لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الخميس، 25 أغسطس، 2016

"تاج الياسمين الأبيض" قصة للأطفال بقلم: د.عبير حسن

  تاج الياسمين الأبيض
قصة ورسوم : عبير حسن
عَلى أطرافِ الغَابةِ البعِيدة، تُوجَدُ تَلةٌ خَضْراءُ بَديعة، أقامَ الإِوَزُّ الأبيضُ فوقَها مَدِينةً صَغِيرةً وجَمِيلةً أَسْمَوْها " مَمْلَكةَ الإِوَز ". وكانت تَحْكُمُها مَلِكَةٌ عَادِلةٌ وطَيْبَةٌ، فَأحَبَّها الجَميع واحْتَرَمها.
مَرِضَتْ المَلِكَة، ونَصَحَها الطبيبُ أن تَخْرُجَ كُلَ يوم لِتَتَنَزه في التِلالِ العاليةِ خارِجَ مَمْلَكَتِها في الهَواءِ الطَلْق، مؤكِداً لها أن ذلكَ سَيَجْعَلُها تَسْتَعيدُ عافِيتَها سَرِيعاً.
اسْتَجابْت المَلِكة لِنَصِيحَةِ الطبيب. وفى إحدى المَرات، بَينَما هي في نُزْهَتِها هَذِه، وقَع تاجُها الذهبِيُّ من على رأسها، وبِسُرعةٍ تَدَحْرَجَ بَعيداً بَعيداً، وهوى أسفلَ التَل، وأصْبحَ مِن المُسْتَحيلِ الوصُولُ إليهِ، واسْتعادتُه!
عادت مَلِكةُ الإِوَزِّ وَمَنْ مَعَها حَزينةً إلى المَمْلَكة، أَغْلَقتْ عَليها حُجْرَتَها، وزادها الحُزنُ على تاجِها مَرَضَاً على مَرَض. وأشَد ما كانَ يُحْزِنُها، أن التاجَ المفقودَ كانت قد وَرِثَتْهُ عن أَجْدَادِها. لذلك فهي لا تتوقفُ عن لومِ نَفْسِها وتَأْنِيبها لِفقْدانه، ولم تَعُدْ تَتحدثُ إلى أَحَد. وشَارَكَ شَعْبُ الإِوَزِّ المَلِكةَ في أحزانِها.
وبعيدا ًعن الملكةِ وأحزانِها التي تَفَاقَمْت، اقْتَرَحَت مَجْمُوعَةٌ من الإِوَزِّات من الشاباتِ الرَقِيقات أن يَصْنَعْنَ لِمَلِكَتِهنَّ المَحْبُوبَةِ تاجاً من الياسْمينِ الأبيضِ كُلَّ يوم.. لعل تاجَ الياسْمين هذا يُنْسِيها حُزْنَها على فُقْدان التاجَ الذهبي، كما أنه ليس من اللائِقِ أن تَبْقَى مَلِكَتِهُن الطَيْبَةُ بِلا تاج. وقَد لَقِي هذا الاقْتِراحُ مُوافَقَةَ الجَميع، بل وَتَشجِيعَهُن.
وفي اليومِ التالي، دَعَتْ الإِوِزَّات المَلِكةَ لِلخُروجِ إليهن في ساحَةِ المملكة، بَعْد أن صَنَعْنَ لها أولَ تاجٍ مِن زهورِ الياسمين الأبيض. فاستجابتْ لِدَعْوَتِهن برغمِ مَرَضِها. وعِنْدَئِذ حَمَلوا تاجَ الياسْمين الأَبْيَضَ إليها، وألبَسُوها إِياه.. فامْتَلأتْ عينا الملكةِ بالدموعِ، خاصةً حين قالتْ إحداهُن: مولاتي الملكة.. أرجو أن تَقْبَلي هَدِيَتَنا التي صنعها لكِ شعبُ الإِوَزِ من زُهورِ الياسمين الرائعة، التي تملأُ أرضَ المملكة. إنها ثَمَرَةُ الحُبِّ الذى غَرَسْتيهِ فينا، وعَلَمْتِينا إِياه. ولو كان الأمرُ بيدِنا، لأَهْدَيْناكِ كُلَّ يومٍ تاجاً من الذهب واللؤلؤ والألماس. انْهَمَرت دُموعُ المَلِكة وهى تَقول: كُلُّ هذا مِنْ أجلى، وهَلْ أسْتَحِقُّ فِعلاً كُلُّ هذا الحُبِّ؟
كانت الشَمْسُ الصَفْراءُ تَقِفُ مُتَوارِيةً خَلفَ الأشْجارِ تُراقِبُ ما يَحْدُث، وقد أَثَّرَتْ فيها دموعُ الملكة، وأسْعَدتْها مَشَاعِرُ الحُبِّ والوفاءِ بينَها وبين شَعْبِها، فَقَرَرتْ أن تُشَاركَهم فَرْحَتَهم في هذا اليومِ الجَميل. وَسَرْعَانَ ما سَطَعَت وتَوَسَطَت السماءَ، وأرسلتْ أشِعَتها الذَهَبية إلى تاج الياسمينِ الأبْيَض وهى تقول: اللّهُم اجْزِ مَلِكَة الإِوَز خيراً، فَتَحولَ في غَمْضَةِ عَيْنِ تاجُ الياسمينِ الأبْيَض، إلى تاجٍ مُبْهِرٍ مِن الذهبِ المُرَصَعِ باللؤلؤِ والألماس، وأخذَ يَتَلألأُ تَحْتَ ضَوءِ الشَمْسِ الساطعِ. وعادتِ الابْتِسامَةُ مِن جَديدٍ إلى مَمْلَكةِ الإِوَزِ بَعْدَ شِفاءِ مَلِكَتِهنَ المحبوبة، ولم تَعُدْ الإِوَزاتُ الشابةُ الرَقيقَةَ في حاجَةٍ إلي أن تَصْنَع كُلَّ يومٍ عِقْداً من الياسمين الأبيض.

ليست هناك تعليقات: