لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

"صورة من الذاكرة" قصة للأطفال بقلم عبدالله مرشدي

صورة من الذاكرة
بقلم / عبد الله مرشدي

صفق التلاميذ لزميلهم خالد حين قص عليهم حكاية جميلة وشيقة ، وبعد أن انتهي اليوم الدراسي قال عمرو لصديقة خالد :
 لقد كانت حكاية اليوم جملية وممتعة.
من أين تأتي بهذه الحكايات يا خالد ؟
قال خالد مبتسما :
 جدتي هى التى تحكي لى هذه الحكايات .
واصلا الزميلان السير حتى وصل خالد إلى بيته،فودع زميله عمرو الذي واصل السير حتى وصل إلى بيته ،وحين فتحت والدته الباب قال لها متلهفا:
 أين جدتي يا أمي ؟!
ابتسمت الأم ابتسامة مليئة بالحزن وقالت :
لماذا يا عمرو ؟!
قال عمرو : كنت أريدها أن تحكي لى حكاية كي أحكيها لزملائي فى الفصل ، كما تفعل جدة خالد .
حزنت الأم وكادت الدموع تنزل من عينيها ، ولكنها سرعان ما تما سكت وأخذت ابنها بين أحضانها وقالت له :
جدتك راحت عند ربنا .
ظهرت على عمرو علامات الحزن ولكنه سرعان ما قال لأمه متسائلا:
وأين صورة جدتي يا أمي ؟
قالت الأم :
للأسف يا عمرو.
 لم تكن هناك آلات تصوير فى زمانهم ؛لذلك ليس عندنا صوراً لجدتك .
فقال عمرو :
فما هو شكل جدتي يا أمي ؟
راحت الأم توصف له جدته بكل دقة. وجهها ذو اللون القمحي والتجاعيد البسيطة ،وعيناها التي دخلت تحت حاجبيها ، والشال الأسمر الذي يغطي رأسها ، و ... و ....و......
كانت الأم توصف لعمرو ملامح جدته، بينما كان عمرو يرسم لها صورة فى ذاكرته ، وكلما حكي خالد حكاية فى الفصل كان عمرو يأتي بصورة جدته من الذاكرة ،ويتخيل أنها تحكي له نفس الحكاية ، وعندما كبر عمرو وظهرت موهبته الفائقة فى الرسم ، قام برسم صورة جميلة لجدته ، ثم وضعها فى إطار زجاجي وأهداها لأمه فى عيد الأم ، فرحت الأم بها فرحاً شديداً ، ثم أخذتها بين أحضانها، وراحت تقبلها وهى فى قمة السعادة والفرح .



الاثنين، 20 ديسمبر 2010

"حكاية صاحب الغزلان" قصة للأطفال بقلم أحمد طوسون

حكاية صاحب الغزلان
( عن قصة حي بن يقظان لابن طفيل )
القصة الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2005
أحمد طوسون

لملمت الشمس أشعتها الشاحبة ورحلت بعيدا وانتظرت الحيوانات الأليفة حتى زار الليل الغابة وألقي ستارة الظلام عليها ومرت أصابعه على الجفون أغمضتها، فغرقت الوحوش والسباع في نوم عميق.
تحسست الحيوانات طريقها وسط الغابة وسارت على أطراف أقدامها وحوافرها حتى لا تشعر بها ملكة الغربان الشريرة وصديقها الذئب.
وصلت الحيوانات إلي شاطى البحر دون أن يشعر بها أحد.. صعدت الحيوانات والطيور إلى مركبهم كي يهاجروا إلى الجزيرة المهجورة التي أرشدتهم إليها الحمامة الوديعة ليعيشوا في سلام بعيدا عن شر ملكة الغربان وصديقها الذئب.
ظلت ملكة الغربان نائمة حتى لسعتها أشعة الشمس الذهبية فاستيقظت متعجبة أنها نامت حتى سخنت أشعة الشمس ولسعتها، ولم تسمع الديك ذا العرف الأحمر الكبير يصيح كعادته مع أول ضوء للشمس: (كوكو.. كوكو ).. قالت ملكة الغربان لنفسها:
ـ لِمَ لمْ يصح الديك اليوم كعادته ويوقظني؟!
وقررت أن تذهب لتعرف السبب بنفسها، لكنها لم تجد الديك، كما لم تجد أحدا من الطيور أو الحيوانات الأليفة في الغابة.
غضبت ملكة الغربان وثارت.. ظلت تحدث نفسها وتقول:
ـ أين ذهبت الحيوانات والطيور الضعيفة والمسالمة؟!
ـ لابد أنهم وجدوا مكانا آمنا اختبأوا فيه....
ـ وأين وجدوا هذا المكان ؟!
ـ سأبحث عنه.. لن أترك مكانا في الغابة حتى أجدهم..
بينما ترقرقت أمواج البحر وادعة هادئة حتى وصل مركب الحيوانات الأليفة إلى الجزيرة الآمنة.
غردت الطيور وضربت الفضاء بأجنحتها وهللت الحيوانات ورفعت أقدامها سرورا.. رقصوا وغنوا فرحا بجزيرتهم الجديدة.. ماعدا الظبية الطيبة.. كانت حزينة على وليدها الذي سقط من المركب أثناء رحلتهم في البحر الكبير.. بقيت الظبية الحزينة عند الشاطئ تراقب الموجات الصغيرة وتبكي على وليدها الذي فقدته.. تردد في أذنيها أنين قادم من ناحية البحر.. انفطر قلب الظبية حين سمعت الأنين وقالت لنفسها:
ـ أنصتي جيدا.. كأني أسمع صوت صغيري يبكي.
ونظرت بلهفة وشوق إلي البحر الكبير.. وجدت البحر يتماوج ويدفع تابوتا خشبيا ناحية الشاطئ.. ربتت الموجات الصغيرة على التابوت وتركته عند رمال الشاطئ و تابعت رحلتها الهادئة صفا وراء صف.
أسرعت الظبية إلي التابوت ولمحت داخله جنينا جميل الشكل يبكي.. فرحت الظبية بالصغير وقالت :
ـ لقد أرسله الله لي ليعوضني عن وليدي الذي فقدته.
وألقمته حلمتها ليشرب ويرتوي من لبنها ويكف عن البكاء.. ثم حملته وأسرعت به سعيدة إلي حيوانات وطيور الجزيرة.. تفحصت الحيوانات الكائن الغريب الذي وجدته الظبية بارتياب وشك.
قال شيخ الغزلان مندهشا :
ـ هذا الكائن لا يشبه أحد من حيوانات الغابة.
وألقى الأرنب نظرة إليه وتراجع دون أن يتعرف عليه وقالت النعامة:
ـ ربما كان كائنا بحريا.
الحمامة الوديعة تفحصته جيدا وقالت:
ـ لا.. لا.. أظن أنه ينتمي إلي بني الإنسان.
قالت الحيوانات بدهشة:
ـ الإنسان؟!
ـ نعم.. لقد كنت أطير بالقرب من بلاد الإنسان وشاهدت بعض الناس وهو يشبههم كثيرا، ولابد أن يكون واحدا منهم.
قال الحمار قلقا:
ـ أري أن نتخلص من هذا الكائن ونعيده إلي البحر ثانية.
انزعجت الظبية من كلام الحمار وخفق قلبها بسرعة خوفا على الصغير، فضمته إلي صدرها وحملته بعيدا عن الحيوانات وقالت:
ـ لا شأن لأحد بصغيري، سأحتفظ به لنفسي.
طمأن شيخ الغزلان الظبية الطيبة وقال:
ـ لا تقلقي يا ظبية، لن يؤذيه أحد لكننا نتناقش من أجل مصلحة الجزيرة وسكانها. ونظر إلى الحمار مستفسرا وقال:
ـ ولم نتخلص منه.. إنني لا أرى له أنيابا أو مخالب ولا اعتقد أنه سيشكل خطرا علينا؟
قال الحمار شارحا وجهة نظره:
ـ لقد كان جدي يعمل في بلاد الإنسان وكان يشتكي من سوء معاملة بعض الناس له وأخشى أن يكبر هذا الإنسان ويسيء معاملتنا.
صاح الديك وقال:
ـ لقد قرأت في بعض الكتب أن الإنسان يجمع في نفسه بين الخير والشر ولو كبر هذا الإنسان بيننا ربما تسبب في دخول الشر إلى جزيرتنا.
رفرفت الحمامة الوديعة معترضة وقالت:
ـ صحيح أن الإنسان يجمع بين الخير والشر،لكنه يمتلك طاقة وعقلا يمكننا أن نستفيد منهما.. خاصة والحياة بجزيرتنا صعبة وربما أفادنا الإنسان بعقله وأفكاره.
فكرت الحيوانات فيما قالته الحمامة، ثم قال شيخ الغزلان:
ـ وجهة نظر الحمامة صحيحة، يمكن أن يفيدنا الإنسان، وسنحرص على أن نربي فيه قيم الخير والحب فنستفيد من طاقته وعقله ونأمن الشر الذي بداخله.
وافقت الحيوانات والطيور على هذا الرأي وقرروا الاحتفاظ بالإنسان بينهم وتربيته على قيم الخير والحب والسلام.. فرحت الظبية الطيبة لاحتفاظها بالصغير وربت شيخ الغزلان على الصغير وقال لها:
ـ وماذا ستسميه ؟
فكرت الظبية قليلا وقالت:
ـ سأسميه صاحب الغزلان .
(2 )
عاش صاحب الغزلان لا يعرف أما له إلا الظبية الطيبة ،وحوطته الحيوانات بالحب والمودة، ومنذ كبر صاحب الغزلان وأصبح عمره سبع سنوات، فكر في أفكار جميلة لصالح الجزيرة.. فقد كان بالجزيرة نهر يثور ويهيج كل عام في موسم الفيضان ويغرق الجزيرة ويقتلع المزروعات ويجرف الأشجار ويسبب الفزع للحيوانات فتهرب خوفا من الغرق إلي سفح الجبل البعيد بأقصى الجزيرة حتى يهدأ النهر وينتهي الفيضان وتبتلع الأرض الماء.
فكر الولد في بناء سد يحمي الجزيرة من الفيضان وساعدته الحيوانات على بنائه وشق الترع ليروي الأرض ويزرع الحبوب والقمح والشعير والبرسيم حتى نضجت الثمار وزادت الغلال وبات الطعام وفيرا، كما مهد طرقا تسلكها الحيوانات بسهولة ويسر وبني بيوتا وأودية وحظائر وأعشاشا وجحورا لتسكنها الحيوانات والطيور، حتى ارتدت الجزيرة ثيابها المزركشة وغمرها العشب الأخضر وازدانت بالورود والأزهار، وحرص الولد على أن يصنع صناديق يجمع وأصحابه فيها القمامة لتظل الجزيرة نظيفة وجميلة، ثم يذهب ليستحم في البحر ويداعب الموجات الصغيرة وبعد أن ينتهي من استحمامه يعود إلى الجزيرة يمتطي أرجوحته ويحلق كطائر صغير حتى يلامس السحابات البيضاء ثم يعود إلى البساط الأخضر يغازل الزهرات المتفتحة ويلعب ويلهو مع الحيوانات والطيور ويغنون في سعادة:
ما أجمل الجزيرة في ساعة الظهيرة
نغدو تحت الشجر
وشمسنا الجميلة تداعب الخميلة
فيضحك القمر
حتى جاء يوم حلقت فيه ملكة الغربان الشريرة فوق سماء البحر الكبير، وسمعت غناء الولد مع حيوانات الجزيرة.. توقفت ملكة الغربان عن التحليق، وقالت لأصحابها من الغربان السود:
ـ أتسمعون هذا الغناء؟
ـ لابد أنه قادم من الجزيرة المهجورة.
ـ ربما كانت تسكنها الأشباح يا ملكة الغربان.
ضربت ملكة الغربان بجناحيها السود الفضاء وشاهدت صاحب الغزلان يلعب مع الحيوانات والطيور، قالت ملكة الغربان لأصحابها:
ـ أيها الكسالي الجبناء.. الأشباح لا تسكن إلا في رؤوسكم، إنهم الحيوانات الأليفة التي تعبت سنين في البحث عنها.
ـ وماذا سنفعل يا ملكة الشر في كل زمان ومكان؟
ضحكت ملكة الغربان بخبث ودهاء وقالت:
ـ لابد أن نعمل سريعا لننشر الشر والرعب في الجزيرة الآمنة، ليعرف الجميع أن ملكة الغربان لا تترك مكانا دون أن تنشر فيه الحرب والدمار.. سنخبر صديقنا الذئب ونرشده إلي طريق الجزيرة.. وأنتم تعرفون كم هو نهم وجائع لاتهام الحيوانات الأليفة.
ـ حقا سيفرح الذئب بهذا الطعام الوفير.
لكن ملكة الغربان قبل أن تعود إلى الغابة سألت نفسها عن السبب الذي جعل الولد يعيش مع حيوانات الجزيرة وقالت:
ـ إنني أكره بني الإنسان فهم يستعملون العقل والتدبير في أمورهم.. ولو بقي الولد في الجزيرة سيفسد خططي ويحارب الذئب وربما طرده من الجزيرة.
وقررت أن تبقي بالجزيرة حتى تعرف حكاية صاحب الغزلان وتفكر في طريقة تبعده عن طريقها أو تجعله لا يساعد حيوانات الجزيرة.
وكلفت أحد صغار الغربان أن يتنكر على شكل طائر العقعق، فوضعت على ذيله بعض الريش ليبدو طويلا كذيل العقعق، ونزل إلى الجزيرة ليعرف حكاية الولد ولماذا يعيش مع الحيوانات.
(3 )
عاد الغراب الصغير وحكى ما عرفه عن صاحب الغزلان، وقال إن الولد يعتقد أنه من قطيع الغزلان وأمه الظبية الطيبة.
فرحت ملكة الغربان بالأخبار التي حملها الغراب الصغير وقالت بغرور:
ـ إذن هذا الولد يظن نفسه من عالم الحيوان.
.......................................
ـ سيكون من السهل أن أوقع بينه وبين الحيوانات لو أخبرته أنه من بني الإنسان ولا ينتمي إلي عالم الحيوان..
وسأوقظ الشر في نفسه وساعتها يمكن أن يساعدنا بدلا من أن يقف مع حيوانات الجزيرة ضدنا.
وضعت ملكة الغربان في رأسها ومضت نحو تنفيذها.. ظلت ترقب الولد من بعيد،حتى وجدته يجلس وحيدا فوق صدر صخرة عند شاطئ البحر.. رفرفت بجناحيها بالقرب منه وقالت:
ـ ها أنا قد وجدتك أخيرا.
ألتفت الولد إلي مصدر الصوت وأشار إلى نفسه وقال:
ـ هل تقصديني أنا؟
ـ نعم.
ـ ولماذا لم تبدئي كلامك بالسلام؟!!
ضحكت ملكة الغربان في نفسها وقالت: ( السلام.. كم أكره هذه الكلمة وأتمني ألا يعرفها أحد ).
- بماذا تهمهمين؟
ـ لا شي.. اعذرني يا صديقي.
لقد قطعت مسافة كبيرة في الطيران من الغابة إلى الجزيرة لأصل إليك.
اندهش الولد وقال:
ـ لكنني لا أعرفك ولم أرك من قبل!
ـ هذا صحيح، لكنني أعرفك وأعرف أنك تنتمي إلي عالم البشر وبني الإنسان.
أحنى الولد رأسه باستغراب، فلم يكن سمع من قبل عن البشر وبني الإنسان وقال:
ـ بنو الإنسان ؟!
ـ نعم يا صديقي، الإنسان الذي كرمه الله على باقي المخلوقات.
ـ ولماذا يكون الإنسان أفضل من باقي المخلوقات؟
ـ لأن الله وهب الإنسان العقل والحلم وطاقة جبارة تجعله يستطيع أن يحقق حلمه.
ـ وما الذي يجعلني أصدقك وأصدق أنني انتمي إلى عالم الإنسان؟!
ـ الأمر سهل يا صديقي، فليس لي مصلحة أن أكذب عليك.. كما أنك لو نظرت إلى الحيوانات ستجدها تكتسي بالوبر أو الشعر أو الريش ليحميها من تقلبات الجو ولها من القرون والأنياب والمخالب ما تدافع به عن نفسها، أما أنت فتختار بعقلك ما يناسبك في الصيف أو الشتاء، وبهذا العقل تتغلب على المصاعب والأخطار.. كما أنك تمتلك القدرة على الحلم وتغيير ما حولك إلي الأفضل.. وبمقدرتك على الحلم جعلت من الجزيرة المهجورة جنة تغمر الحيوانات بخيراتها.
وأراك تعمل وتتفاني في خدمة الحيوانات والطيور بينما كان من الطبيعي أن تصبح سيدا للجزيرة ويصبح سكانها في خدمتك وطاعتك.
ـ لكن جزيرتنا ليس لها سيد يحكمها.
ـ يا صديقي كل مكان لابد أن يكون له حاكم.. في غابة الحيوان الأسد ملك الغابة، وفي عالم البشر كل بلد من البلدان له رئيس أو ملك أو أمير، ليدير شؤون المكان ويرعى سكانه.. وأنت بعقلك وتفكيرك الأصلح لتصبح سيدا لجزيرة الحيوانات.
رنت كلمات ملكة الغربان في أذني الولد، وراقت له فكرة أن يصبح سيدا للجزيرة وتعجب كيف لم يفكر في هذا الأمر من قبل.. الجزيرة تحتاج إلى من يديرها ويرعى شؤون الحيوانات والطيور، وهو أجدر من يقوم بهذا العمل، فقد تعب حتى أصبحت الجزيرة لا مثيل لها في دينا الحيوان، كما أنه يمتلك في نفسه شيئا أشبه بالسحر يدفعه إلي حب الحياة والاعتناء بها والبحث عن الأفضل له ولحيوانات الجزيرة ومن الطبيعي أن يصبح سيد للجزيرة كما تقول ملكة الغربان.. لكن ماذا لو رفضت الحيوانات هذه الفكرة؟
قالت ملكة الغربان وكأنها قرأت الأفكار التي تدور برأسه:
ـ وهل هذا معقول يا صديقي؟!
لو كنت مكانهم لوافقت فورا.. فأنا أعرف قدر الإنسان جيدا.
صمتت ملكة الغربان برهة كأنها تفكر، ثم قالت:
ـ أما إذا رأت الحيوانات رأيا آخر، في هذه الحالة سيكون لك الحق أن تفعل أي شي لتجبرهم على طاعتك.
اندهش الولد، فما الذي يجبر الحيوانات على طاعته وتنصيبه سيدا للجزيرة.. قالت ملكة الغربان:
ـ يمكنك كما صنعت بيوتا وحظائر أن تصنع أقفاصا وتحبس الحيوانات فيها، وكما صنعت السد ليحميهم من الفيضان، يمكنك أن تهدمه لتغرق الجزيرة ويعترفوا بك سيدا للجزيرة، وأنا على أتم الاستعداد لمساعدتك.
انزعج الولد حين تخيل الجزيرة تغرق وتتهدم البيوت والأشجار وتموت المزروعات والأزهار.. نظر بدهشة وذهول وشعر بالندم، وقال:
- لكن هذه الأفكار ستدمر الجزيرة وتجعلها خرابا.
همست ملكة الغربان في أذن الولد تريد أن تقنعه وقالت :
ـ يا صديقي الخير والشر وجهان لعملة واحدة.. وحين تصبح سيدا للجزيرة ستعيد بناء السد من جديد وتجعل الجزيرة أجمل مما كانت عليه.
اطمأنت ملكة الغربان حين رأت الفكرة تلمع في عيني الولد وتحوم حول رأسه كطيور صغيرة.. وغادرت الجزيرة لتخبر صديقها الذئب وترشده إلى طريق الجزيرة لتكمل خطة الشر التي وضعتها.
بينما وقف الولد حائر مترددا، تتلاعب به الأفكار وتقذفه في شتي الاتجاهات، حتى قرر أن يطرح الفكرة على الحيوانات والطيور ويخبرهم أنه يريد أن يصبح سيدا للجزيرة.
لم تمانع الحيوانات أن يصبح للجزيرة سيد يحكمها ويدير شؤونها وينظم العمل بها.. لكن كل حيوان من حيواناتها رأي في نفسه أنه الأحق بأن يصبح سيدا للجزيرة، واتفقت الحيوانات على أنه لا يمكن اختيار كائن لا ينتمي إلي عالم الحيوان ليكون سيدا عليهم.
طال الجدال بين الولد والحيوانات وبين الحيوانات بعضها بعضا، وارتفعت الأصوات في نقاش حاد كاد أن يصل بالحيوانات إلي التصارع فيما بينها.. امتص شيخ الغزلان غضب الولد وثورة الحيوانات في مهدها وقال:
ـ منذ أتينا إلي الجزيرة ونحن نعيش معا لا فرق بين حيوان وآخر.. وعلينا أن ننسى هذه الفكرة ونبعدها عن رؤوسنا حتى لا تتسبب في زرع الفتنة بيننا.
وافقت الحيوانات بعد نقاش ومجادلة على رأي شيخ الغزلان منعا للفتنة وانصرف الولد غاضبا تطارده أفكار ملكة الغربان الشريرة، فلا أحد من الحيوانات قدر ما قام به من عمل لصالح الجزيرة، واعتبرت الحيوانات عدم انتسابه لعالم الحيوان وانتماءه لبني الإنسان سببا كفيلا بحرمانه من أن يصبح سيدا للجزيرة.
(4 )
حان موسم حرث الأرض وزراعتها.. مرت أيام ومازال الولد غاضبا ورفض أن يساعد الحيوانات ويزرع الأرض ورفض أن يساعد الحيوانات ويزرع الأرض ولم يعد يتبادل الكلام معهم. وذات مساء سمعت الحيوانات عواء الذئب ونعيق الغربان.. ساد الرعب والخوف الجزيرة.. توقع الجميع أن تزرع ملكة الغربانـ المعروفة بخبثها وغدرها وإيقاعها بين الحيواناتــ الشر بالجزيرة.
فرت الطيور مذعورة إلي أقنانها، وهربت الحيوانات إلي بيوتها وأوديته، بينما ودعت ملكة الغربان صديقها الذئب وقالت إنها ستقوم بمهمة شريرة في الغابة وحين تعود تريد أن تسمع أخبارا جيدة، قال الذئب بثقة:
ـ اطمئني يا صديقتي.. سأبذل قصارى جهدي..
أسرعت الظبية الطيبة تستنجد بالولد لينقذهم من ملكة الغربان والذئب بعد أن دخلا الجزيرة وسببا الرعب لأهلها.. لكن الولد لم يهتم.
قال إن ملكة الغربان لو كانت تعيش معهم لما اعترضت على اختياره سيدا للجزيرة، أنه لا ينتمي إلى عالم الحيوان ولا يهمه أمرهم.
شعرت الظبية بالأسى، دمعت عيناها وقالت:
ـ صحيح أنك لست من قطيع الغزلان ولا تنتمي إلي عالم الحيوان، لكن ذلك لا يعني شيئا، أنا أمك التي أرضعتك وربتك، ولي حق عليك.
وتركته وانصرفت إلي وادي الغزلان حزينة.
وفي اليوم التالي بينما كانت كلمات أمه الظبية تشق طريقها إلي قلبه، سمع الولد أن الذئب التهم إحدى الماعز وعددا من الدواجن وخمش بمخالبه رقبة الزرافة الجميلة.
شعر الولد بالقلق والخوف على أصحابه من الحيوانات، ووجد أن هناك واجبا ملقى على عاتقه تجاههم مهما كان غاضبا.
ففي المحن علينا أن ننسي خلافاتنا ونتحد لمواجهة الأخطار، وقرر أن يسرع ويمضي إليهم.
كانت الحيوانات والطيور في اجتماع ليروا ماذا سيفعلون.. فالجزيرة لم تعد آمنة، والشر فتح فكيه ورش الرعب في أرضها.. وقف أحد خراف وادي الماعز وقال:
ـ من اليوم لن يغادر أحد واديه.
ثار شيخ الغزلان غاضبا وقال:
ـ حتى إن بقينا في أوديتنا من يضمن ألا يهاجمنا الذئب.
وقالت النعامة وهى ترتعد خوفا:
ـ إذا أردنا النجاة لابد أن نترك جزيرتنا ونبحث عن مكان آخر.
سمع الولد كلمات النعامة الخائفة ولم يعجبه استسلامها ورغبيها في الهروب، صاح الولد وقال:
ـ هذا المكان لنا نحميه وندافع عنه بأنفسنا وأرواحنا..
قاطعت النعامة الولد وقالت:
ـ وماذا نفعل بعد أن هاجمنا الذئب، هل ننتظر حتى يلتهمنا واحدا بعد الآخر؟!
أيد الأرنب ما قالته النعامة وقال:
ـ النعامة معها حق.. لا أحد يستطيع أن يقف في وجه الذئب وملكة الغربان.
نظر صاحب الغزلان إلي الحيوانات وصاح فيهم:
ـ هذا الكلام غير صحيح، قوة عدونا من ضعفنا واستسلامنا.. ولو تركنا جزيرتنا سيطاردنا الشر أينما ذهبنا.. دعوا خوفكم ولتكن قلوبكم كالحديد وقرونكم أحد من السيوف والرماح واتحدوا معا، ساعتها سننتصر على الشر ونطرده من جزيرتنا.
دب الحماس في القلوب.. هتفت الحيوانات في صوت واحد:
ـ سندافع عن وطننا مهما كان الثمن.
قاطع الولد الحيوانات والطيور وقال إنه لا وقت لديهم إلا للعمل والاستعداد لمواجهة الذئب، وفكر في الخطة التي سيقاتلون بها الذئب، ثم شرحها للحيوانات وقال إنهم سيختبئون جميعا عن عيني الذئب الحمراوين بحيث إذا هاجم أوديتهم وجدها خالية، حتى يقرصه الجوع وينهكه التعب ويصبح كالمجنون لا يفكر إلا في إشباع جوعه.. حينها تطير الحمامة بصحبتها أحد العصافير ويقفان فوق شجرة بالقرب من الذئب ويتصنعان أنهما لا يريانه، ويتحدثان بصوت يسمعه، وتخبر الحمامة العصفور أن الحيوانات تختبئ في وادي النعام بعيدا عن عيني الذئب الشرير.. قاطع الحمار الولد وقال:
ـ ساعتها سيعرف الذئب طريقنا ويهاجمنا هناك!
ضحك الولد وقال للحمار إنه يتعجل ولا يحسن الاستماع.. ستكون الحيوانات مختبئة في جبل الجزيرة البعيد وتظهر الأرانب بوادي النعام أمام الذئب ليطاردهم هناك.. حينها تهرب الأرانب إلي الجحور وسيظل الذئب مشغولا بالبحث عن طريقة لإمساك بالأرانب وإشباع جوعه ويبقي هناك لأطول وقت ممكن.. وفي هذه الأثناء تقوم الحيوانات بالتسلل من الجبل البعيد دون أن يشعر بها الذئب وتذهب إلى وادي الغزلان وتحفر حفرة كبيرة وعميقة تغطيها بأغصان الأشجار والأوراق وتبقى الحيوانات بالوادي.. بينما تنتظر الغزلان عند مدخل الوادي وحين يهاجمها الذئب تجري الغزلان وتقفز من فوق الأغصان وأوراق الأشجار التي تغطي الحفرة.
وحينها سيكون الذئب منهكا من التعب والجوع ويسقط في الحفرة العميقة ونرتاح من شره.
نفذت الحيوانات الخطة كما رسمها الولد.. قامت الأرانب بدورها بشجاعة رغم ما اشتهر عنها من جبن، وظل الذئب ينتقل من جحر إلى جحر دون أن يستطيع الإمساك بأحدها حتى أنهكه التعب، فرقد على الأرض وتصنع الموت مثل خدعة صديقه الثعلب الشهيرة، ربما تأمن الأرانب وتخرج من جحورها.
عادت ملكة الغربان الشريرة إلي الجزيرة ووجدت الحيوانات مجتمعين بوادي النعام.. نعقت ملكة الغربان على صديقها الذئب وقالت:
ـ لما ترقد هكذا أيها الكسول؟!
همس الذئب حتى كادت ملكة الغربان لا تسمع عواءه وقال:
ـ اصمتي.. الأرانب تختبئ في الجحور وأنا جائع، منذ أيام لم أذق طعاما.
اغتاظت ملكة الغربان الشريرة من غباء صديقها وجذبته بمخالبها وقالت:
ـ يا أحمق، ترقد هنا وتتصنع الموت لتطارد الأرانب بينما الحيوانات أمامك بوادي الغزلان.
انتفض الذئب واقفا وهرول إلى وادي الغزلان، بينما ملكة الغربان تلاحقه بنعيقها.. وما إن لمح قطيع الغزلان حتى ركض بكل قواه خلفهم، فقفزوا من فوق الحفرة التي غطتها الأغصان، وأعمي الشر والطمع والجوع الذئب فسقط فيها.
نعقت ملكة الغربان وحلقت عاليا حين شاهدت الذئب يسقط في الحفرة وقالت:
- يا لك من أحمق.. قادك حمقك إلى الهلاك.
حلقت طيور الجزيرة في أسراب وطاردت ملكة الغربان وغربانها السود حتى هربوا من الجزيرة، وحملت حيوانات الجزيرة الولد الذي استطاع أن يخلصهم من شر ملكة الغربان وصديقها الذئب وظلوا يرقصون ويغنون فرحا بالنصر وقرروا منح صاحب الغزلان لقب سيد الجزيرة مكافأة لإنقاذه الجزيرة من شر ملكة الغربان والذئب الشرير.. فلا أحد غيره جدير بهذا اللقب.
ومن حينها تعيش الحيوانات والطيور مع صاحب الغزلان في حب وسلام بجزيرتهم الآمنة.

"إيهاب.. وخاتم سليمان" قصة للأطفال بقلم د. زينب العسال

إيهاب.. وخاتم سليمان 
 د. زينب العسال

تعلم إيهاب هواية صيد السمك من أبيه ..
كان يذهب ـ فى أوقات الفراغ من الدراسة والمذاكرة ـ إلى شاطئ البحر . يدلى السنارة فى قلب المياه ، وينشغل بتأمل القوارب والسفن ، ومد الأمواج وجزرها ، وتحليق أسراب الطير على امتداد الشاطئ ..
كان إيهاب يضع ما تجتذبه السنارة من أسماك فى مخلاة صغيرة ، ثم يعود إلى البيت .
رأى إيهاب ـ وهو يضع السمك على طاولة المطبخ ـ سمكة منتفخة البطن ..
قال لنفسه :
ـ ربما التهمت قبل صيدها سمكة أصغر منها !
ضغط إيهاب على بطن السمكة ، فانتثر من فمها خاتم زاهى اللون ..
قلّب إيهاب الخاتم بين يديه .
لقد قرأ فى الحكايات عن خاتم سليمان الذي يظهر خادمه لمن يحكه بأصابعه وينفذ له كل ما يطلبه . هل يكون هذا الخاتم هو ما تتحدث عنه الحكايات ؟
دعَك إيهاب الخاتم بأصابع مترددة ، لكنه حافظ على هدوئه بتوقع ظهور خادم الخاتم كما تروى الحكايات .
كان الخادم قد تصاعد من الخاتم ، وملأ وسط المطبخ بجسده العملاق ، ونظراته التى تظهر الطاعة .
قال إيهاب :
ـ هل أنت الخادم الذى تروى عنه الحكايات ؟
قال الخادم :
ـ أنا هو . لكننى الآن خادمك أنت . أنا خادم من يحصل على الخاتم .
أطال إيهاب التفكير ، ثم قال :
ـ ماذا تستطيع أن تصنع من أجلى ؟
قال الخادم :
ـ عملى أن أحاول تلبية ما تأمرنى به .
قال إيهاب :
ـ أريد أن تعلمنى كيف يتحول النحاس إلى ذهب ، وكيف تتحول الأرض المجدبة إلى مساحات من الخضرة ، وكيف أتعرف على المدن والبلاد ، وكيف أقرأ وأتحدث باللغات المختلفة .
قال الخادم :
ـ أيام جدى الخادم الأول للخاتم ، كان يكفى حكة سريعة على الخاتم ليلبى لصاحبه كل ما يطلبه . يقول : شبيك لبيك ، عبدك بين إيديك . ويطلب صاحب الخاتم ما يشاء ، وعلى الخادم أن ينفذ مطالبه دون مناقشة .
أضاف الخادم :
ـ الظروف الآن تغيرت . لابد أن يسأل الخادم ويناقش ، فيعرف ماذا يريد صاحب الخاتم من وسائل العلم الحديث ، وهى ـ كما تعرف ـ تختلف عن الوسائل التى كان يلجأ إليها من كانوا يمتلكون الخادم فى الزمن القديم .
وضع الخادم بين يدى إيهاب بضعة كتب ، وقال :
ـ لأننا فى عصر العلم ، فلابد أن نحسن التعامل معه . ادرس ما بهذه الكتب من قواعد اللغة العربية لتجيد قراءاتها وكتابتها .
وقال الخادم ، وهو يتلقى الكتب بعد أن قرأها إيهاب :
ـ اللغة ليست هى التى نشأنا على معرفتها فقط . هناك لغات أخرى تفيدنا فى تحصيل المعرفة، وفى استخدامات العلوم .
وقال الخادم ، وهو يستعيد كتب اللغة الأجنبية :
ـ دراسة الرياضيات والجغرافيا والتاريخ وغيرها من العلوم ، مهمة جداً لتعرف ما تريده ، ولأستطيع أن أفهم ما تطلبه ، وأنفذه .
وقال الخادم :
ـ لم تعد حكة الخاتم تكفى لصنع المستحيل . ما نظن أنه المستحيل يسهل علينا تحقيقه بالعلم الذى تطور به العالم عما كان عليه منذ مئات السنين .
طال وقت إيهاب بين الكتب التى تتناول المعارف والعلوم والفنون ، حتى حفظها تماماً .
أعاد ما قرأه إلى الخادم .
قال الخادم :
ـ هل ينقصك ما تريد أن تقرأه ؟
قال إيهاب :
ـ لقد قرأت فى كل شئ . أشعر أنى قد اكتفيت بما قرأته ، ولا أحتاج إلى سحر الخاتم
قال الخادم :
ـ هذا ما أردته من تشجيعك على الاطلاع والقراءة .
أردف :
ـ المعرفة الحقيقية ستغنيك عما أملكه من خدمات .
قال إيهاب :
ـ أنا مدين بالشكر لك . فمساعدتى على تحصيل المعرفة تفوق ما أتوقعه من خدمات الخاتم .
ثم وهو يضغط على الكلمات :
ـ المعرفة ستظل معى ، ألجأ إليها حين أريد .


الأحد، 19 ديسمبر 2010

"صندوق الذكريات" قصة للأطفال بقلم ممدوح رزق

 صندوق الذكريات
ممدوح رزق
إلى جدتي
( 1 )

الشتاء يجعلني في سعادة كبيرة .. أنا مثل أصدقائي أحب الأجازة والصيف والمرح واللهو على شاطيء البحر مع إخوتي .. لكن الشتاء هو أحب فصول السنة إلى قلبي .. أشعر دائما بالبهجة وأنا أرتدي الملابس الثقيلة التي تخفف من البرودة فتجعلها ناعمة ولذيذة خاصة وقت النوم آخر الليل تحت أغطية الفراش بينما أنصت لصوت المطر بالخارج .. المطر الذي يجعل الناس تظل في بيوتها فتصبح الشوارع خالية تماما .. أحب هدوء حجرات المنزل في الشتاء وكذلك وقوفي في الشرفة كي أشاهد غيوم السماء وقطرات المطر التي تنهمر فوق أسطح البيوت والأسفلت والسيارات .. في الصباح الباكر أشم رائحة الشتاء التي أعرفها جدا والتي تجعلني أشعر كأنني أطير بنشوة كالمسحور وأن كل شيء في الحياة يحتضنني بحب .. لكن هذا العام سعادتي بالشتاء ناقصة بسبب مرض جدتي التي تعيش معنا منذ سنوات .. أنا أحب جدتي كثيرا .. دائما تظل بجانبي حينما يغضب مني أبي أو أمي .. جدتي طيبة جدا ووجهها يفيض بالحنان .. عودتني أن تحكي لي قبل النوم حكايات جميلة حتى أصابها المرض ولم تعد قادرة على الحكي فأصبحت أدعو لها كل يوم قبل أن أنام بالشفاء حتى تعود وتسعدني من جديد بحنانها وحكاياتها الجميلة .

( 2 )

اشتد المرض على جدتي واشتد معه قلقنا جميعا عليها حتى جاء يوم حضر فيه الطبيب إلى منزلنا ودخل حجرة جدتي وأمضى قليلا من الوقت ثم خرج وهو يهز رأسه بحزن وأسف فراح الجميع يبكي بألم ومرارة .. أدركت أن جدتي ماتت وشعرت أن الزمن توقف فجأة وأنني غير قادر على أن أرى أو أسمع أوأفعل أي شيء حتى مشاركة أفراد أسرتي البكاء على الرغم من أن كل شيء بداخلي كان يبكي بحرقة شديدة .

( 3 )

مرت عدة أيام لم أستطع خلالها الذهاب إلى المدرسة .. كان الحزن أقوى منا جميعا .. في أي مكان داخل المنزل نرى وجه جدتي بملامحه الطيبة وابتسامتها الجميلة الرقيقة .. كان فراقها أكبر من أن نحتمله فأصبح كل فرد من الأسرة يعيش في حزنه .. قليل الكلام .. كثير التفكير في العجوز التي كان وجودها بيننا في حد ذاته سببا دائما للبهجة والفرح والاطمئنان .. كنت أظل وحيدا في حجرتي أتذكر أيامها الرائعة وحكاياتها الممتعة آخر كل ليل .. كنت أتذكر أيضا كم كانت ضعيفة بسنوات عمرها الكثيرة وجسدها الضئيل ومرضها الذي لم تستطع أن تتحمله .. لأول مرة منذ وفاتها شعرت بالدموع تسيل من عينيّ .. لم أكن أرى شيئا في هذه اللحظة سوى ابتسامة جدتي وهي تشرق بين تجاعيد وجهها الطيب .

( 4 )

عدت إلى المدرسة والحزن لا يزال ساكنا بداخلي .. في نهاية حصة اللغة العربية طلب منا الأستاذ أن نكتب في واجبنا المدرسي موضوعا عن ( الذكريات ) وما الذي تعنيه بالنسبة لنا .. في طريق عودتي من المدرسة إلى البيت كنت أفكر كثيرا في جدتي التي رحلت وتركتني .. كنت أسأل نفسي كيف هي الآن ؟ .. هل هي سعيدة ؟ .. هل لا تزال عجوزا وضعيفة ؟ .. ما الذي تشعر به في هذه اللحظة ؟ .. لم تتوقف الأسئلة بداخلي حتى وصلت إلى الشارع الذي أسكن به ولكنني قبل أن أصعد للمنزل وجدت امرأة عجوز تجلس فوق الرصيف المواجه للبيت وأمامها سلة مليئة بالليمون .. لا أدري ما الذي جعلني أتوقف لأشاهد هذه المرأة .. شيء لا أعرفه دفعني لتأمل وجهها ونظرات عينيها .. كانت تبيع الليمون بيدين مرتعشتين ثم وجدتها فجأة تنظر إليّ وتبتسم .. أدركت أنها لاحظت وقوفي وتطلعي إليها .. شعرت بالارتباك فصعدت مسرعا إلى منزلي حينما وجدت أمي سألتها :
ـ هل رأيتِ المرأة العجوز التي تبيع الليمون أمام البيت ؟
أمي : نعم
ـ أنا لم أرها هنا قبل ذلك
ـ لماذا تسأل عنها ؟
ـ لا شيء ...
صمت قليلا ثم سألت أمي :
ـ ألا تريدين أن أشتري بعض الليمون ؟
ـ لا بأس
أعطتني أمي النقود وعلى الفور نزلت إلى الشارع وذهبت إلى العجوز التي أخذت مني النقود وقبل أن تعطيني الليمون سألتني مبتسمة :
ـ لماذا كنت تقف وتنظر لي منذ قليل .. هل أشبه أحدا تعرفه ؟
فكرت قليلا ثم قلت :
ـ لا أعرف
ثم تمليت أكثر في ملامحها للحظات وعدت لأقول :
ـ ربما تشبهين جدتي
اتسعت ابتسامتها وهي تسألني :
ـ وكيف حال جدتك ؟
قلت لها في حزن :
ـ ماتت مند أيام
انتقل حزني إلى وجهها وصمتت قليلا ثم قالت :
ـ زوجي أيضا مات مند فترة قصيرة
وجدتني أسألها بتلقائية :
ـ هل لديك أحفاد ؟
ابتسمت ووجهها محتفظ بحزنه ثم قالت :
ـ ليس لدي أولاد حتى يكون عندي أحفاد
شعرت بمزيد من الحزن من أجلها وهي تناولني كيس الليمون .. أخدته منها وقبل أن أتركها قالت :
ـ لو كان عندي ابن أو حفيد كنت سأتمنى أن يكون مثلك
ابتسمت قائلا :
ـ شكرا لك
عدت إلى منزلي وأنا أشعر لأول مرة مند وفاة جدتي بقليل من البهجة لا أعرف سرها .

( 5 )

في المساء جلست لأكتب موضوع ( الذكريات ) الذي طلبه أستاد اللغة العربية .. كتبت عن أن الذكريات هي أوقات الماضي الجميلة التي نحتفظ بها في ذاكرتنا طوال حياتنا .. اللحظات السعيدة برفقة الأسرة والأقارب والجيران والأصدقاء وزملاء الدراسة .. الأماكن والأشياء والأحداث التي مرت وتركت تأثيرات رائعة في نفوسنا وتجعلنا نحب دائما أن نتذكرها دون أن ننساها أبدا .. كتبت سطورا كثيرة عن كل هذا وبعد ان انتهيت أغلقت كراستي وتوجهت نحو النافذة .. كانت السماء تمطر والرصيف المقابل خاليا .. قلت في نفسي أن بائعة الليمون العجوز قد عادت إلى بيتها وأنها الآن وحيدة جدا .

( 6 )

في الفصل قرأ كل تلميذ منا ما كتبه عن ( الذكريات ) وفي نهاية الحصة وقف أمامنا أستاذ الغة العربية وقال :
أنا سعيد جدا بكتاباتكم عن ( الذكريات ) لأنها جميلة حقا ويجمع بينها تعريفكم للذكريات بأنها فقط الأحداث الجميلة وهنا أريدكم أن تفكروا معي في أن الذكريات قد لا تعني الأشياء الرائعة فحسب وإنما هي أيضا الأحداث العادية التي تتحول حين تكبرون إلى أحداث جميلة لمجرد أنها أصبحت من الماضي .. الحياة في الطفولة قد تكون مليئة بالبهجة والسعادة والمرح ولكنها قد لا تصبح كذلك بعد أن تفارقنا هذه الطفولة .. ونحن أطفال نسعد بالعيش مع الأشخاص القريبين منا والذين نحبهم ونحرص عليهم ولكن حينما يغيب عنا أي شخص من هؤلاء ونشعر بالألم والحزن لفراقه فإننا لا نملك سوى أن نتذكر كل ما يتعلق بهذا الشخص .. كل ما جمعنا به وكل ما عشناه معه .. ليست الأشياء الجميلة فحسب وإنما كل الأشياء مهما كانت بسيطة ومهما كانت صغيرة ومهما بدت وكأنها لا تحمل معاني كبيرة أو تأثيرات قوية ولكن يكفي أنها تخص عالما لم يعد بوسعنا أن نعيشه مرة أخرى وأشخاص لم يعد بمقدورنا أن نعيدهم إلينا ثانية وأماكن لم يعد باستطاعتنا أن نسترد جمالها القديم الذي كانت عليه ولهذا نتمسك في كل لحظة بالحنين إلى هذا العالم وهؤلاء الأشخاص وهذه الأماكن .. من أجل ذلك نخلص دائما ونحافظ على ولاءنا للماضي .. نحافظ على صندوق الذكريات الكامن بداخل كل واحد منا ونرعاه جيدا باسترجاع الطفولة واستعادتها من جديد بقدر ما نستطيع .. لا تتوقفوا عن التذكر .

( 7 )

في طريق العودة من المدرسة إلى البيت ظللت أفكر في ما قاله الأستاذ عن الذكريات .. كنت أشعر أن في هذا الحديث رسالة لي تتعلق بموت جدتي وافتقادي الهائل لها .. وصلت إلى المنزل وقبل أن أصعد نظرت إلى الرصيف المقابل .. كانت بائعة الليمون العجوز تجلس في مكانها المعتاد وكالعادة ابتسمت حينما رأتني فبادلتها الابتسام .. لا أدري لماذا تأكدت لحظتها أنها بالفعل تشبه جدتي .. تشبهها كثيرا .. بعد أن أغلقت على نفسي باب الحجرة أصابني فجأة هاجس أربكني وجعلني أشعر الخوف .. ماذا لو عدت ذات يوم من المدرسة ولم أجد بائعة الليمون جالسة على الرصيف .. ماذا لو سألت عنها وعرفت أنها ماتت مثلما ماتت جدتي خاصة أنها عجوز مثلها .. وجدت نفسي أتجه إلى النافذة وأنظر منها إلى الرصيف المقابل كأنني أتأكد من أن بائعة الليمون لازالت جالسة في مكانها .. أنها بخير وستبتسم لي كما تعودت حين تراني .

( 8 )

هذا المساء جلست على مكتبي ، وبعد أن أنهيت واجبات المدرسة أخرجت كشكولا جديدا وبدأت أكتب عن كل شيء .. الشتاء والمنزل والجدة وأستاذ اللغة العربية وبائعة الليمون العجوز .. أكتب عن الحياة كما أفكر فيها وأشعر بها الآن .. بدأت أكتب وأنا أفكر في أن هذا أفضل ما يمكنني فعله للاعتناء بصندوق الذكريات الذي ينمو بداخلي .. أفضل ما يمكنني فعله كي أرى دائما ابتسامة جدتي وهي تشرق بين تجاعيد وجهها الطيب .

السبت، 18 ديسمبر 2010

"هدهد الحديقة" قصة للأطفال بقلم قاسم مسعد عليوة

 هدهد الحديقة

قاسم مسعد عليوة

"كريم" و"ملك" طفلان صغيران. "كريم" ولد جميل، و"مَلك" بنت جميلة. "كريم" عمره خمسة أعوام، وملك عمرها خمسة أعوام وثلاثة أسابيع. مما يعنى أنَّ "كريم" و"مَلك" ليسا بتوأمين ولا بشقيقين؛ وهذا صحيح لأن "كريم" ابن عمة "مَلك"، و"مَلك" ابنة خال "كريم".

إذن هما قريبان، ولأنهما قريبان، فهما غالباً معاً. يلعبان معاً. يأكلان معاً، ويشربان معاً. فى بيت "كريم"، أو فى بيت "مَلك"، أو فى الحديقة..

نعم فى الحديقة. فى كل يوم جمعة يذهبان إلى الحديقة. طبعاً هما لا يذهبان إلى الحديقة بمفرديهما، ولا يذهبان من تلقاء نفسيهما، لأنهما صغيران. هما يذهبان إلى الحديقة بصحبة آبائهما. ويذهبان فى يوم الجمعة، لأنَّ يوم الجمعة إجازة لأبى "كريم" وأبى "مَلك".

"كريم" و"مَلك" يفرحان بالذهاب إلى الحديقة، لأنهما يلعبان فيها الكرة وينطان الحبل، ولأن فيها أشجار، وزهور، وفراش، وعصافير، ويماماً، وهداهد.

نعم هداهد لها ريش جميل.

لاحظ "كريم" أن فوق رأس كل هدهد تاجاً من الريش. لاحظت "مَلك" هذا أيضاً. "كريم" و"مَلك" لم يكونا يعرفان شيئاً اسمه الهدهد، لكنهما لما رأياه فى الحديقة سألا عنه فقالت أم كريم:

ـ هو هدهد.

شاهدت "مَلك" هدهداً يلتقط دودة بمنقاره فقالت لأبيها:

ـ الهدهد يأكل الدود يا بابا.

فرد عليها أبوها:

ـ بالفعل.. هو ينظف الحديقة ويتغذى.

وقال أبو "كريم":

ـ الهدهد طائر لطيف.

وقالت أم "مَلك":

ـ هو طائر لطيف وجميل.

وقالت أم "كريم":

ـ للهدهد قصة ممتعة.

كفَّ "كريم" عن الحركة هنا وهناك، وأمسكت "مَلك" بالكرة، ولم تتركها تسقط حتى لا تجرى وراءها. الاثنان، "كريم" و"مَلك"، أصغيا إلى حكاية الهدهد التى تناوب الأربعة الكبار حكيها، فعرفا أنَّ للهدهد قصة مع نبى اسمه "سليمان"، وأنه جاءه من بلد اسمها "سبأ" بنبأ كان يحتاج إليه، لهذا وُصِفَ هذا النبأ بأنه نبأ عظيم، وعرفا أنَّ "سبأ" بلد ، وأنَّ فى هذا البلد ناس طيبين، ولهؤلاء الناس ملكة اسمها "بلقيس"، وأنها كانت ملكة ذكية وحكيمة، حتى أنَّ "كريم" تخيل أنَّ "بلقيس" هذه تشبه أمه، نفس الأمر تخيلته "مَلك"، إذ قالت تخاطب أمها:

ـ "بلقيس" ذكية وحكيمة.. مثلك يا ماما.

فضحك "كريم" وقال لأمه:

ـ "ملك" سبقتنى يا ماما.

وعرفا من حكاية الهدهد أنَّ "سليمان" كان عادلاً وقوياً، حتى أنَّ "كريم" سارع وقال لأبيه:

ـ أنتَ أيضاً عادل وقوى.. أنتَ تشبه "سليمان" يا بابا.

فضحكت "مَلك" وقالت لأبيها:

ـ "كريم" سبقنى يا بابا.

ولمَّا عرفا من الحكاية أنَّ "بلقيس" ذهبت إلى "سليمان"، وأنها بذهابها هذا حققت الخير لقوم "سبأ" أيقنا أنَّ الهدهد ليس فقط طائراً لطيفاً وجميلاً، ينظف الحدائق من الدود والآفات، لكنه أيضاً طائر طيب يُحب الناس، والناس يحبونه.

من يعرف السر ؟ قصة للأطفال بقلم إبراهيم حمزة

من يعرف السر ؟ 
 (مهداة للكبير دائما عم فؤاد حجازى)
إبراهيم محمد حمزة

قالت " بطوطة " لأمها :
- " رجاءً يا أمى .. أنا أخاف البحر .. أنا لا احب العوم "
ابتسمت الأم ضاحكة من قول البطة الصغرى ةمن ملامح الرعب التى ارتسمت على وجهها كلما فكرت أنها ذاهبة للبحر ..
قالت لها : حبيبتى .. لابد من تتعلمى العوم ، حتى تلتقطى السمك ببراعة "
قالت الصغيرة باكيةً : " أنا لا أحب البحر لا أحب العوم لا أحب السمك "
وأخذت تبكى
في اليوم التالي ، ومع شعاع الشمس الذي قبّل خد " بطوطة " انطلقوا جميعا إلى البحر ، لكنها قررت الجلوس تحت شجرة ؛
لتشاهد أخواتها وأمها يسبحون ويلعبون وهم يشكلون دوائر تقترب وتتباعد ، ثم تقفز بطة لتلتقط سمكة ، وتهبط أخرى إلى الماء لتخرج بصيدها الفضي ,,
شبع البط أكلا ولعبا ، خرجت بعض البطات إلى الشط ، كل واحدة تمد رجليها بسعادة وانتشاء ، ثم تستلقي فى ظل شجرة ..
كل يوم يتكرر الأمر ، و" بطوطة " تزداد ضعفا وحزنا ؛ إلى أن قررت الأم قرارها ، واستلمت " بطوطة " ركنها اليومى ، وشبح الخوف من البحر ينام فى عيونها ،
ظلت تطالع أخوتها كالعادة ، فى انتظار أن تلقى لها واحدة بسمكة لتأكلها ، وإذا بها تسمع صوتا خلع قلبها رعبا ، التفتت حذرة ؛ فوجدت الثعلب أمام عيونها ،
ارتبكت ، لم تجد سوى الترعة ، فاندفعت إليها ، وهى تصرخ طالبةً من ينقذها ، فوجدت البطات أخواتها يساندنها وكل واحدة تدفعها من جانب حتى استوت فى الماء ، وبدأت تعتاد الأمر ، بدأت أخواتها يتباعدن قليلا قليلا ، ولا تغيب عن عيونهن ، بدأت تستمتع بالعوم ، ثم قذفت منقارها لتصطاد سمكة ، سعدت بها ، ثم التقطت أخرى ،،، لم تستطع " بطوطة " منع نفسها من الضحك ، حين التفتت ، لتجد الثعلب المكار ينزع قناعه عن وجهه ، ليظهر وجه أمها الحبيبة .


الجمعة، 17 ديسمبر 2010

"القط بلبل والجد" قصة للأطفال بقلم سمر إبراهيم

القط بلبل والجد
سمر إبراهيم

جَلسَ القِطُّ بلبل كَعادتِهِ كلَّ يومٍ على الكَنبةِ بالصَّالةِ المُؤديةِ إلى بابِ الشَّقةِ الخارجِيِّ مُمددًا رجليه للخلْفِ، ويَدْيهِ للأمامِ، ومُسْندًا رَأسَهُ على يَديهِ مُغْمِضًا عَيْنيهِ نِصفَ إغْمَاضةٍ، يَنْتظرُ عَوْدةَ صَديقتِهِ الصَّغيرةِ "هدى" من زِيارةٍ لإحْدى صَديقاتِهَا. سَمِعَ "بلبل" صَوْتًا عَاليًا إلى حدٍّ ما يَصدرُ عن الحُجرةِ المُجاورةِ، فاعْتدلَ وحرَّكَ أذنْيهِ في اتْجِاه الصَّوتِ مُستَمعًا:
- أنْتَ مِثلَ القطِّ "بلبل" كَسُولٌ لا فَائدةً لك. نَرْعَاكَ ولا تَفْعلُ أنت شَيئًا، متى تَعودُ أمكما وأعُودُ إلى بيتي؟
تَعرَّفُ "بلبل" على الصَّوتِ، كانَ صوتُ الجدِّ يُؤنِّبُ حَفيدَهُ الأصغَرَ، فهو يَصْغُرُ أخته هدى بعامٍ واحدٍ، ولكنه كَانَ وَلدًا شقيًّا لا يكفُّ عن اللَّعبِ، ويَأبَى فَعلَ أيَّ شيءٍ يُطلبُ منه، كانَ الجدُّ قد طَلبَ منه أن يُسْقِي نَباتاتَ شُرْفَةِ حُجْرتِهِ لكنَّهُ لم يَفعلْ، بَلْ اسْتمرَّ في لَعِبِهِ غيرَ عَابئٍ.
ولم يَسمعْ "بلبل" ردَّ الفَتى، فقالَ في نَفْسِهِ: "لابدَّ أنَّه اصْطنعَ النَّدمَ الآنَ أمامَ جدِّه الطيبِ، ونظرَ إلى الأرْضِ مُدْعيًا الخَجلَ من فَعْلتِهِ، فعمرُو لا يفعلُ إلا ما يُريدُ، آه يا جدِّي لو اسْتطعتَ أن أكلَّمَكَ وأعرِّفكَ أنّني لستُ كَسُولا كَما تظُنُ".
وبَعدَ لَحظاتٍ سَمِعَ "بلبل" صوتَ خَطواتٍ صَاعدةٍ على السُّلمِ، فأرْهَفَ السَّمعَ، فاتحًا عَيْنيهِ، ومُتوثِِّبًا، وأدْركَ أنَّها صَديقتُهُ هدَى، فقَفزَ بسُرعةٍ واتجهَ نَحوَ البابِ الخَارجِي للشَّقةِ، ورنَّ الجرسُ، وكانَ "بلبل" أمَامَ البابِ يهزُّ ذيلَهُ ويموءُ بنبرةٍ خَاصَّةٍ، وكأنَّه يُنادي على أحدٍ كيْ يَفْتحَ البابَ لصَديقتِهِ، وقدِمَ عمرو وهو يَضْحكُ، وقالَ ل"بلبل":
- صَديقتُكَ جَاءتْ.
وعنْدَ عُبورِ هدى بقَدمِهَا اليُمْنى إلى الدَّاخلِ تَمسَّحَ بِها "بلبل"، وبعدَ دُخُولِها الشَّقةِ وغَلْقِهَا للبابِ الخارجي خَلْفَهَا، نَظرَ إليها "بلبل" في عَيْنيهَا ثم مَاءَ، ودارَ حوْلَهَا وقَفزَ فَوْقَ كَتفيهَا وتَمَددَ، وظلَّ يُقْبضُ يَدْيهِ ويُبْسطُ إيّاها بحذرٍ حتى لا يُصيَبهَا بِجُرحٍ، مُعبرًا بذلك عن شَوْقِهِ لها وفَرحتِهِ بعَوْدتِهَا. جَلسَتْ هدى على الكَنبةِ القَريبةِ من البابِ الخَارجي للشَّقةِ التي كانَ يَجْلسُ عليها "بلبل"، وأنْزلَتْهُ من فوقَ كَتفيها، وظلَّتْ تَربِّتْ عليه، فتَكوَّرَ "بلبل" في حِجرِهَا، مَائِلا برأسِهِ إلى الأمامِ، فحَملتَهُ بينَ يَديهَا، وسَارَتْ إلى غَرفةِ جدِّها لتِسلِّمَ عليه، وعِندَ وصُولِهَا إلى بابِ غَرفةِ الجدِّ، فَتحَ "بلبل" عينيه مُنْتبهًا، وقَفزَ مُبْتعدًا، وظلَّ يَنظرُ إلى الجدِّ عن بُعدٍ مُتَرقبًا، ثُمَّ عادَ إلى مَكانِهِ المُفضلِ، وجلسَ مُنْتظرًا صَديقتَهُ.
عِندئذٍ قالَ الجدُّ لهدى:
- هدى، لا أفْهمُ هذا القطَّ، ولمَاذَا تُحْبُونهُ؟
اقْتَربَتْ هدى من جَدِّها، وقَبَّلتْ جَبينَهُ، وقَالَتْ:
- إنَّهُ يُحبُّنا أيضًا يا جدِّي. انْظرْ يا جدِّي إنَّه لا يَدخلُ غُرْفَتَكَ، لا يريدُ مُضَايقتَكَ.
وصَمتَ الجدُّ، ولم يُجبْ.
****
وفي أحدِ الأيامِ اسْتيقظَ الجدُّ مُبكرًا لِيُوقظَ أحْفادَهُ، ويَذْهبُ كل من عمرو وأخْتُه هدَى إلى المدرسةِ، وكانَ الجدُّ مُتْعبًا، وبعدَ إعْدادِ الإفْطارِ للأحْفادِ، وضعَ حلّة على البُوتَجازِ بها قليلٌ من الماء وبعض الخضرواتِ لسلقِها، كانَ يريد أكلَ شوربةِ خُضارٍ فقط هذا اليومَ، ثُمُّ عدلَ عن فَكرتِهِ، فذهب إلى غرفته، ونسى أن يطْفِئ البوتاجازَ. وجلسَ على كرسي هَزازٍ يَقرأُ حتى يَأتيه النَّومُ مَرَّةً أخْرى.وكانَ "بلبل" يَجلسُ بالصالةِ مُراقبًا الجدَّ عن بُعدٍ، فقد شَعرَ أنَّهُ مُتعبٌ، وحَالتَهُ لَيْسَتْ على ما يُرامُ ككلِّ يومٍ، فقالَ في نَفْسِهِ:"لولا نُفُورَكَ مِني أيَّها الجدُّ لجَلستُ بِجوارِكِ أرْعاكَ".
وغفَا القطُّ "بلبل" قليلا ثم اسْتيقظَ على رِائحةٍ غَريبةٍ تَعمُّ الشَّقةَ، وتَشَمَمَ "بلبل" الرَّائحةَ، فأدْركَ أنَّها دُخانٌ، فنهضَ وقَفزَ إلى الأرضِ، وذهبَ للبحثِ عن مَصدرِ الدُّخانِ، فاتْجهَ إلى غُرفةِ الجدِّ، فرآه نَاعسًا فوقَ كرسيه الهزازِ. تَشممَ "بلبل" حَوْلَهُ، فعَرفَ مَصدرَ الرَّائحةِ. إنَّه المَطبخُ، فجَرى نَحْوَه، فوجدَ الدُّخانَ قد عمَّ المَكانَ، فابْتعدَ خَائفًا، ثُمَّ جَرى نَحْوَ الجدِّ، ولأولِ مَرَّةٍ يَقْتربُ منه ويَمُوءُ بجَانبِهِ بصَوتٍ عَالٍ وحادٍّ، كي يَسْتيقظَ، ولكنَّ الجدَّ لم يَسمعْ مواءَهُ، فعادَ إلى المَطبخِ مُتردَّدًا، فوجدَ الدُّخانَ يَنْتشرُ عَبرَ البيتِ، وكانت نَوَافذُ الشَّقةِ مُغْلقةً فنحن في فَصْلِ الشِّتاءِ، فقالَ لنَفْسِهِ: "سيَخْتنقُ الجدُّ إنَّهُ كبيرٌ في السنِّ، ولن يَحْتملَ هذا القَدرَ من الدُّخانِ. مَاذا أفعلُ؟ لابدَّ أن أُوقظَهُ".
وعادَ إلى الجدِّ بِسُرعةٍ، وقفزَ على رِجْليهِ ووقفَ، وقد مدَّ يَديه مُحركًا إيَّاها بحَذرٍ على صَدرِ الجدِّ ليُوقظَهُ، وظلَّ يَمُوءُ في وَجْههِ بصَوتٍ عَريضٍ دَالٍ على الخَطرِ، فاسْتيقظَ الجدُّ، وصرخَ في وَجْههِ:
- مَاذا تُريدُ؟
فجَرَى القطُّ ناحيةَ المَطْبخِ وظلَّ يَمُوءُ، ثُمَّ عادَ إلى غُرفةِ الجدِّ مَرةً أخرى، وظلَّ يَفْعلُ ذلك عِدةَ مَرَّاتٍ بِسُرعةٍ كَبيرةٍ لَفتَتْ نَظرَ الجدِّ، فقالَ الجدُّ لنفسِهِ: "غَريبٌ أمرُ هذا القِطِّ ماذا يريدُ؟ لعله يريدُ طَعامًا".
وقَامَ الجدُّ وسَارَ خَلْفَ القطِّ إلى المَطْبخِ، فوجدَ الدُّخانَ الكثيفَ يَعُمُّ المَكانَ، والبُوتاجازَ مُطْفأ، والحَلَّةَ سَوْدَاءَ اللَّونِ، وقد نَفَدَت مَاؤهُا تَمامًا، والخضرواتِ مُلْتَصِقَةً بها، فأغلقَ الجدُّ البوتاجازَ بسُرعةٍ، وفتحَ شُباكَ المَطبخِ.
ثم ذهبَ إلى غرفةِ هدى وفتح شباكها، وألقى عليها نظْرَةً سريعةً، فابتَسَمَ سعيدًا، كانت الغًرْفةُ مرتبةً ورَائِحَتَها ذَكِيةً تُشْعِرُ مَن يراها بالرَّاحةِ.
ثم ذهبَ إلى غُرفَةِ عمرو ليفتح بابَ شُرفتِها، فوجدَها غير مرتبَةٍ، الكتبُ والألعابُ والأوراق مبعْثَرَةً في كلِّ مكانٍ، ونظرَ اتجاه الزَّرعِ فوجده يميلُ إلى الاصْفِرَارِ من العَطَشِ، فقالَ الجدُّ لنفسِهِ:"لابدّ من إيجادِ طريقةٍ كي يتعلَّمَ عمرو النظامَ والاعتمادَ على النفسِ".
وعادَ الجدُّ إلى غُرفتِهِ، وفتحَ شباكَها، وجلسَ الجدُّ على كُرسيِّه الهزازِ مرَّةً أخرى، واقْتربَ القطُّ "بلبل" من غُرفةِ الجد، ووقفَ على بابِها يَنظرُ إلى الجدِّ ليَطمئنَ عليه، وماءَ له بصوتٍ رقيقٍ، وابْتسمَ الجدُّ له لأولِ مرةٍ، وقالَ لَه في حنوٍ:
- شُكرًا يا "بلبل" أنتَ حقًّا قطٌّ طيبٌ، اقْتربْ منى لا تخفْ يا "بلبل".
واقْتربَ "بلبل" في حَذرٍ من الجدِّ، ثُمَّ وقفَ بجانبِهِ، فرَبتَ عليه الجدُّ، وقالَ لَهُ:
- آهٌ أنكَ قطٌّ جَميلُ الشَّكلِ لم ألْحظْ ذَلك من قبلُ، لونُكَ رَمَادِيٌّ مُخَطَّط، وعَيْناكَ وَاسِعتانِ مُعْبرِّتانِ، ووَجْهكَ مُسْتطيلٌ، ونَظْرتُكَ تَفيضُ بالحبِّ، عَرفتُ الآنَ لماذا تُحبُّكَ هدى؟ ولماذا تُدافع عنكَ دَائمًا؟
وتَمَسَّحَ "بلبل" بالجدِّ، ثُمَّ نامَ بالقربِ منهُ، وقَالَ لنفسِهِ: "أخِيرًا يا جدى".
***
سَمِعَ "بلبل" اقْترابَ صوتِ أقْدامِ هدَى من بابِ الشَّقةِ، فتَنبَّه من غَفْوتِهِ، ونَظرَ إلى الجدِّ ثم أسْرَعَ اتْجاهِ بابِ الشَّقةِ، وفَتحَتْ هدى البابَ بمُفْتاحِهَا، فقابلَهَا "بلبل" مُرحبًا بها كعَادتِهِ، ولكنهُ في هذه المَرَّةِ لم يفرّ هَارِبًا عِندَ اقْترابِهَا من غُرفةِ الجدِّ، بل ظلَّ مُستَرخيًا بينَ يَدَيْهَا، فتَعجَّبتْ هدَى، وقَالَت لجدِّهَا:
- لم يَجرِ "بلبل" بَعِيدًا عن غُرفتِكَ يا جدي، مَاذَا حدثَ وأنا بالخَارجِ؟
وقَفزَ "بلبل" على الكَنبةِ التي في غُرفةِ الجدِّ، وتمددَ في اسْترخاءٍ.
حَكَى الجدُّ لهدى كلَّ مَا حدثَ مع "بلبل"، وما رآه في غرفةِ عمرو من فوضى، وقالَ لَهَا:
- لابدَّ أن يتعلَّمَ عمرو النِّظامَ.
فقالَتْ هدى:
- كلمتَهُ يا جدي أكثر من مرَّةٍ.
وصَمتَ الجدُّ قليلا ثُمَّ أكْمَلَ:
- ما رأيكِ ألا نَفْعلَ لَهُ أيَّ شيءٍ يُريدُهُ ولا نُسَاعِدُهُ في شيءٍ حتى يَتعلَّمُ أن عليه وَاجباتٍ كما أنَّ لَهُ حُقوقًا.
وَوافقَتْ هدى جَدَّهَا بالرَّغمِ من صُعُوبةِ الأمْرِ عليها فعمرو أخُوها الوَحيدُ تَلعبُ مَعهُ وتُحبُّهُ، وكانَ "بلبل" يَسمعُ حَدِيثَهُما باهْتمامٍ بَالغٍ، وقالَ "بلبل" لنفسِهِ: "سَأفْعلُ مِثْلَهُمَا لن أحدثَهُ أو ألاعبَهُ حتى يَتَغيرَ".
ودَخلَ عمرو من البابِ في تِلكَ اللَّحظةِ، مُبْتسمًا باشَّ الوجهِ كعَادتِهِ، وقالَ لهدى:
- أينَ طَعامُ الغَذاء؟
فقَالَتْ هدى:
- جَهِّزهُ لنِفْسْكَ.
فنَظرَ لجدِّهِ في اسْتعْطافٍ، فلم يَلْتَفتْ لَهُ جَدُّه، بَلْ قالَ لَه:
- اذْهَبْ لغُرْفتِكِ أولا، وأسعد برؤيتِها.
فقالَ عمرو لنفسِهِ: "إنَّهما غَاضِبانِ، سيَنْسيانِ بعدَ قَليلٍ كلَّ شيءٍ، وسألْعبُ حتى ذَلكَ الحينِ مع شَبيهي "بلبل" كَما يَقولُ عَنه جدي".
وابْتسمَ عمرو، واتَجهَ ل"بلبل" المُمدَّدِ على الكَنبةِ في غُرفةِ الجدِّ، واقْتربَ مِنهُ بخَيطٍ من الحَريرِ تَعوَّدَ أن يُلاعبَه بِهِ، ولَكن "بلبل" لم يَلْتفتْ إليه، ولمْ يَهتمُ بِهِ، بلْ أعْطاهُ ظَهرَهُ، فقالَ لَهُ عمرو:
- حَتَّى أنْتَ يا "بلبل".
وتَرَكَهُ وخَرجَ حزينًا مُتْجهًا إلى غُرفتِهِ، ليَلعبَ مُنْفردًا على جِهازِ الكومبيوتر الخاصِّ بِهِ.
عِندئذٍ قالَ "بلبل" لنفسِهِ: "إذًا لم ينتَبه عمرو لما يُرِيده جدُّه، سأبْلغُهُ الرِّسالةِ بطَرِيقتِي".
وجَرَى "بلبل" وذَهبَ إلى غُرفةِ عمرو، فوَجدَه سَاهِمًا أمَامَ جهازِ الكُمبيوترِ، وقفَ "بلبل" عِندَ بابِ الشُّرفةِ المفتوحِ، ومَاءَ بصَوتٍ حادٍّ، ثم صعدَ إلى سُورِ الشُّرفةِ، وكانَ يَبْدُو الظَّمأُ على النَّباتاتِ، وبِدايةُ الاصْفِرارِ، فمَصَّها "بلبل"، ثُمَّ نَظرَ إلى عمرو، وجَرَى ثُمَّ وَقفَ عِندَ بابِ الغُرفةِ يُنَاديه، وتَبِعَهُ عمرو، فاتجهَ "بلبل" إلى وِعَاءِ الماءِ الخَاصِّ به، وشَرِبَ مِنهُ، ثُمَّ عادَ مُسْرعًا إلى النَّباتاتِ، وماءَ مَرَّةً أخرى، ففَهِمَ عمرو مَا يُريدُه "بلبل"، فابْتسمَ لَهُ، وأحْضرَ رَشاشَ المَاءِ وسَقَى النَّباتاتَ.
وفي تِلكَ الأثْناءِ سَمِعَ الجدُّ وهدى مُوَاءَ "بلبل" المُتغيرَ النَّبراتِ، فتُوقَفَا بالقُربِ من غُرْفةِ عمرو يُراقِبانِ عمرو وهُمَا سَعِيدانِ.
صعدَ "بلبل" إلى سريرِ عمرو، وظلَّ يُكَرمشُ في مَلاءتِهِ ثُمَّ يَفْردُهَا بِأظافرِهِ، وكانَتْ مَلاءةَ السَّريرِ مُكْرمشةً وغَيرَ مُرتبةٍ، لأن مُدَبرةَ المَنزلِ لم تأتِ صَباحَ اليومِ، وعمرو لا يُرتِّبُ غُرفتَهُ مُعْتمدًا عليها، وأدْركَ عمرو مَاذا يَعنى "بلبل"، فأمَسكَ بالمَلاءةِ وفرَدَها جَيدًا، وجرى بلبل اتجاه لُعبةٍ ملقاةً على الأرضِ ووقفَ بجوارِها، ثم نظرَ إلى عمرو، فالتقَطَ عمرو اللُّعبةَ ووضعها في مكانِها، فداعبه بلبل ممسكًا قدمَه برفق، ثم جرى إلى لعبةٍ أخرى، واستمرَّ بلبل وعمرو في ترتيبِ الغرفة، وهما يَلعبانِ ويَضحكانِ.
وبعدَ أن أكملا ترتيب الغرفةَ، ورضِي "بلبل" صعَدَ على كَتف عمرو، وظلَّ يَتمسحَ به في رِضا، وقبلَّه في خَدِهِ مُداعبًا، وهنا دَخلَ الجدُّ فَاردًا ذِراعِيه لحَفيدِهِ، فجَرَى عليه عمرو دَامِعُ العَيْنينِ، وتَأسَّفَ له، وكانت هدى قد جَهْزَتْ طَعامَ الغَداءِ، وأكلُوا جَميعًا مَعًا في سَعَادةٍ، وقالَ الجدُّ لَهم:
- الآنَ أنا حَائرٌ مَاذا سأفعلُ بدون "بلبل" عِندَ عوْدةِ أمِّكما ورُجُوعِي لمَنزلِي.
فضَحكَ الطِّفلانِ، ومَاءَ القطُّ "بلبل"، وصَعدَ إلى المَنْضدةِ وقبَّلَ الجدُّ في خَدهِ، واحْتضنَهُ الجدُّ في حَنانٍ.