لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الثلاثاء، 15 مايو 2012

"الغراب الحكيم" قصة للأطفال بقلم: زهير رسام


الغراب الحكيم
زهير رسام 
حينما غنى الغراب في الحديقة الواسعة الفناء ، صمتت البلابل ، واستهجنت صوته ، ثم قال احدهم : ما هذا الصوت المزعج ؟ وقال بلبل آخر من الأفضل أن يكرمنا بسكوته ، وصاح آخر منفعل : بل من الأفضل أن يبتعد عنا ويرحل.
صمت الغراب وهز رأسه مبتسما ، لقد فهم كلام البلابل ، وفهم ما يدور في رؤوسهم الصغيرة ، فتقدم منهم وقال : ابتعدوا عن الغرور يا معشر البلابل فلكل طائر صوته ، دعوا الحمام يهدل ، والعصافير تزقزق ، والحسون يغني ، والغراب ينعق ..
وصمت برهة وهو يتطلع في وجوه البلابل ثم قال : دعوا الأشياء كما هي واستمتعوا فقط بما تحبون .

السبت، 12 مايو 2012

"بائع الدمى " قصة للأطفال بقلم: د. رافع يحيى

بائع الدمى
بقلم: د. رافع يحيى

في مَخْزَنٍ صَغيرٍ بَيْنَ الأَشْجارِ الْخَضْراءِ الْكَبيرَةِ، كانَتْ الدُّمْيَة الصَّغيرَةُ رَوان تَنامُ عَلى سَريرِها الزَّهْرِيِّ الدّافِئِ، وَكانَت كُلَّما تَسْتَقْظِ ُمِنْ نَوْمِها تَسْأَلُ نَفْسَها: هَلْ هُناكَ مَنْ يَشْبِهُني خارِجَ الْمَخْزَنِ؟! لِماذا أَنا هُنا؟! مَنْ وَضَعَنِي فِي هَذا الْمَخْزَنِ المُظْلِمِ؟! أَيْنَ قَدَمي الثّانِيَةُ؟! لِماذا لا يوج َدُ لي إِلا قَدَمٌ واحِدَةٌ؟! كَيْفَ سَأَخْرُجُ مِنْ هُنا بِقَدَمٍ وَاحِدَةٍ؟! ما هذِهِ الأَصْواتُ الَّتي أَسْمَعُها خارِجَ الْمَخْزَنِ؟!
نَظَرَتْ رَوان ذاتَ صَباحٍ إِلى الْنافِذَةِ، فَرَأَتِ الشَّمْسَ مُشْرِقَةً. تَشَجَّعَتْ لِلْخُروجِ مِنَ الْمَخْزَنِ الْمُظْلِمِ، وَقالَتْ: لَقَدْ مَلَلْتُ الظُّلْمَةَ، لَقَدْ سَئِمْتُ الْوِحْدَةَ! يَجِبُ أَنْ أَجِدَ قَدمي، لا بُدَّ أَنْ أَرَى مَاذا يوجَدُ خارِجَ هذا الْمَخْزَنِ الْمُظْلِمِ.
رَأَتْ عَصًا مُلْقاةً في الْمَخْزَنِ، حَمَلَتْها فَفَكَّرَتْ بِالاتِّكاءِ عَلَيْها عِوَضًا عَنْ قَدَمِها. وَصَلَتْ إِلى الْبابِ، وَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتِ الشَّمْسَ تُداعِبُ الزُّهورَ الْمُتَفَتِّحَةَ بِنورِها الدّافِئِ، وَالأَطْفالَ الصِّغارَ يَلْعَبونَ وَيَعْدونَ مَعَ الْكِلابِ وَالْقِطَطِ عَلى طَرَفِ الطَّريقِ. فَصاحَتْ بِفَرَحٍ: ما أَجْمَلَ الدُّنْيا!!
رَآها سِنْجابٌ صَغيرٌ، فَسَأَلَها: أَيْنَ أَنْتِ ذاهِبَةٌ أَيَّتُها الدُّمْيَةُ الصَّغيرَةُ؟ خُذيني مَعَكِ...
قَالَتْ لَهُ رَوان: أَنا ذاهِبَةٌ لِلْبَحْثِ عَنْ قَدَمي، هَلْ بِإِمْكانِكَ مُساعَدَتي؟
أَجابَها السِّنْجابُ: بِالطَّبْعِ أَسْتَطيعُ مُساعَدَتَكِ. سَأَدُلُّكِ عَلى بائِع الدُّمى، إِنَّهُ في الْمَدينَةِ، وَهُوَ بِالتَّأْكيدِ سَيُساعِدُكِ، إِنَّهُ عَجوزٌ طيِّبُ الْقَلْبِ.
سارَتْ رَوان وَالسِّنْجابُ بِمُحاذاةِ النَّهْرِ في طَريقِهِما إِلى الْمَدينَةِ.
كانَ السِّنْجابُ سَعيداً بِاْلقَفْزِ عَلى أَغْصانِ الأَشْجارِ وأَكْلِ الثِّمارِ الشَّهِيَّةِ. نادَتْهُ رَوان، وَقالَتْ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ يا سَنْجوب؟ لَقَدْ تَعِبْتُ! قالَ لَها سَنْجوب: اُنْظُري أَمامَكِ جَيِّداً، سَتَرَيْنَ الْمَدينَةَ. هَلْ تُريدينَ الاسْتِراحَةَ أَمِ الْوُصولَ إِلى الْمَدينَةِ بِسُرِعَةٍ؟!
قَالَتْ لَهُ رَوان: لا.. لا.. لَقَدْ تَعِبْتُ، أُريدُ أَنْ أَسْتَريحَ قَليلاً...
جَلَسَتْ رَوان قُرْبَ النَّهْرِ، رَشَّتِ الْماءَ عَلى وَجْهِها، بَلَّلَتْ قَدَمَها بِمِياهِ النَّهْرِ الْبارِدَةِ، وَقالَتْ: ما أَجْمَلَ النَّهْرَ! إِنَّهُ سَعيدٌ مَعَ أَنَّهُ يَسيرُ دونَ أَقْدامٍ!
وَبَيْنَما كانَتْ رَوان تَجْلِسُ عَلى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ قُرْبَ النَّهْرِ، خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ الصُّخور سُلَحْفاةٌ ضَخْمَةٌ. خافَتْ مِنْها رَوان كَثيراً. قالَتْ لَها السُّلَحْفاةُ: لا تَخافي! أَنا أُحِبُّ الأَطْفالَ. ثُمَّ جَلَسَتْ قُرْبَها عَلى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ، وَسَأَلَتْها: إِلى أَيْنَ أَنْتِ ذاهِبَةٌ أَيَّتُها الدُّمْيَةُ اللَّطيفَةُ؟ أَجابَتْها رَوان: أَنا ذاهِبَةٌ إِلى الْمَدينَةِ لِلْحُصولِ عَلى قَدَمٍ مِنْ حانُوتِ الدُّمى.
رَدَّتْ عَلَيها السُّلَحْفاةُ: هَلْ تَعْرِفينَ يا رَوان أَنَّ خَلْفَ جداً... كُلَّما أَراهُمْ أَشْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَأَتَمَنّى لَوْ أَنّي أَسْتَطيعُ مُساعَدَتَهمْ! إِنَّهُمْ يَرْكَبونَ عَلى قَوْقَعَتي وَأَنْقُلُهُمْ مِنْ مَكانٍ لآخَرَ.
قالَتْ رَوان: أَنا أَكْرَهُ الْحَرْبَ، وَسَأَذْهَبُ لِمُساعَدَتَهمْ بَعْدَ أَنْ أَحْصُلَ عَلى قَدَمٍ جَديدَةٍ.
لَكِنَّهُمْ مِثْلُكِ حُرْموا مِنْ أَقْدامِهِمْ بِسَبَبِ الْحَرْبِ اللَّعينَةِ. أَنا أُحِبُّهُمْ جِداً... كُلَّمَا أَراهُمْ أَشْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَأَتَمَنّى لَوْ أَنّي أَسْتَطِيعُ مُساعَدَتَهُم! إِنَّهُمْ يَرْكَبونَ عَلى قَوْقَعَتي وَأَنْقُلُهُمْ مِنْ مَكانٍ لآخَرَ.
قالَتْ رَوان: أَنا أَكْرَهُ الْحَرْبَ، وَسَأَذْهَبُ لِمُساعَدَتَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَحْصُلَ عَلى قَدَمٍ جَديدَةٍ.
رَدَّتْ عَلَيٍْها السُّلَحْفاةُ: عَظيمٌ عَظيمٌ!! أَنْتِ دُمْيَةٌ طَيِّبَةٌ سَأُساعِدُكِ لِلْوُصولِ إِلى بائِعِ الدُّمى.
هَيّا ارْكَبي عَلى قَوْقَعَتِي، سَأُرَيِّحُكِ مِنَ الْمَشِي كَيْ لا تَتْعَبي.
فَرِحَتْ رَوان وَرَكِبَتْ مَعَ سَنْجوب عَلى قَوْقَعَةِ السُّلَحْفاةِ، وَسافَروا مَعًا إِلى حانوتِ الدُّمى.
وَصَلَتِ السُّلَحْفَاةُ وَرَوان وَسَنْجوب إِلى حانوتِ بائِعِ الدُّمى، دَخَلوا إِلى الْحانوتِ، فَقالَ الرَّجُلُ الْعَجوزُ: أَهْلاً وَسَهْلاً بِكُمْ، كَيْفَ يُمْكِنُنِي مُساعَدَتِكُمْ؟ قالَتْ رَوان: أُريدُ قَدَمًا كَي أَسْتَطيعَ السَّيْرَ، لأَنَّنِي لا أَمْلِكُ إِلاّ قَدَمًا واحِدَةً!
ضَحِكَ الْعَجوزُ: لِدَيَّ قَدَمٌ جَميلَةٌ مُناسِبَةٌ لَكِ تَمامًا. اِنْتَظِري لَحْظَةً لَوْ سَمَحْتِ.
عادَ الرَّجُلُ الْعَجوزُ مِنْ خَلْفِ رُفوفِ الحانوتِ وَبِيَدِهِ قَدَمٌ جَميلَةٌ. جَلَسَتْ رَوان عَلى الْكُرْسِيِّ كَيْ يُرَكِّبَ لَها الْبائِعُ قَدَمَها الْجَديدَةَ، وَلَمّا انْتَهى مِنْ تَرْكيبِها، قَفَزَتْ رَوان فَرِحَةً. أَنا أَسيرُ عَلى قَدَمَيْنِ، أَنا أَسيرُ عَلى قَدَمَيْنِ! شُكْرًا لَكَ أَيُّها الْبائِعُ الطَّيِّبُ. فَرِحَ سَنْجوب وَالسَّلَحْفاةُ، لأَنَّ رَوان تَرْقُصُ كَالْعَرائِسِ فَرِحَةً بِقَدَمِها الْجَديدَةِ!
أَخْبَرَتْ رَوان الْبَائِعَ أَنَّها سَتُسافِرُ إِلى مَدينَةَ السُّكَّرِ لِمُساعَدَةِ أَطْفالِ الْمَدينَةِ الّذينَ فَقَدوا أَقْدامَهُمْ أَثْناءَ الْحَرْبِ. قَالَ الْبائِعُ: وَأَنا أُحِبُّهُمْ كَثيراً، سَآتي مَعَكُمْ لِمُساعَدَتِهمْ، سَأُحْضِرُ مَعي أَلْعابًا كَثيرَةً لأُهْدِيَها لَهُمْ، إِنَّهُمْ يُحِبّونَ الأَلْعابَ، وَسَأُرَكِّبُ لَهُمْ أَقْدامًا جَديدَةً، تَعالوا... تَعالوا نَرْكَبُ في مِنْطادي الْمُلَوَّنِ، إِنَّهُ قَويٌّ وَسَريعٌ، وَيُحَلِّقُ كالْعَصافيرِ. هَيّا... هَيّا تَعالوا نَمْلأُ الصُّنْدوقَ بِالأَلْعابِ. ضَحِكَ الأَصْدِقاءُ فَرِحينَ، ثُمَّ رَكِبوا الْمِنْطادَ، وَحَلَّقوا إِلى مَدينَةِ السُّكَّرِ...
حَلَّقَ الْمِنْطادُ في السَّماءِ الزرْقاءِ. شَاهَدَ الأَصْدِقاءُ الْجِبالَ وَالسُّهولَ وَالتِّلالَ وَالْبُيوتَ الصَّغيرَةَ، وَلَمّا اقْتَرَبَ الْمِنْطادُ مِنْ مَدينَةِ السُّكَّرِ، بَدَأَ بِالْهُبوطِ حَتّى اسْتَقَرَّ فِي ساحَةٍ مِنْ ساحاتِها الْكَبيرَةِ.
كانَتِ الشَّوارِعُ خالِيَةً مِنَ الأَطْفالِ، فَقَالَتْ رَوان: يا إِلهي، إِنَّ مُعْظَمَ الْبُيوتِ مُهَدَّمَةٌ، ماذا حَلَّ بِالأَطْفالِ؟! أَيْنَ ذَهَبوا؟! أَسْرَعَ بائِعُ الدُّمى إِلى بوقِ الْمِنْطادِ، ضَغَطَ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَتْ مِنْهُ موسيقى جَميلةٌ.
سَمِعَ الأَطْفالُ أَلْحانَ الْموسيقى، فَخَرَجوا مِنَ الأَزِقَّةِ وَالْحاراتِ وَاْلبُيوتِ فَرِحينَ غَيْرَ خائِفينَ، وَهُمْ يَتَكِئونَ عَلى عِصِيٍّ خَشَبِيَّةٍ، وَتَجَمْهَروا حَوْلَ الْمِنْطادِ. اِقْتَرَبَ بائِعُ الدُّمى مِنْهُمْ وَبَدَأَ يُرَكِّبُ لَهُمْ أَقْدامًا اصْتِناعِيَّةً، ثُمَّ أَهْداهُمُ الأَلْعابَ، فَرِحوا كَثيراً بِها، وَلَعِبَ مَعَهُمْ سَنْجوب وَالسُّلَحْفاةُ وَرَوان.
وَما أَنْهى بائِعُ الدُّمى عَمَلَهُ، حَتّى رَكَضَتْ رَوان نَحْوَ الْبَحْرِ وَهِي تَهْتِفُ: تَعالوا نَزورُ الْبَحْرَ الْجَميلَ... أُعْجِبَ الْجَميعُ بِالْفِكْرةِ، فَرَكَضوا فَرِحينَ إِلى هُناكَ لِيَلْعَبوا وَيَبْنوا بُيوتًا صَغيرَةً مِنَ الرِّمالِ عَلى الشّاطِئِ الْكَبيرِ...



سلسلة((براعم الزيتون)) أدب أطفال/سن 3-8 تأليف: د. رافع يحي رسم: لؤي دوخي
الناشر: ((مكتبة كل شيء)

الأربعاء، 9 مايو 2012

"خطوط العمر.. " قصة للفتيان والفتيات بقلم: محمد عبده العباسي

خطوط العمر..
  " مهداة إلى حفيدى أنس .."
محمد عبده العباسي 

 شكوت لجدى عمر مابى من ضيق صدر بسبب حرارة الجو فى الخليج وشدة قيظ الشمس .
 غضب أبى .
 ضمتنى أمى لصدرها وهي تودعني في المطار . كان قلبها يرتج . عدت مع جدي وغادرنا صالة المطار . 
كانت الدموع ساخنة فى عينى أمى .
 شعرت ببرودة قاسية تنبعث من أنحاء الصالة المكيفة الهواء . 
فى حنو بالغ ضمني جدي لصدره فشعرت بدفء جميل . ملاذ آمن لجأت إليه . طارت الطائرة متجهة نحو الشرق . صورة أبي وهو يهرول نحو الطائرة . أمي تلحق به . 
شعرت بقهر شديد يلوكني بين أضراسه . 
لم تزل يد أمي عالقة في الهواء ترفرف بجناحيها كحمامة بيضاء خففت عني قسوة اللحظة .
 مازالت قرقعة أختام ضابط الجوازات علي صفحات وثائق السفر وهو ينهي الإجراءات تصك مسامعي مثل أجراس عملاقة . زاد وقعها كالمطارق كأنها تطحن عظامي . طار عقلى لكنني تماسكت ولم أبك . 
جدى جندي سابق حارب في اكتوبر وشارك في تحقيق النصر . علي جدار بيته أوسمة ونياشين وصور مع القادة والضباط . 
جدتي كنسمة صباحية رقيقة ومدهشة تضفي علّي وجهها المشرق سعادة لا تُضاهي . تبارك افعالي وتحنو علي . 
ملكة كإسمها . 
أنفق كل مايملك من مال لشراء هذا البيت المطل على البحر . تلك هي رغبته كما قال :
ـ أحب البحر . 
غرس حبه فى نفسى . يعود ابي وامي كل صيف . يقضيا معنا شهوره . نصطاف فى مصيف آخر حسب رغبة أبى الذى أقنع جدى بضرورة التغيير . يهتم جدى بتدريبى على السباحة في البحر . ينشغل أبى بالرد على هاتفه الخلوى الذى لا يكف عن الرنين وهو يبث أغنية فيروز " نسم علينا الهوا " .
 يعلن بعدها اعتزامه السفر للعاصمة فى اليوم التالى :
ـ لتأكيد الحجز .
شئ شاق ومرهق .ثم يكمل :
ـ أمر تعودت عليه . 
يسافر أبي . 
أبدأ أنا عامى الدراسى الجديد . يصطحبنى جدى كل صباح حتى باب المدرسة . يذهب ليشتري الصحف كالعادة . يتناول الفطور مع جدتى . يعود عند الظهيرة لإنتظارى عند باب المدرسة ثم نرجع إلى البيت . تنتظرنا جدتى ملكة في بهجة كانها ترأنا للمرة الأولى . نتناول الغداء . ننام قليلاً . أقضى مع جدى أوقات المذاكرة يشرح لى ماغمض على من الدروس ، ثم أقرأ القصص التى أحضرها لى أو نرسم على الورق ثم يعلمنى كيف أرسم الحروف مقلداً إياه وهو يكتب الخط العربى بعناية فائقة .
 كثيراً مايجلس جدى فى الشرفة وحيداً مطلاً بنظراته على البحر المتوسط يتأمل السماء والنوارس وينتظر موعد الصلاة ثم يعود لقراءة صحفه اليومية أو يطالع كتاباً . ثم يرهف السمع لصوت الشيخ محمد رفعت ـ حبيبه كما يقول ـ وهو يقرأ سورة الرحمن . مؤخراً اقلع جدى عن التدخين لاعناً الظروف التى ألجأته يوماً لممارستها : 
ـ كانت أيام .
ثم يبتسم . أتبادل معه حواراً مطولاً. أسأله وهو يرشف من فنجان القهوة :
ـ لم يعد هاتفك المحمول يدق مثلما كان فى السابق .
 يدعك عينيه برفق ويضمنى إلى صدره متنهداً :
ـ هذا هو حال الدنيا . 
يبتسم وأنا أتذكر بشراً بلا حصر كانوا يأتون لزيارته . يلاطفوننى ويقدمون لى قطع الشيكولاتة اللذيذة . يستشيرونه وهم يثنون علي عبقريته . محادثة من هاتفه تفتح لهم الأبواب المغلقة . الآن لا أحد يسأل عنه أو يذكره . قال :
ـ يكفينى أن تكون بجوارى . 
ألتصق بباب الغرفة كما أمرني . 
يمسح على رأسى بحنو بالغ :
ـ اثبت ، احبس أنفاسك . 
أثبت فى مكانى وأمتثل للأمر . يمسك بإصبع الطباشير الملون فيرسم خطاً أفقياً بمحاذاة رأسى . يضحك عالياً :
ـ زدت هذا العام طولاً عن العام الماضى .
 اذكرهذا لأبيك .
 تعد جدتى تورتة عيد ميلادى السابع فى وسطها الرقم ِ7" " :
ـ فى العام القادم ستكون تلميذا فى الصف الثالث .
 قال جدى :
ـ فى العام القادم ذكرنى بعيد ميلادك مبكراً.
وأشار لمكتبته الضخمة : 
ـ هذا ميراثى . مكتبة تحوى كتباً قيمة . 
وأكمل :
ـ وتلك الصناديق المغلقة فيها ثروة لا تقدر بثمن . أقلام ثمينة اشتريتها من كل بقاع الدنيا . 
أمزج الألوان بفرشاتى .
 يأمرنى : ارسم شمساً ونهاراً وسماءً زرقاء . أرسم قمراً منيراً وليلاً جميلاً . أرسم بحراً وسفناً تمخر عبابه وأسماكاً في أعماقه . أرسم شجراً وثماراً ومروجاً . أرسم أنهاراً وحقولاً وحيوانات .
 يثنى على الرسم :
ـ رائع . سأدعو أصحابى لزيارة معرضك الجميل . 
أهز رأسى مزهواً متباهياً بشهادته ثم أضحك وأرأه يلتقط حبات الكرز ليطعمنى إياها . يشير إلى جهة الأفق :
ـ هناك سحابة رمادية تنبئ بمطرسينهمر بعد قليل . 
يسكن جدى داخل معطف ثمين ويدس رجليه فى جوربين وينفخ فى قبضتيه .
 يسأل :
ـ هل تشعر بالبرد ؟. 
ثم يبتسم .
 يمسك قلماً وفى تأن بالغ يخط آية قرآنية بخط الثلث :
ـ سأعلمك كتابة الخط .
 ويرسم الحروف :
ـ الُثلث هو سيد الخطوط العربية جميعاً .
أحاول فك طلاسم الحروف المتداخلة . أراقبه حتى ينتهى :
ـ مارأيك ؟ 
تتوالى السنوات .
 جدى يشير على خطوط الطباشير التى يرسمها على الحائط :
ـ قامتك زادت طولاً . فى القريب ستصبح رجلاً . 
بعد قدوم أبى من سفره الأخير . جاء رجال طوال القامة و أمسكوا بفرشات ضخمة وراحوا يبدلون كل ألوان البيت . الجدران . النوافذ . الأبواب . غطوا خطوط الطباشير الأفقية التى كنت أحفظ عددها . كدت أصرخ فيهم . بعدها أراد جدى أن يرسم خطاً جديداً . 
قال أبى :
ـ لا . الخطوط ستشوه الجدران .
 حزنت . 
حاول أبى تلطيف الأمر بوعد جديد قطعه على نفسه :
ـ سنذهب فى الصباح إلى الشاطئ.
 استسلمت لأمرجدى دون أن يرانا أبى . أمسك بالطباشير .حاول رسم خط أفقي فلم يستطع . لم يعد قادراً علي أن يبلغ طول قامتي . هل قصر قليلاً ؟ سألت نفسي . جاء بكرسى وقف عليه . أخشى أن يسقط من فوقه . لأول مرة وعن قرب رأيت خطوطاً أفقية مرسومة على جبهة جدي . قال لى حين سألته :
ـ هذه خطوط العمر . 
مرض جدى وعاده الأطباء .
 جدتى تربت علي كتفه وهو ممد في الفراش .
 نحل جسده وأضحى مثل عود من حطب جاف . 
قال وشفتاه ترتعشان :
ـ لا تنس وصاياى . 
وبينما تلقم جدتى كفه بقرص العلاج . كانت يده تشيرعلى الآية الكريمة التى أتم كتابتها قبل أيام : " كل نفس ذائقة الموت ". 
انبعث من جواره صوت الشيخ محمد رفعت من الراديو الصغير الذي ظل يحتفظ به منذ زمن طويل . 
تفصدت حبات عرق كاللؤلؤ المكنون علي جبهته احتوتها خطوط العمر برفق.
أغمض جدي عينيه وهو يردد الشهادة التى لقنها له أبى .
و...... 


 *بورسعيد

"سؤال الحيران" قصة للأطفال بقلم: توفيق الحكيم


سؤال الحيران
توفيق الحكيم
يا أطفالي الصغار‏..‏ هذه حكاية أحب أن أحكيها لكم فاستمعوا لها جيدا لأنها عن طفل مثلكم يناقش أباه في موضوع صعب‏.‏

تدور الحكاية الثالثة بين أب وابنه الصبي الصغير‏,‏ الأب رجل طيب صافي القلب‏,‏ والابن طفل ذكي فصيح اللسان‏,‏ وكانت أمتع لحظات الأب ساعة أن يجلس مع ابنه يتحادثان كأنهما صديقان‏,‏ كأن فارق السن بينهما غير موجود‏,‏ كأنهما من عمر واحد‏..‏ متفقان متفاهمان لهما نفس العلم ونفس الجهل بالأشياء‏.‏

وفي ذات يوم نظر الأب إلي طفله‏,‏ وقال‏:‏
شكرا لله‏..‏ أنت لي يا بني نعمة من الله‏.‏
قال الطفل‏:‏ أنت يا أبي تتكلم كثيرا عن الله‏.‏
قال الأب‏:‏ نعم‏..‏ لأنه أعطاني خيرا كثيرا‏.‏
قال الابن‏:‏ أريد أن أري الله الذي تتكلم عنه كثيرا وأعطاك الخير الكثير‏.‏
قال الأب‏:‏ ماذا تقول يا بني؟
قال الطفل‏:‏ أقول يا أبي‏..‏ أرني الله‏.‏
تعجب الأب لقول ابنه وطلبه الغريب‏,‏ ولم يعرف كيف يجيب‏,‏ ثم التفت إلي ابنه‏,‏ وقال وكأنه يخاطب نفسه‏:‏تريد رؤية الله‏..‏
قال الطفل‏:‏ نعم أريد رؤية الله‏..‏ أرني الله يا أبي‏.‏
قال الأب‏:‏ كيف أريك ما لم أره أنا نفسي‏؟
‏ فقال الطفل‏:‏ وهل أنت لم تره‏,‏ فقال الرجل‏:‏ لا لم أره أبدا‏.‏
 قال الطفل‏:‏ ولماذا يا أبي لم تره؟
قال الأب‏:‏ لأني لم أفكر في ذلك‏.‏
قال الابن‏:‏ وإذا طلبت منك يا أبي أن تذهب لتراه بعد ذلك تأتي وتريني إياه‏؟.‏
وفكر الرجل ثم قال‏:‏ سأفعل يا بني‏..‏ سأذهب‏.‏
ذهب الأب‏,‏ يطوف بالمدينة ويسأل الناس:
 ـ هل فيكم من يدلني أين أري الله؟
لم يلتفت إليه أحد‏..‏ كان الناس مشغولين بأعمالهم وهمومهم ومن التفت إليه حسبه من الشحاذين يطلب حسنة فكان يصرفه بلطف لايخلو من الحزم‏,‏ وفهم احد الناس قصده فنصحه أن يذهب لرجال الدين‏..‏ وذهب الرجل ولكنه لم يجد بغيته عندهم‏,‏ وأخيرا مر بشيخ طيب قال له‏:
‏ـ اذهب إلي طرف المدينة تجد شيخا مؤمنا من الأولياء الصالحين‏,‏ لا يسأل الله شيئا إلا استجاب له‏..‏ فربما تجد عنده طلبك‏..‏
 ذهب الرجل في الحال إلي الشيخ المؤمن وقال له‏:‏ جئتك في طلب أرجو ألا تردني عنه خائبا‏.
رفع الشيخ المؤمن رأسه وقال بصوت لطيف‏:‏ اسأل حاجتك‏,‏ قال الرجل‏:‏ أريد أن أري الله.
 امسك الشيخ المؤمن لحيته البيضاء بيده وقال له:
 ـ أتعرف معني ما تقول؟!
‏ قال الرجل:
 ـ نعم‏..‏ أريد أن تجعلني أري الله‏.‏
قال الشيخ المؤمن بصوته العميق اللطيف:
 ـ أيها الرجل إن الله لا يمكن أن نراه بعيوننا الضعيفة‏..‏
قال الرجل: لماذا؟ قال له الشيخ المؤمن‏:‏ تريد ان تعرف لماذا‏..‏ انظر الي الشمس‏..
‏نظر الرجل إلي الشمس كانت تسطع في السماء بنورها القوي‏,‏ قال الرجل ـ نور الشمس يخطف بصري‏.‏
قال له الشيخ:
 ـ ثبت نظرك عليها‏..‏ حدق فيها طويلا بعينيك‏..‏ طويلا‏..‏ طويلا‏.‏

 فرك الرجل عينيه متألما وقال‏:‏ نور الشمس يحرق عيني‏.‏
قال الشيخ المؤمن‏:‏ استمر في النظر الي نور الشمس‏..‏ استمر‏..‏ استمر‏.‏
قال الرجل‏:‏ لا استطيع‏..‏ نور الشمس حارق وسيعمي بصري‏..‏ سأغمض عيني‏.‏
قال الشيخ‏:‏ إياك أن تغمض عينيك استمر في النظر إلي الشمس‏..‏ استمر‏..‏ استمر‏.‏
قال الرجل وهو يتألم‏:‏ لم اعد أري شيئا‏.‏
قال له الشيخ:
 ـ الم تعد تري الشمس‏؟
‏ قال الرجل:
 ـ لا أري الشمس ولا أري شيئا‏..‏ النور اعمي بصري‏..‏ حرق عيني‏.‏
قال الشيخ المؤمن‏:‏ إن نور الشمس الذي حرق عينيك هو شئ قليل ضئيل بالنسبة إلي نور الله الذي خلق هذه الشمس وملايين غيرها من الشموس والنجوم‏,‏ أعرفت لماذا لايمكن رؤية الله بعيوننا هذه‏؟
‏ قال الرجل‏:‏ نعم عرفت‏..‏ لا يمكن لعين بشر أن تري نور الله‏.
‏قال الشيخ المؤمن‏:‏ مادمت قد اقتنعت بان رؤية الله بالعين غير ممكنة فلا بأس أن نتكلم عن طريقة أخري‏.
‏ قال الرجل‏:‏ أرجوك اخبرني عن هذه الطريقة الأخرى‏.‏
قال الشيخ المؤمن:
 ـ الطريقة الأخرى هي الإحساس‏.‏