لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



السبت، 28 مارس، 2015

"مغامرات حديدون " قصة للأطفال بقلم: زينب حبش

مغامرات حديدون

  زينب حبش
أوصَتْ الأرنبةُ ابنَها حديدون أنْ لا يخرجَ من المنزِلِ في غِيابِها، حتّى لا تُؤذيهِ حَيواناتُ الغابَةِ. ولكنّهُ شعرَ بالمللِ، فأخْرجَ رأسَهُ الصّغيرَ، وراحَ يَلتفِتُ يَمْنةً ويَسرةً. لمْ يرَ سِوى الحشائِشَ والزُّهورَ الجميلةَ. قفزَ قفْزةً صَغيرةً إلى الأمامِ. فشاهدَ الأَشْجارَ العاليةَ والفَراشَ المُلوّنَ. نسيَ وصيّةَ أمّهِ، وراحَ يَقْفزُ إلى الأَعْلى لِيلْحقَ بإِحدى الفَراشاتِ. لمْ يسْتطعْ. رأى العَصافيرَ تُحلِّقُ ثمَّ تحُطُّ على أَغصانِ الأشجارِ. حاولَ أنْ يُحلِّقَ مِثلَها فلمْ يسْتطعْ. نظرَ إلى الزُّهورِ المُتَناثرةِ بينَ الحَشيشِ. وَضعَ أنفَهُ الصَّغيرَ على إحداها وَشمّها. رائحتُها جَميلةٌ. قفزَ منْ زهرةٍ إلى زهرةٍ كما فعلتْ الفَراشاتُ، ثمَّ قضمَ بعضَ الحشائشِ بِفمِهِ المشقوقِ: آهٍ كمْ هيَ لذيذة!

وَفجأةً. لمحَ على البُعدِ مَخلوقاً كبيراً يُلاحقُ شيئاً آخرَ صغيراً جداً.

- يا لَلهوْلِ! ما هذا؟ إنّهُ ليسَ مِثلَ أُمّي، وَذلكَ الشَّيءُ الصَّغيرُ ليسَ مِثلي، كما أنَّ ذنبَهُ رفيعٌ وطويلٌ.

وقبلَ أنْ يسترسلَ في تَساؤُلاتِهِ، دخلَ المخلوقُ الصَّغيرُ بيتَ حديدون في لمحِ البصرِ.

أمَّا المخلوقُ الكبيرُ، فراحَ ينظرُ إلى حديدون بعينينِ مُخيفتينِ.

- هلْ رأيتَ فأراً يمرّ منْ هُنا؟ مِيا..و..!

أدركَ حديدون على الفورِ أنَّ المخلوقَ الصَّغيرَ الذي دخلَ بيتَهُ اسمُهُ فأرٌ. ولكنَّهُ نظرَ إلى القطِّ وقالَ:

- لا. لمْ .. أ..رَ.. شيئاً.. بِِ .. هذا .. ال.. اسمِ.

- مِياوْ ... مِيا ا ا ا وْ...إذا عرفتُ أنكَ تُخبِّؤُهُ في بيتِكَ، فإنني سآكلُكَ بدلاً منهُ . مِيا ااا وْ... !


ارتجفَ حديدون ولمْ يدرِ ماذا يفعلُ. وحينَ رأى ذنَبَ المخلوقِ الكبيرِ يَهتزُّ أدركَ أنَّ هُناكَ عداوةً بينَ الفأرِ الصَّغيرِ وبينَهُ. وقالَ بصوتٍ مخنوقٍ:

- هلْ .. تسمحُ .. أنْ .. أسألَكَ .. سُؤالاً؟

- ماذا؟ ما هُوَ سُؤالُكَ؟ مِيا ... وْ.

- هلْ ... هُـ ... وَ .. ابنـُ ... كَ؟

ضحكَ القطّ منْ غَباءِ حديدون.

- أيُّها الغبيّ، أنا قِطّ، أمّا هوَ فليسَ سوى فأرٍ أُحاولُ اصطيادَهُ لآكلَهُ.

ازدادَ ارتجافُ حديدون:

_ "حمداً للهِ أنني لستُ فأراً".

وحينَ تذكَّرَ تَهديدَ القطِّ بأنَّهُ سيأكُلُهُ إذا وجدَ الفأرَ في بيتِهِ، احتارَ ماذا يفعلُ. هلْ يهربُ إلى البيتِ؟ هلْ يظلّ واقفاً أمامَ هذا القطِّ المُخيفِ؟ أمْ ماذا؟

راحتْ نَظراتُهُ تتوزّعُ مرّةً على بابِ البيتِ، ومرّةً أُخرى على القطِّ.

وَفجْأةً، لمعتْ في ذهْنِهِ فِكرةٌ.

- أنتَ سألتَني إذا كنتُ قدْ رأيتُ فأراً يمرّ مِنْ أمامي. والحقيقةُ أننَّي لمْ أرْ في حَياتي أيَّ فأرٍ. فأنا صغيرٌ، ولمْ أتعلَّم أَسماءَ المخلوقاتِ بَعد. ولهذا قلتُ لكَ لمْ أرَ شيئاً بهذا الاسمِ. أمَّا حينَ قلتَ لي إنهُ ليسَ ابنُكَ، فإنَّني سأقولُ لكَ الحقيقةَ. فقدْ رأيتُ شيئاً صغيراً، رأسُهُ صغيرٌ وذنبُهُ طويلٌ، راحَ يَجري أمامي ويتَّجِه نحوَ تلكَ الشَّجرةَ البعـ..ييـ دَةَ.


فرحَ القطّ. وقبلَ أنْ يتأكَّدَ مِنْ صِدقِ الأرنبِ الصَّغيرِ، انطلقَ يجري نحوَ الشَّجرةِ البعيدةِ التي أشارَ إليها حديدون.

لمْ يُصدِّقْ حديدون عَينيهِ. يا لَلرَّوْعةِ! لقدْ نجحتْ الحيلةُ. ثمَّ انطلقً إلى البيتِ ليُخبرَ الفأرَ الصَّغيرَ. إلا أنَّهُ بحثَ عنهُ فلمْ يجدْهُ. وأخيراً رآهُ مُنزوياً خلفَ البابِ ينظرُ إليهِ بِخوفٍ وَريبةٍ. فابتسمَ في وجهِهِ.


اطمأنَّ الفأرُ، وخرجَ منْ مكانِهِ. حدّثهُ حديدون عمّا حصلَ بينَهُ وبينَ القطّ.

- أشكرُكَ يا عزيزي، فقدْ أنقذتَ حياتي.


في تلكَ الأثناءِ كانتْ أمُّ حديدون في طريقِها إلى البيتِ، وكانتْ تحملُ سلّةً فيها بعضُ الطَّعامِ. وحينَ اقتربتْ مِن المنزلِ، سمعتْ ضجّةً وضحكاً، وأصواتاً غريبةً. فتحتْ البابَ بهدوءٍ. ونظرتْ إلى ابنِها وإلى الفأرِ الصَّغيرِ بِدهشةٍ.

قفزَ حديدون نحوَها وراحَ يُحدّثُها عمّا حصلَ معَهُ في ذلكَ اليومِ. ابتسمتْ الأمُّ. أمَّا الفأرُ، فراحَ يُحدّقُ في وَجْهِها مُندهِشاً مِن جمالِها وأناقتِها.

نظرتْ أمُّ حديدون إلى الفأرِ الصَّغيرِ بِحنانٍ:

- ما اسمُكَ يا حَبيبي؟

- اسمي فرفور. هكذا دَعتْني أُمِّي قبلَ أنْ ...

بكى فرفور. مسحتْ أمُّ حديدون الدُّموعَ التي جرتْ على خدّهِ.

- لا تحزنْ يا بُنيَّ. فأنتَ مُنذُ هذهِ اللحظةِ ستكونُ ابني، وسيكونُ حديدون أخاكَ.

فرحَ حديدون. فقبَّلَ أُمَّهُ.

أعدّتْ أمُّ حديدون الطعامَ الذي أحضرتْهُ. فأكلَ منهُ الجميعُ. وفي المساءِ، أعدّتْ مكاناً خاصَّاً لفرفور لينامَ فيهِ.


في صباحِ اليومِ التالي، طلبَ حديدون مِن أمِّهِ أنْ تسمحَ لهُ ولفرفور بالتَّنزُّهِ في الغابةِ. فأوْصتْهُما أنْ يكونا حَذِرَينِ وأنْ لا يَبتعدا عَن البيتِ.

شكرَها حديدون وفرفور، وقبَّلاها قبلَ أنْ يُغادرا البيتَ.


- انتظرْ يا فرفور حتَّى أكشفَ لكَ الطَّريقَ.

نظرَ في جميعِ الجِهاتِ، ثمَّ أشارَ لهُ أنْ يتبعَهُ.

تردّدَ فرفور. ولكنَّهُ حينَ رأى حديدون يقفزُ أمامَهُ بينَ الزُّهورِ والحشائشِ، شعرَ بالأمانِ، فانطلقَ نحوَهُ.

اختارا منطقةً قريبةً منَ البيتِ لِيلْعبا ويَتسابقا. وبينما هُما يَلْهُوانِ ويضْحكانِ، سَمعا أنيناً ضعيفاً لِحيوانٍ صغيرٍ.

رفعَ حديدون أُذُنيْهِ إلى الأعلى. وراحَ فرفور يشمُّ رائحةَ المكانِ. أحسًّ بالخطرِ. فالرّائحةُ تُؤكِّدُ أنَّ هُناكَ قِطَّاً قريباً منهُ. ولكنَّهُ حينَ رأى حديدون يتَّجهُ نحوَ الصَّوْتِ، تَجرّأَ وركضَ خلفَهُ.

- يا لَلهولِ! إنَّها قطّةٌّ صغيرةٌ حديثةُ الولادةِ.

انظرْ يا فرفور. يا لَلمسكينةِ ! فهيَ لا تستطيعُ أنْ تفتحَ عَيْنَيْها. وقدمُها الصغيرةُ مُقيَّدةٌ بِبعضِ الأسلاكِ وَالخيطانِ. تُحاولُ المسكينةُ أنْ تتخلّصَ مِنها ولكنَّها لا تَستطيعُ.

اندفعَ فرفور نحوَ القطَّةِ، وقضمَ الخيطانَ وأزاحَ الأسلاكَ. عندئذٍ فتحتْ عَيْنَها الخضراوينِ الجميلتينِ، وابتسمتْ لفرفور تشكرُهُ.

_ مِياوْ ... مِياوْ...

- لا بُدَّ أنَّها جائعةٌ. هيَّا نأخذْها إلى البيتِ لِنقدّمَ لها بعضَ الطَّعامِ. هلْ تعرفُ يا فرفور ما هوَ طعامُ القطَّةِ؟

ارتجفَ جسدُ فرفور. ولكنُّهُ تَمالكَ نفسَهُ:

- بما أنَّها .. لا .. تزالُ صغيرة.. فهيَ ... تشربُ.. الحليبَ.

- حمداً للهِ أنّهُ يوجدُ لدينا بعضُ الحليبِ. ولكنْ انظرْ إليها، أليسَ هُناكَ شبَهٌ كبيرٌ بينَها وبينَ القطِّ الذي كانَ يُطاردُكَ؟

- أجلْ هُناكَ شَبهٌ كبيرٌ. رُبَّما تكونُ ابنتَهُ أو قريبتَهُ.

حكَّ حديدون رأسَهُ.

- بمَ تُفكّرُ يا حديدون؟

- أفكِّرُ بهذهِ القطَّةِ المِسكينةِ. هلْ سَتُلاحقُكَ في المُستقبلِ يا تُرى؟

- لا أدري. ولكنْ دعْنا نُساعدْها الآنَ.


حينَ وصَلا البيتَ، كانتْ أمُّ حديدون بانتظارِهما . وحينَ رأتْ القطَّةَ الصَّغيرةَ تَعرجُ وهيَ تسيرُ بَينهُما، سألتْ بانزِعاجٍ:

- مِن أينَ أتيْتُمْ بهذهِ القطَّةِ؟ وَماذا أصابَها؟

- وجدْناها تموءُ وتتخبَّطُ في كَوْمةٍ منَ الخيطانِ والأسلاكِ. ولولا فرفور لما استطاعتْ المَشيَ على قدميْها.


احتارتْ أمُّ حديدون ماذا تفعلُ. هلْ تسمحُ للقطَّةِ أنْ تعيشَ مَعها ومعَ حديدون وفرفور؟ أمْ تَكْتفي بتَقديمِ الطَّعامِ لَها ثمَّ تَدعُها وشأنَها؟!

- يا إلهي! ماذا لو جاءَ ذلكَ القطُّ الذي حدَّثَني عنهُ حديدون يبحثُ عنْها؟


ماءَت القطَّةُ مُواءً حزيناً. فأيقظتْ أمَّ حديدون منْ أفكارِها، وجعلتْها تَحمِلُها بينَ ذِراعَيْها وتعودُ بِها إلى البيتِ.

أحضرَ حديدون ضمّادةً لِتَضعَها أمُّهُ على قدمِ القطَّةِ التي لا تزالُ تنزفُ . أمَّا فرفور، فأحضرَ لها بعضَ الطَّعامِ.

- ماذا نُسمِّيها يا أُمِّي؟

- سَنُسمِّيها بَسبوسة الصغيرة.

ضمّدتْ أمُّ حديدون قدمَ بَسبوسة، ثمَّ قدّمتْ لَها الطَّعامَ. وبعدَ ذلكَ، راحتْ الصَّغيرةُ تقفزُ وتضحكُ معَ حديدون وفرفور.


لمْ تنمْ أمُّ حديدون جيِّداً وهيَ تُفكِّرُ بالصِّغارِ الثَّلاثةِ.

- كيفَ أحْميهمْ منَ الأخطارِ التي تُحيطُ بهمْ في هذهِ الغابةِ الكبيرةِ؟


ارتجفَ جسدُها وهيَ تَستعرضُ الحَيواناتِ والزواحفَ والطيورَ المُفترسةَ. ثمَّ تذكَّرتْ العِداءَ القديمَ بينَ القِطَطِ والفئرانِ. وها هي تسمحُ لفرفور وبسبوسة الصغيرةِ أنْ يَعيشا تحتَ سقفٍ واحدٍ.

- لا. هذا لنْ يستمرَّ. سأجدُ طريقةً أتخلَّصُ بِها منَ القطَّةِ.

ولِشدَّةِ دَهْشتِها، استيقظتْ صباحَ اليومِ التَّالي على أصواتِ الصِّغارِ الثَّلاثةِ، وهُمْ يَلْعبونَ ويَضْحكونَ في باحةِ المنزلِ.

فابتسمتْ بارتياحٍ:
- يا لَلأطفالِ الصِّغارِ! إنَّهُمْ لا يُفكِّرونَ إلا باللعبِ.

ليست هناك تعليقات: