لنشر عملك بالمدونة Ahmedtoson200@yahoo.com



الأربعاء، 12 أكتوبر 2016

"أجْمَلُ إنْسان " قصيدة للأطفال بقلم: عبد الواحد حسين طبه



أجْمَلُ إنْسان
عبد الواحد حسين طبه
أَنَا طفْلٌ أجملُ .. إنسانْ
أنشاني.. ربّ الأكوانْ
**
وجعلني أطيبَ من وَرْدٍ
عَطَّرَ أجواءَ البستانْ
**
أفْضلُ ما في هَذي الدُّنيا
عندَ جميع بني الإنسانْ
**
اللهُ الخالقُ أبدعني
في أجمل شكْلٍ سَوَّانْ
**
أَكْرمني ومنَحني عَقْلا
لي جسمً مثل البنيانْ
**
لي رأسٌ..لي جذعٌ
لي أطرافٌ كالأغصانْ
**
لي رجلان عليها أمشي
ويَدانِ لأقطفَ رُمَّانْ
**
أَنَاْ إنْ أبدُو الآنَ هلَالاً
فغدا قَمرا في الأكوانْ

السبت، 8 أكتوبر 2016

"نَسْغُ الْحَيَاةِ " قصة للأطفال بقلم: محمد محمود قشمر



نَسْغُ الْحَيَاةِ
 محمد محمود قشمر
 
حَدَّثَتِ الشَّمْسُ نَفْسَهَا هَذَا المَسَاءِ قَائِلَةً:
إِنَّهُ لَعَجِيْبٌ أَمرُ هَؤُلَاءِ الْبَشَرِ..!! فَهُمْ مَا بَرِحَوا يَنْهَلُونَ نُورِيَ الَّذِي أُغْدِقُهُ عَلَيْهِم سَخيِّاً فَيَّاضاً, ثُمَّ لاَ يَتَوَانَونَ عَنْ بَذْلِ قُصَارَى جُهْدِهِم لِيصْطَنِعُوا أَدَوَاتِ دَمَارٍ يُطَوِرُونَهَا بِعَجَائِبِيَّةٍ غَرِيْبَةٍ لِلّفَتْكِ بِبَنِي جِلْدَتِهِم.
وَبَعْدَ أَنِ التَقَطَتْ بَعْضَاً مِنْ أَنْفَاسِهَا الْحَارَّةِ تَابَعَتْ:
ـ إِنَّهُمْ يُخَرِّبُونَ كُلَّ مَظَاهِرِ الْحَيَاةِ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِِ؛ رَبِيبَتي الْحَبْيبَةِ الَّتِي أُمِدُّهَا مُنْذُ الْقِدَمِ بِنَسغِ الْحَيَاةِ..!!
ثُمَّ غَلَبَهَا صَمْتٌ حَزِينٌ, خَالَطَهُ دَمْعٌ سَخِينٌ, جَادَتْ بِهِ مُقْلَتُهَا الرَّحِيمَةُ.
وَفِيمَا هِي كَذَلِكَ؛ إِذَا بِصَدِيقِهَا الْقَمَرُ - وَقَدْ سَمِعَهَا - يَتَنَحْنَحُ لِيَسْتَأذِنَ صَمْتَهَا وَلِيُخَاطِبْهَا وَقَلْبُهُ يَتَفَطَّرُ أَلمَاً لِمْرآهَا الْكَئِيبِ:
ـ مَا بِكِ يَا مُلْهِمَتِي الْعَزِيزَةِ؟ أَرَاكِ جِدَّ حَزِينَةٍ وَأَشِعَتُكِ الذَّهَبِيََّةُ تَصِلُنِي كَسِيرَةَ الخَاطِرِ..!!
فَأَجَابَتْ وَنَشِيجُ حَسْرَتِهَا يُقَطِّـعُ كَلامَهَا:
ـ أَلا تَرَى.. مَا يَفْعَلُ.. هَؤُلاءِ الْبَشَر؟ إِنَّهُم.. لا يَكُفُّونَ عَنِ الشِّجَارِ وَالْعِراكِ والاِقْتِتَالِ.. فَيُدَمِّرُونَ أَنْفُسَهُم بِأَنْفُسِهِم.. وَيُهَدِّمُونَ كِيَانَ أُمِّهُمُ الأَرْضِ.. الَّتِي ما فَتِئَتْ تَحْمِلُهُم بِحَنْوٍ, وَتَحْدِبُ عَلَيْهِم بِخَيْرَاتِهَا.
فَقَالَ وَقَدْ شَعَرَ بِشُعُورِهَا:
ـ صَحْيحٌ مَا قُلْتِ.. لَكِنَّهُم كَذَلِكَ مُنْذُ وُلِدُوا عَلَى سَطْحِهَا, وَالأَمْرُ لَيْسَ بِجَديِدٍ..!!
فَقَالَتِ الشَّمْسُ مُتَوَعِّدَةً:
ـ الأَمْرُ لَيْسَ بِجَدِيدٍ.. نَعَمْ.. لَكِنْ لَنْ أَسْمَحَ لَهُ بِالاِسْتِمْرَارِ كَمَا هُوَ..!!
فَسَأَلَهَا الْقَمَرُ بِتَوَجُّسٍ:
ـ وَمَا الَّذَي يُمْكِنُ فِعلُهُ مَعَهُم؟
فَقَالَتْ بِحَزْمٍ:
ـ سَأَقُومُ بِفِعْلٍ مَا فَعَلْتُهُ فِي حَيَاتِي قَطُّ.. !!
اِرْتَبَكَ الْقَمَرُ, وَتَوَجَّسَ خِيفَةً لمَّا سَأَلَهَا:
ـ مَاذَا تَقْصِدِينْ؟
فَأَجَابَتْ بِثِقَةٍ وَحَزْمٍ:
ـ لَنْ أُُشْرِقَ عَلَيْهِم مُنْذُ الْغَدِ وَإِلَى الأَبَدِ. فَأَنَا لاَ أَرْضَى أَنْ أَكُونَ رَاعِيةًً لِحَمَاقَاتِهِمْ وَدَاعِمَةً لَهَا, وَسَبَبَاً فِي اشْتدادِ أَنْيَابِ الْقَتْلِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. 
سَمِعَ الْقَمَرُ كَلامَ الشَّمْسِ هَذَا, وَرَأَى كَيْفَ تَسْتَعِرُ حَنَقَاً, فَارْتَجَفَ قَلْبُهُ فَرَقَاً, وَانْبَرَى مُحَاوِلاً تَخْفِيفَ غَلْوَائِهَا:
_ لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنْ أَسْمَعَ مِنْكِ كَلامَاً مِثْلَ هَذَا وَأَنْتِ عَلَى مَاَ أَنْتِ عَلَيهِ مِنَ الْحِلمِ والأَنَاةِ.. فَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ تَتَوَقَّفِي عَنْ مُبَارَكَةِ أَرْضِنَا الْْجَمِيلَةِ بِطَلْعَتِكِ الْبَهِيِّةِ, وَهَيَ تَنْعَمُ بِطِيبِ عِنايتِكِِ وَعَيْنِ رِعَايَتِكِ؟
فَقَالَتِ الشَّمْسُ بِصَرَامَةٍ:
ـ لَمْ يَعُدْ يُهِمُّنِي أَمْرُهَا أَبَدَاً.. فَمُنْذُ الْغَدِ لَنْ تَعُودَ تَرَاِنِي قِمَمُ الْجِبَالِ, أَوْ تَشُمَّ عَبِيرِي أُنُوفُ الْهِضَابِ, أَوْ تُسْعَدَ بِأُنْسِي بُطُونُ الأَوْدِيَةِ, أَوْ تَضَْحَكَ بِدِفْئِي خَطَرَاتُ السَّوَاقِي, أَوْ تَرْقُصَ بِلَحْنِي أَوْرَاقُ الْشَّجَرِ, أَوْ تَغْفُوَ بِهَدْهَدَتِي طُيُورُ المَسَّاءِ, أَوْ تُوقَظَ بِدَغْدَغَتِي طُيُورُ الصَّبَاحِ, أَوْ تَمْتَلِئَ بِمَحَبَّتِي سِلالُ الْخَيْرِ, أَوْ تُحْصَدَ بِمَوَدَّتِي سَنَابِلُ الْعَطَاءِ, أَوْ تَقْطُرُ قَطْرَةٌ مِنْ وَعْدِ السَّمَاءِ, أََوْ يَبْذُرَ رَجلٌ بُذُورَ النَّمَاءِ, أَوْ تَحْمِلَ امْرَأَةٌ ثِمَارَ الْوَفَاءِ.. لا.. لا.. لَنْ أُقْبِلَ عَلَيْهِم بِوَجْهِي بَعْدَ الآنِ أَبَدَاً.
كَلَحَ وَجْهُ الْقَمَرِ الأَبْيَضِ لمَّا أَكََّدَتِ الشَّمْسُ عَزْمَهَا, وَحَارَ فِيمَا يَفْعَلُ.. حَتْمَاً مَصِيرُهُ وَالأَرْضُ؛ قَاتِمٌ جِدَّاً إِنْ وَفَتِ الشَّمْسُ بِوَعِيدِهَا.
قَاَلَ مُلْتَمِسَاً رَأفَتَهَا خَاطِبَاً رَحْمَتَهَا:
ـ سَأَسْأَلُكِ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ, فَهَلْ تُجِيبِينَ عَلَيْهَا بِوُضُوحِكِ الْمَعْهُودِ؟
فَأَجَابْتِ الشَّمْسُ بِثِقَةٍ:
ـ نَعَمْ.. سَلْ مَا بَدَا لَكْ, لَكِنْ.. لِتَعْلمَ أنَّكَ لَنْ تَتَمَكْنَ مِنْ ثَنْيِ عَزْمِي عَمَّاَ ارْتَأيْتُ..!!
فَقَالَ وَقَدْ شَابَ وَجْهَهُ السَّوَادُ:
ـ حَسَنَاً... إِنِ احْتَجَبْتِ عَنِ الظُّهُورِ عَلَى الأَرْضِ؛ فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنّكِ قَدْ حَلَلْتِ مَشَاكِلَ الْبَشَرِ الَّتِي ذَكَرْتِهَا آنِفَاً؟
فَقَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ فَوْرِهَا:
ـ طَبْعَاً لاَ..!
فَسَأَلَ الْقَمَرُ بِأَنَاةٍ:
ـ وَمَاذَا تَكُونِينَ قَدْ فَعَلْتِ؟
فَأَجَابْتِ الشَّمْسُ وَهِيَ تَشْعُرُ بِتَوَهّجٍ أَعْلَى جَبِينِها:
ـ أَكُونُ.. أَكُونُ.. أَكُونُ قَدْ أَنْهَيْتُ الْوُجُودَ عَلَى الأَرْضِ, وَحَوَّلتُهَا إِلَى كَوْكَبٍ مَيِّتٍ خَالٍ مِنْ كُلِّ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ وَأَشْكَالِهَا.
فَعَادَ الْقَمَرُ لِيَسْأَلَهَا وَقَدْ بَدَأَ وَجْهُهُ يُشْرِقُ قَلِيلاً بَعْدَمْا أَخْجَلَهَا:
ـ وَهَلْ تَخْتَلِفِينَ بِفِعْلِكِ هَذَا عَنْ أَفْعَالِ الْبَشَرِ الْقُسَاةِ؟
صَمَتَتِ الشَّمْسُ قَلِيلاً وَقَدْ زَاَدَ تَوَهُّجُ نَاِصيَتِهَا ثُمَّ أَجَابَتْ:
ـ لا.. لَيْسَ كَثِيراً.. لَكِنْ اعْلَمْ أَنَّهُم هُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِبَعْضِهِم, وَمَا فِعْلِي إِلاَ حُزْنَاً عَلَيْهِم وَرِثَاءً لَهُم.
فَسَأَلَ الْقَمَرُ وَابْتِِسِامَةٌ تَعلُو رِمَالَ تُرْبَتِهِ النَّاعِمَةِ:
ـ وَهَلْ رِثَاؤُكِ لَهُمْ يَجْعَلُكِ تَشْمَلِينَهُمْ جَمِيعَاً بِهَذِهِ الأَفْكَارِ السَّوْدَاءِ الَّتِي يُمَارِسُهَا بَعْضُهُم فَيَسْتَحِقُونَ بِمَجْمُوعِهِم دُوْنَ اسْتِثْنَاءٍ ذَاتَ الْمَصِيرِ؟
صَمَتَتِ الشَّمْسُ وَقَدْ أَحْرَجَتْهَا صَرَاحَةُ الْقَمَرِ, حَتَى انْبَثَقَ سُكُوتُهَا عَنْ سُؤَالٍ:
ـ وَمَاذَا تَقْتَرِحُ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ إِذَنْ؟ هَلْ أَبْقَى أَمُدُّهُم بِأَسْبَابِ الْحَيَاةِ وَهُم عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ وَالإِفِسَادِ؟
فَقَالَ الْقَمَرُ مُوَضِّحَاً بِجَلاءٍ:
ـ أَقولُ لَكِِ : عَلَيْكِ أَلَّاَ تُفَكِّرِي ثَانِيَةً بِهَذهِ الأَفْكَارِ الظّلامِيَّةِ, وَأَنْ تَثْوبِي إِلَى رُشْدِكِ وَأَنْتِ الْحَلِيمَةُ الْرَشِيدَةُ, فَتَبْقَي مُضِيئَةً؛ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى الَّذْيِنَ يَحْمِلُونَ أَفْكَاراًََ صَافِيَةً وَنَقِيَةً وَصَادِقَةً بِلَونِ وَجْهِكِ؛ بَلْ وَعَلَى الْجَمْيِعِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.. حَتَّى عَلَى أُوْلَئِكَ الَّذْيِنَ يَعِيثُونَ فِي الأَرْضِ فَسْادَاً.. فَلَعَلَّ وَعَسَى أَنْ يَتَسَلّلَ مِنْ نُورِكِ شَيءٌ مَا إِلَى عُقُولِهِم وَأَفْكَارِهِم فَيَعُِودُونَ مُحِبِّينَ للَّخَيرِ وَالْعَدْلِ وَالْحَيَاةِ مِثْلَمَا نُحِبُّهَا نَحْنُ..!!
عِنْدَ هَذَا عَادَتْ إِلَى الشَّمْسِ إشِرَاقَتُهَا فَأَطَلَّتْ بِرَأْسِهَا مِنْ خَلْفِ الْجِبَالِ وَهَيَ تَقُولُ:
ـ لَقَدْ رَضِيتُ وَاقْتَنَعْتُ بِمَا قُلْتَ, وَلَنْ أَتَوَقَفَ عَنْ نَشْرِ نُورِ مَحَبَّتِي وَدِفءِ عَطْفِي عَلَيْهمْ جَمِيعَاً.


الاثنين، 3 أكتوبر 2016

"رَنْدٌ وَالْعُصْفُورُ" قصة للأطفال بقلم: محمد محمود قشمر



رَنْدٌ وَالْعُصْفُورُ
محمد محمود قشمر

كَانْتِ الصَّغِيرةُ رَنْدٌ تَجْلِسُ أَمَامَ الْنَافِذَةِ تَرْقُبُ بِتَمَعُّنٍ فِعْلَ الرِّيحِ الْغَضُوبِ وَهِيَ تَهُزُّ بِعُنْفٍ وَتَدْفَعُ بِقُوَّةٍ نَافِذَتَهَا المُغْلَقَةِ بِإِحْكَامٍ كَمَا لَوْ أَنَّهَا تُحَاوِلُ اقْتِحَامَ غُرْفَتِهَا الَّتِي تُخَبِّىءُ فِيهَا أَلْعَابَهَا المُفَضَّلَةَ وَدُمَاهَا الْجَمِيلَةَ, مِثْلَمَا تَسْعَى جَاهِدَةً لِتُكَسِّرَ أَغْصَانَ حَدِيَقتِهِمْ, بَلْ وَلِتَقْتَلِعَ أَشْجَارَهَا الَّتِي لَطَالَمَا سَقَتْهَا وَاعْتَنَتْ بِهَا أَيَّمَا عِنَايَةٍٍ, وَلرُبَّمَا تَوَدُّ هِذِهِ الرِّيْحُ الْهَائِجَةُ أَيْضَاً لَوْ تَقْلِبُ هَذَا السُّورَ الَّذِي بَنَاهُ وَالِدُهَا بِجُهْدٍ وَعَنَاءٍ كَبِيرَينِ.
فَجْأَةً.. اِنْتَفَضَتْ رَنْدٌ وَخَرَجَتْ إِلَى الْحَدِيقَةِ غَيْرَ آبِهَةٍ بِغَضَبِ الرِّيحِ وَزَمْجَرَتِهَا... وَمَا هِيَ إَلاَ أَنْ رَجَعَتْ بَعْدَ قَلِيلٍ فَقَطْ, وَيَدَهَا مَلأَى بِعُصْفُورٍ مَذْعُورٍ, قَدْ لَطَمَتْهُ الْعَاصِفَةُ فَأَرْدَتْهُ جَرِيحَاً عَلَى أَرْضِ الْحَدِيقَةِ.
سَأَلَتْهَا أُمُّهَا الَّتِي قَدْ خَرَجَتْ لِتَوِّهَا مِنَ الْمَطْبَخِ:
ـ كَيْفَ اصْطَدْتِ هَذَا الْعُصْفورَ يِا رَنْدٌ؟
أَجَابَتْ رَنْدٌ بِشَفَقَةٍ وَدِفَاعٍ:
ـ أَنَا لَمْ اصْطَدْهُ يَا أُمِّي, لَكِنَّنِي رَأَيْتُهُ يَرْتَطِمُ بِالْجِدَارِ وَيَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ مَهِيضَ الْجَنَاحِ.
فَعَادَتْ وَالِدَتُهَا لِتَسْأَلَهَا مِنْ جَدِيدٍ:
ـ وَمَاذَا سَتَفْعَلِينَ بِِهِ؟
أَجَابَتْ رَنْدٌ بِعَزْمٍ وَثِقَةٍ:
ـ سَأُدَاوِيهِ وَأُدَارِيهِ, وَأُطْعِمُهُ وَاَسْقِيهِ, حَتَّى يَشْفَى جُرْحُهُ وَيَسْتَرِدَّ قُوَّتَهُ.
وَالَّذِي حَصَلَ..
أَنَّ رَنْدَاً أَحْبَّتِ الْعُصْفُورَ, وَأَحْبَّ الْعُصْفُورُ رَنْدَاً؛ وَهِيَ الَّتِي رَاحَتْ تُغْدِقُ عَلَيْهِ مِنْ فيَْضِ مَحَبَّتِهَا وَدِفءِ عَطْفِهَا وَسَخَاءِ يَدِهَا قَدْرَ مَا تَسْتَطِيعُ...
كَانَتْ فِي الصَّبَاحِ قَبْلَ ذَهَابِهَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ تُقَدِّمُ لَهُ بَيْضَةً مَسْلُوقَةً, وَفِي الظَّهِيرَةِ بَعْدَ عَوْدَتِهَا قَمْحَاً مَجْرُوشَاً, وَفِي المَسَاءِ خُبْزَاً مَدْقُوقَاً, وَفِي الْعَشِيَّةِ ذُرَةً مَنْقُوعَةً.. كَمَا أَنَّهَا كَانَتْ تُبْدِلهُ مَاءً صَافِياً مَعَ كُلِّ وَجْبَةٍ, وَتُعَقِّمُ جُرْحَهُ باْلقُطْنِ وَالْكُحُولِ لِتَذْرُو عَلَيْهِ مَنْ بَعْدِهَا مَادَةً بَيْضَاءَ أَعْطَتْهَا إِيَّاهَا وَالِدَتُهَا.
 ِوَمَا بَرِحَتْ رَنْدٌ ذَاكَ شَأنُهَا حَتَّى سُرَّتْ سُرُورَاً عَظِيمَاً عِنْدَمَا تَأَكَّدَتْ مَعَ وَالِدَيْهَا أَنَّ جُرْحَهُ قَدْ طَاَبَ.. لَكِنَّ نَفْسَهَا الَّتِي أَلِفَتْ هَذَا العُصْفُورَ لَمْ تَسْخُوَ أَنْ تُطْلِقَهُ؛ وَلِذَلِكَ اسْتَأْذَنَتْ وَالِدَيْهَا لِتُبْقِيَهُ مُدَّةً أَطْوَلَ؛ لاَ سِيَّمَا وَأَنَّهَا كَانَتْ تَشْعُرُ أَنَّ الْعُصْفُورَ يُبِادِلُهَا نَفْسَ الشُّعُورِ.
وَبَعْدَ أنْ نَالَتْ مُوافَقَةَ وَالدَيْهَا؛ بَالَغَتْ رَنْدٌ بِمَوَدَتِهَا وَعَطْفِهَا عَلَى الْعُصْفُورِ, وَزَادَتْ لَه مِنْ الْوَجَبَاتِ لِدَرَجَةِ أَنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الْحُبُوبِ, أَوْ تَقْرَأْ عَنْ لَوْنٍ مِنَ الأَطْعِمَةِ الشَّهِيَةِ لِلعَصَافِيرِ إِلا وَقَدَّمَتْهَا عَلَى مَائِدَةِ حُبِّهِا وَكَرَمِهَا.
لَكِنْ لِكُلِّ شَيْءٍ نِهَايَةٌ..
فَفِي يَوْمِ الْفِرَاقِ كَانَتِ الْكَآبَةُ تَجْثُمُ عَلَى مُحِيَّا رَنْدٍ, وَالْحُزْنُ يَعْصِرُ فُؤَادَهَا, وَالْدُمُوعُ تُبَلِلُ مُقْلَتَيْهَا, وَبِحُضُورِ أَهْلِهَا خَرَجَتْ إِلَى الْحَدِيقَةِ, وَبَيْنَ يَدَيْهَا الرَّقِيَقَتِينِِ صَدِيقُهَا الْجَمِيلُ.
قَالَ وَالِدُهَا مُشَجِّعَاً:
ـ هَيَّا يَا رَنْدُ.. رُدِّيهِ إِلَى الْفَضَاءِ الْرَّحْبِ الَّذِي أَلْقَى بهِِ إِلَيْكِ.
وَابْتَسَمَتْ لَهَا أُمُّهَا مُشَجِّعَةً, فَاسْتَأْنَسَتْ بِابْتِسَامَتِهَا, وَاسْتَمَدَتْ مِنْهَا عَزِيمَةً جَعَلَتْهَا تُلْقِيهِ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ تُخَاطِبُهُ:
ـ لا تَنْسَ صَدِيقَتُكَ رَنْدَاً.. وَعُدْ لِزِيَارَتِنَا فِي كُلِّ حِيْنٍ.
رَفْرَفَ الْعُصْفُورُ وَطَارَ لِبِِِضْعَةِ أَمْتَارٍ, ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَهُوَ يِنْظُرُ بِاتِجَاهِ رَنْدٍ بِأَنْفَاسٍ لاهِثَةٍ.
فَرِحَتْ رَنْدٌ لأنَّ الْعُصْفُورَ لَمْ يُفَارِقْهَا وَقَالَتْ:
ـ أَرَأَيْتَ يَا أَبِي أَنَّ الْعُصْفورَ قَدْ اسْتَطَابَ الْعَيْشَ عِنْدِي, وَلا يُرِيْدَ أَنْ يَتْرُكَ صَدَاقَتِي؟!
لَكِنَّ أَبَاهَا كَانَ لَهُ رَأيٌ آخَرُ..
ـ إِنَّكِ يَا رَنْدُ قَدْ أَضْرَرْتِ بِهِ مِنْ حَيْثُ لا تَدْرِينَ.. فَقَدْ أَطْعَمْتِهِ كَثِيرَاً حَتَّى سَمِنَ, وَاحْتَفَظْتِ بِهِ لُمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى ضَمُرَتْ عَضَلاتُ جَنَاحِيهِ فَمَا عَادَتْ قَادِرَةً عَلَى حَمْلِ وَزْنِهِ الزَّائِدِ.
فَهِمَتْ رَنْدٌ مَا قَالَ وَالِدُهَا, فَحَزِنَتْ إِذْْ أَسَاءَتْ لِلعُصْفُورِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
سَأَلَتْ وَالِدَهَا وَهِيَ وَاجِمَةٌ:
ـ مَا الْعَمَلُ إِذَنْ يَا أَبِي؟
فَأَجَابَ وَالِدُهَا:ـ لا تَخَافِي يَا رَنْدُ.. فَالْعَصَافِيرُ مِثْلُنَا نَحْنُ الْبَشَرُ؛ إِذَا مَاْ أَكَلْنَا كَثِيرَاً فَإِنَّنَا نَسْمَنُ. وَعَضَلاتُنَا تَتعَبُ وَيَنْتَابُهَا الضُّمُورُ إِذَا لَمْ نُحَرِّكْهَا, حَتَّى أَنَّ حَرَكَتَنَا تَصِيرُ ثَقِيلَةً.. وَنُصْبِحُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لأَنْ تَغْزُونَا الأَمْرَاضُ..!!
وَصَمَتَ قَلِيْلاً لِيَتْرُكَ لَهَا فُسْحَةً تَسْتَوْعِبُ فِيهَا مَا قَالَ. ولَمَّا شَعَرَ بِثِقَلِ قَوْلِهِ تَابَعَ:
ـ لا تَقْلَقِي.. فَالْحَلُّ أَنْ تُقَلِّلِي الطَّعَامَ الَّذِي تُقَدِّمِيْنَهُ لَهُ, وَتُطْلِقيهِ كُلَّ يَوْمٍ لِيُدَرِّبَ جَنَاحِيهِ عَلَى الطَّيَرِانِ وَيِسْتَرِدَ رَشَاقَتَهُ.
فَعَلَتْ رَنْدٌ كُلَّ مَا قَالَهُ وَالِدُهَا, وَلمّا تَمْضِ إِلا أَيَّامٌ قَلائِلُ؛ وَفِي إِحْدَى فَتَرَاتِ التَّمْرِينِ حَلَّقَ الْعُصْفُورُ عَالِياً ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى شَجَرةِ الْكِينْا الْكَبِيرَةِ فِي نِهَايَةِ الْحَدِيقَةِ, وَحَطَّ عَلَى أَعْلَى أَغْصَانِهَا, وَصَدَحَ صَوتُهُ بِزَقْزَقَةٍ عَالِيِةٍ كَانَتْ كَتَقْدِيرٍ وَشُكْرٍ لِرَنْدٍ عَلَى كُلِّ جُهُودِهَا وَحَفَاوَتِهَا, ثُمَّ أَلْقَى بِنَفْسِهِ خَافِقَاً بَجَنَاحِيهِ مُحَلِّقَاً فِي الْفَضَاءِِ الرَّحْبِ.