّدا لجدّكم الحنون يخبركم عن الحكاية من البداية.
 
عَاشَ فِي قديمِ الزّمانِ، فِي مغارةٍ أعلى الجبلِ، شيخٌ طاعنٌ في السنِ أطلقَ عليه سكانُ القريةِ اسمَ "شيخِ الحكماءِ" لِمَا تميّز به من حكمةٍ وطيبةٍ. وأطلقوا على مغارته اسم "مغارةِ الحكمةِ والطيبةِ".
 
grottemodifi%E9e.jpg
 
 
فقد كان أهل القرية، يا أعزائي، يحبون هذا الشيخ ويقدّرونه ويجلّونه أشد إجلال. فهو لم يكن يبخل عليهم بعلمه وبمعرفته، بل كان يساعدهم في حلّ ما استعصى عليهم من مسائل، بفضل ما أوتي من حكمة وذكاء وطيبة قلب ونقاء سريرة.
 
vieil h.jpg
 
ونظير ذلك يا أحفادي، كان أهل القرية يرسلون إليه مع سلمى راعية الأغنام ما يحتاجه من طعام وشراب ولباس وأوراق وأقلام وكتب.
 
أما سلمى فقد كانت فتاة يتيمة، مات أبوها في الحرب وهي في سنّ السابعة ولحقته أمها كمدا وحزنا بعد أشهر قليلة. فتكفّل أهل القرية الطيبون بالطفلة الوحيدة، واهتموا بها ورعوها حتى كبرت، وأوكلوا إليها مهمة رعي الأغنام.
La-tricoteuse2.jpg
 
هل أخبركم يا أحبتي ماذا فعلت سلمى؟ لقد أخلصت في عملها لما تتمتّع به من شجاعة وذكاء وطيبة وحسن أخلاق، فكانت محلّ حب الجميع وتقديرهم، وكانوا يعوّلون عليها في الاهتمام بماشيتهم، وجلب الأعشاب الطبيّة لهم من أعلى الجبل حيث يعيش شيخ الحكماء.
5245186_Bergere-pak.jpg
لقد كانت سلمى، يا أحبّتي، في العاشرة من عمرها، في مثل سنكم تقريبا، عندما تعرّفت على شيخ الحكماء، فتعهّد بتعليمها القراءة والكتابة، حتى برعت فيها، وأطلعها على مختلف أنواع أسماء النباتات وفائدتها الطبية، فكانت نِعم الطالبة المجتهدة.
 
ثمّ مع تقدّمها في السنّ، عرّفها شيخ الحكماء على مختلف أسماء الكواكب والنجوم، وعلوم الحساب والجبر والهندسة حتى صارت ملمّة بالكثير من المعارف والعلوم، وكانت بدورها تتقاسم ما تعلّمته على يد الشيخ مع نساء القرية وأطفالها. 
 
200px-WWD_Ch3_Page_67-2.png
 
وهل تعرفون ماذا فعلت سلمى؟ لقد كانت همزة الوصل بين أهل القرية والشيخ الحكيم، فكانت تنقل إليه الأخبار، وتستشيره في أمورهم، وتحمل إليه رسائلهم، وكان شيخ الحكماء يجيب على استفساراتهم وما استعصى عليهم من أمور دنياهم ويحكم بينهم بالعدل والإنصاف.
 
بالفعل يا أحبتي، معكم حقّ، الأهالي أيضا فكّروا في الشيخ الحكيم لينقذهم من بطش وجبروت ملكهم عبّاس، وكم طلبوا من شيخ الحكماء أن يغادر مغارته في الجبل ويعيش بينهم لينصّبوه ملكا عليهم ويحكّموه عوضا عن حاكمهم القاسي ولكن من دون فائدة.
 
p10.gif
 
فقد كان شيخ الحكماء يفضّل حياة الزهد والتأمّل على حياة البذخ والقصور، حتى يئس القرويون من إمكانية نزوله من جبله العالي، ورضوا بما اختاره لنفسه، وبما قدّر لهم من العيش تحت حكم من لا رحمة في قلبه ولا حكمة في عقله.
 
وكان الملك عبّاس، كما أخبرتكم، شخصا قاسيا متهوّرا، لا تعرف الطيبة طريقا إلى قلبه، وكان يرعب القرويين بأخذ أموالهم، وإرسال أبنائهم إلى محاربة ممالك الجوار.
 
وكان جميع الأهالي يخشون سلطته وبأسه، ويجارونه في كلّ ما يطلبه منهم تجنبا لإثارة غضبه وتوقّيا من شرّه، وفي سرّهم كانوا يتمنوّن حدوث معجزة تريحهم منه ويطلقون عليه اسم "شيخ البَغْضَاءِ" لصلفه وتكبّره وجبروته، وأطلقوا على قصره اسم "بؤرة الجشع والكبرياء".
 
the_king_of_hearts_by_gabrielzuai-d485hzs.jpg
 
وكما توقّعتم يا أحبتي، فقد كان للملك حاشية أعمى الطمع قلوبهم وأفسد التكبّر والغرور أخلاقهم، فكانوا يشيرون عليه أسوء التدبير ويعيثون فسادا في المملكة، إلا وزير العدل صابر الذي كان يشفق على الأهالي ويحاول جاهدا كفّ أذى الملك وبطانة السوء عنهم. ولكنه، يا أحفادي، كان ضعيفا عاجزا أمام استفحال الفساد في القصر، فلم يفلح في تحقيق العدل والإنصاف بين الناس.
 
وكان للملك ابن وحيد اسمه حسن، ماتت أمه وهو في سنّ الرابعة، وقد كان يحبّه حبا جمّا، ويخاف عليه خوفا شديدا.
 
027.png
 
وكان هذا الابن، يا أحبتي، زاهدا في الدنيا، راغبا في العلم والأدب، هاويا للرسم والفنّ، رقيق الإحساس، طيّب القلب، محبّا لوالده مخلصا في نصحه، ولكن دون جدوى، فلم يكن الملك ورغم حبّه الشديد لابنه، ينفك يقلّل من شأن الفنّ وطلب العلم، ويدعو ابنه في المقابل إلى التحلي بالشدّة والقسوة ليتمكّن من إدارة شؤون المملكة بقبضة من حديد.
 
prince_of_persia_4_sketch_by_clovermirror-d5di4xm.jpg
 
وحدث يا أحفادي، أن رأى الملك ذات ليلة كابوسا أيقظه فزعا، فقد رأى في ما يراه النائم بأن رأسه تحوّلت إلى شجرة كثيفة الأغصان يأكل صغار الأغنام والماعز الجبلي من أوراقها، وأصبحت عيناه جوهرتان جامدتان لا روح فيهما.
 
وعاود هذا الكابوس المخيف يا أحبائي الملك طيلة ثلاث ليال متتالية حتى أقضّ مضجعه، وانتابه مرض غريب عجز الأطباء عن علاجه، مثلما عجز حكماء القصر عن تفسير حلمه المزعج.
Monfort.png
 
اشتدت الحمى، يا أحفادي، على الملك عبّاس الذي أنهك المرض جسمه، وغطى الطفح جلده، وأخذ يهذي بكلام غير مفهوم، ولم يساعده في محنته تلك غير ابنه حسن الذي لازمه، ووزير العدل صابر الذي أرسل في طلب الأطباء لعلاجه واستقدم المفسرين ليحلوا لغز الحلم الذي أسقمه.
 
ومثلما توقّعتم يا أحفادي فقد انتشر خبر مرض الملك عبّاس سريعا، فاستبشرت بطانة السوء وأخذوا يجهّزون أنفسهم للاستيلاء على الحكم، ورحّب القرويون بالخبر وفرحوا بقرب الخلاص، إلا سلمى التي لم تشمت بمرض الملك والشيخ الحكيم الذي هزّ رأسه عدّة مرات لدى سماعه الخبر من دون أن ينبس ببنت شفة.
 
universit%E9.jpg
 
وعندما يئس الأطباء والعلماء من إيجاد علاج لجسم الملك وروحه المعذّبة، أشاروا على الأمير بلقاء شيخ الحكماء لعلّه يساعدهم.
 
فكّر الأمير، يا صغاري، مليّا وتشاور مع وزير العدل صابر الذي نصحه بأخذ الملك معه خشية أن تعمد بطانة السوء، التي أعمى الطمع بصيرتها، إلى قتل الملك في غياب ابنه.
 
14686978-bois-panier-vide.jpg
 
حمل حسن والده عبّاس في عربة خشبية قديمة وخرج متنكّرا من القصر، وقضى أياما طويلة يجوب القرى متنكرا باحثا عن مكان الجبل الذي يقيم فيه شيخ الحكماء.
 
وكان أشد ما أحزن الأمير، يا أحفادي، هو السعادة التي لمسها لدى سكان المملكة وتشفيهم في مرض والده عبّاس، ولذلك فقد عمد إلى المرور من الطرق الزراعية حتى لا يعترض طريقهم أحد.
 
ورغم شدّة اعتناء الابن بأبيه وحرصه على سلامته، فقد ساءت حالته وما انفكت الكوابيس المزعجة تراوده ليلا نهارا، حتى ازداد سقمه، وغطت القروح جسمه، وكادت الحمى تذهب بصره.
 
وذات يوم، يا أعزائي، وبينما كان الأمير يأخذ قسطا من الراحة تحت شجرة وارفة الظلال، بعد أن اطمأنّ على والده النائم في العربة، رأى سلمى عائدة بخرافها من المرعى.
 
GermaineCousin2.jpg
 
لمحته سلمى من بعيد فقصدته وألقت عليه التحية، وبسخاء وطيبة قلب ومن دون تردّد أعطته ما معها من زاد، فشكرها حسن على صنيعها، وسألها أن تدلّه على مكان شيخ الحكماء.
 
تفطّنت، يا أحبابي، الفتاة الذكية إلى هوية مخاطبها ولكنها تظاهرت بعدم معرفته، فلم تسأله عن قصّته مراعاة لمشاعره، وطلبت منه أن ينتظرها ريثما تعيد الأغنام إلى أصحابها، ثم ترجع إليه فتصطحبه إلى الشيخ الحكيم.
 
gibbon2.jpg
 
فرح حسن بلقاء سلمى واستبشر خيرا بها، وأحسّ بأن شفاء والده بات قريبا. وكانت الشمس توشك على المغيب عندما وصلوا إلى باب المغارة بعد أن اجتازوا بصعوبة بالغة طرقا شائكة وملتوية في الجبل.
 
ولما نظر إليهم الشيخ الحكيم، يا أحفادي، فهم مقصدهم قبل حتى أن ينبسوا ببنت شفة، وطلب من سلمى إعداد شراب دافئ من الأعشاب الجبلية مع حليب الماعز والعسل، ومرهم جلدي من مسحوق أوراق شجرة وصفها لها.
 
lektica-209844b.png
 
أعدت سلمى الدواء بكلّ همّة وإخلاص، وكانت تدعو من كلّ قلبها أن يشفى المريض. وفي الأثناء كان حسن يقصّ على الشيخ الحكيم تفاصيل الكابوس الذي أقضّ مضجع والده. وبعدما أنصت الحكيم بانتباه إلى حسن، بشّره بقرب شفاء والده بفضل برّه به وإخلاصه في محبته.
 
وبالفعل، يا أحبابي، فبعد أيام من تناول الدواء بانتظام وبفضل إخلاص سلمى في رعاية عبّاس وتفاني ابنه حسن في العناية به بناء على توجيهات شيخ الحكماء، تحسّنت حالة المريض وبدأ يتخلّص من سقمه شيئا فشيئا حتى استعاد عافيته.
 
وذات مساء، بعد أن شفي الملك عبّاس تماما، وعندما كان الجميع يتأملون الكواكب والنجوم ويدرسون أهم الأحداث الفلكية الدورية، انتحى الملك عبّاس بابنه على جنب، وهل تعرفون يا أعزائي ماذا أخبر ابنه؟ لقد أخبره رغبته في العودة إلى مملكته.
 
chateau-barbe-bleue3.png
 
تظاهر كلّ من الحكيم وسلمى بأنهما لم يسمعا الحوار الدائر بين الأب وابنه، وحاول حسن إثناء أبيه عن رغبته، ولكن، ومثلما توقّعتم، فإن الملك عبّاس كان متعنّتا كعادته وأبى أن يستمع إلى النصح، عندها تدخّل الشيخ الحكيم طالبا من الملك عبّاس أن ينظر إليه مليا وقال له:
-         هل عرفتني يا عبّاس؟
 
استغرب الملك، مثلما أنتم الآن تستغربون، من سؤال شيخ الحكماء، ولكن ذلك تبدّد عندما تفرّس مليا في وجه الشيخ وهنا صاح صيحة مدوّية:
-         أهذا أنت؟
 
2011-05-03_cauchemar_01.jpg
 
أجابه شيخ الحكماء بكلّ هدوء:
-         نعم إنه أنا الملك نعمان الذي انقلبت عليه حالما مرض وأمرت حرسك بأن يقتلوه..
 
ووسط دهشة الجميع، يا أحبابي، تحدّث الشيخ الحكيم نعمان عن المحنة التي تعرّض لها منذ أكثر من عشرين عاما عندما مرض وتدهورت صحّته وخانه أخلص أصحابه وهو الوزير عبّاس، ولكنه تمكّن من الهرب بفضل مساعدة أحد حراسه المخلصين.

7026998.jpg
 
وعند سماع الملك عبّاس هذه الحكاية تأثّر بالغ التأثّر وأجهش بالبكاء الشديد، وأخفى وجهه بين يديه، معبّرا عن خجله وندمه عما بدر منه متمّنيا لو أنّ الأرض تنشق وتبتلعه.
Old-Elliot-e1415334641596.jpg
 
 وحاولت سلمى، يا أحبابي، والتي حرصت طوال المدة الماضية على إخفاء أمر استيلاء الوزير الأول صفوان على الحكم في غيابه، أن تخفّف عن عبّاس محنته وتشدّ من عزيمته، فنصحته بلهجة رقيقة وهي تمسح دموعه برقّة بأن يعتبر ما حدث فرصة ثمينة تجعله ينظر إلى الحياة بشكل مختلف ويقدّر الأشياء حقّ قدرها.
 
وبعد تلك الحادثة، اعتكف الملك عبّاس، عدّة أيام، مقلّبا بصره في ما عاشه من المحن، ثم قرّر أن يغيّر حياته ويستفيد من قربه من الشيخ الحكيم. واستجمع ذات يوم شجاعته وقال له:
 
-         لقد كنتُ يا نعمان أعتقد أنني إنما انتزعت منك الملك لأنني أقوى منك.. ولكن في الحقيقة كنت أنت الأقوى.. لأنك استطعت أن تؤسس مملكة من الحكمة والطيبة والكلمة الحسنة..
 
coloriage-couronne-galette-des-rois.jpg
 
وهل تعرفون يا أحفادي كيف انتهت هذه القصّة؟ فبعد تلك الليلة بسنوات، وبعد أن توفي شيخ الحكماء، تمكّن الحكيم عبّاس وابنه حسن وزوجة ابنه سلمى (طبعا مثلما توقّعتم ومثلما يحدث في كلّ الحكايات فقد تزوّج حسن ابن الملك بسلمى الفقيرة وأنجبوا العديد من الأبناء والبنات)، قلت إذن يا أحفادي قبل أن تقاطعوني بأنهم تمكّنوا من أن يعلّموا القرويين ويبنوا المدارس والمستوصفات وينشروا الفنّ والعلم في كلّ أرجاء المملكة.
 
وكان الحكيم عبّاس كثيرا ما يردّد بأن الفنون والعلوم هي الشجرة التي تغذي الأجيال، وأنّ العين التي لا تبصر جوهر الأشياء إنما هي عين لا ترى. وكان ذلك، مثلما خمّنتم يا أحبتي، تفسير الحلم الذي كان سببا في ضياع كرسي الملك منه وتعويضه بما لا يقدّر بثمن من الحكمة والعلم والمعرفة.
 
وتمكّن الأهالي بفضل التعليم أن يغيّروا الملك صفوان، هل تذكرونه يا أحفادي؟ إنه ذلك الذي استولى على الحكم بعد مرض عبّاس، وجعلوه يدرك أهميتهم بقوّتهم ووحدتهم، فحكمهم بالعدل مستعينا بالثقاة من الوزراء.
 
وهكذا انتهت حكاية اليوم وإن أعجبتكم يا أعزائي فاحكوها عندما تكبرون لأبنائكم وأحفادكم...
wesdom.png